Skip to main content

أحمد نعواش.. المتنحّي والمدهش في التشكيل الفلسطيني

الأربعاء 30 يوليو 2025
النزعات الفطرية والطفولية ميزت لوحات نعواش وابعدته عن التيار التشكيلي السائد-فيسبوك

في الرابعة عشرة من عمره، غادر التشكيلي الفلسطيني أحمد نعواش (1934-2017) مع عائلته بلدة عين كارم.

كانوا خائفين، والشاحنة تسير بهم في طرق وعرة والتفافية وصولًا إلى مدينة أريحا.

كانت مدينة القدس (الغربية) قد سقطت في أيدي العصابات الصهيونية عام 1948، فلم يجد سكّان عين كارم، البلدة الصغيرة الواقعة في محيط القدس، سبيلًا سوى مغادرة بلدتهم على أمل العودة إليها خلال أيام.

لكن ما بدا وعدًا مؤكدًا تحوّل إلى هجرة دائمة، ونزوح، ثم لجوء إلى الأردن، حيث عاش نعواش وأبدع، تاركًا الزمن كأنه تجمّد عند ذلك اليوم، حيث الطفولة وحدها ما يحدّق فيك من لوحاته، التي تُعدّ استثناءً في مسيرة التشكيل الفلسطيني.

تركت النكبة ندوبا في روح نعواش انعكست في لوحاته عندما كبر-فيسبوك

في إحدى المقابلات القليلة التي أجريت معه، يتحدّث عن مأساة اللجوء الكبرى التي لحقت بالفلسطينيين، وبالطفل الذي كانه، والتي تركت الأثر الأكبر والدائم، وثوى عميقًا في روحه، وتجلّى لاحقًا في لوحاته:

ما أتذكره من نزوحي عن قريتي أنني تركتها في ذلك اليوم الرهيب.

ركبت مع عائلتي شاحنة اجتازت طرقًا ريفية وعرة حتى وصلنا بر الأمان في أريحا.

أذكر استقرارنا هناك لفترة زمنية قصيرة، ربما لشهر أو اثنين، ومن ثم توجهنا إلى السلط فماركا واخيرًا إلى عمّان.

طبعت تلك الكارثة سلوك كثيرين من الفلسطينيين ممن عاصروها، وخصوصًا مبدعيهم، ومنهم نعواش، وإسماعيل شموط (1930-2006)، ومصطفى الحلّاح (1938-2002)، وبول غيراغوسيان (1926-1993)، وناجي العلي (1937-1987) وآخرون.

بين نعواش وناجي العلي

وكما حدث مع نعواش، حيث تحضر الطفولة أو اللمسات الفطرية في لوحاته بكثافة، حدث ذلك أيضًا لكن على نحو مختلف، مع رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي، الذي أصبح "حنظلة" بمثابة توقيعه على رسوماته، التي رصدت مسيرة الهجرات والنضالات الفلسطينية طيلة حياته.

كان حنظلة، الذي ابتدعه العلي بعد حرب عام 1967، طفلًا يدير ظهره للعالم، ويعقد يديه خلف ظهره، رافضًا أن يتأقلم أو يُطبّع علاقاته مع الهزيمة، وفي عمر يُرجّح أنه كان عشر سنوات، وهو العمر نفسه تقريبًا لناجي العلي حين هجّرت عائلته من قرية الشجرة عام 1948.

وإذا كان حنظلة تعبيرًا مباشرًا أقرب إلى البيان السياسي، فإن الطفولة في لوحات نعواش تُعدّ تجليًا تعبيريًا، تشكيليًا أكثر منها سياسيًا أو أدبيًا، عن الفنان نفسه ومشاعره إزاء الظلم الذي تعرّض له شعبه.

تبدو لوحات نعواش أقرب إلى الفن الفطري وتشبه رسومات الأطفال-فيسبوك

يفرّق التشكيلي والناقد الفلسطيني كمال بُلّاطة بين نعواش وأمثاله من التشكيليين، دون أن يُسمّيه أو يُسمّيهم، وبين آخرين من روّاد التشكيل الفلسطيني المعاصر مثل إسماعيل شمّوط ومصطفى الحلّاح وناجي العلي، قائلًا إن الأخيرين "تولَّوا الدور التقليدي للشاعر السياسي، فاستخدموا تعابير بصرية لإعادة صياغة الخطاب السياسي".

أحمد نعواش لم يفعل ذلك.

تبدو لوحاته، التي يعتبرها نقّاده أقرب إلى الفن الفطري وتشبه رسومات الأطفال، متشابهة، ومردّ ذلك أن نعواش لم يمر بمراحل تحوّلات كبرى في مسيرته التشكيلية، بل حافظ على هواجسه نفسها بإصرار الطفل الذي لم تفارقه صدمة التهجير بعد نكبة فلسطين.

يرسم كالأطفال

كأنما الطفل نفسه ظل يعاين العالم من تلك النقطة لا سواها، ما جعل أسلوبه يتبلور على نحو لافت، ويتكرّس في لوحات لا تشبهها أعمال تشكيلية فلسطينية أو عربية أخرى على الإطلاق.

وهذا ما جعل مشاغله تشكيلية في المقام الأول، ولا تحفل بالخطاب الذي يمكن أن تقدّمه، بل بالجماليات التي تنطوي عليها.

هجر نعواش من بلدته عين كارم عندما كان في ال14 من عمره-فيسبوك

لكن ذلك لا يعني عدم تأثره بالوقائع السياسية التي مرّ بها شعبه، بل إن طريقة تعبيره عن ذلك كانت مختلفة، وتتعلق بالمشاعر والرموز الطفولية أكثر من الرموز الوطنية الواضحة.

ويمكن ملاحظة ذلك والتقاطه في تعامله مع ألوانه، وكتله التي اختفى منها البعد الثالث، والتوازن بين الأبعاد.

وإذا كانت الأجساد في لوحات بول غيراغوسيان تحضر متطاولة ومطموسة الوجوه، فإن الأجساد أو الكتل الرئيسة في لوحات نعواش تبدو خارج الجاذبية؛ فلا شيء يربطها بأرض، كأنها تحلّق في الفراغ.

وأكثر من ذلك، فإنها تتداخل فيما بينها؛ فقد يكون رأس أحد الأجساد رأسًا لأجساد أخرى، أو منبثقًا من أحد أضلاع جسد آخر، أو محلّقًا وحده في الفضاء.

رؤوس متداخلة وخارج الجاذبية

لكن ما يبدو مفككًا، كان يقدّم رؤية بالغة التماسك والذكاء في مقاربة موضوعاته، وهي انقطاع هؤلاء عن كل أرض، ما يحيل في القراءات الدلالية والتأويلية إلى الحالة الفلسطينية في ملامحها الكبرى، إذ تُرك الفلسطينيون خارج أرضهم، وخارج أي أرض أخرى، ما جعلهم منفصلين، خارج الجاذبية، وتلك من تبعات الاقتلاع من الوطن الأم.

يعتبر نعواش من جيل الرواد المعاصرين في التشكيل الفلسطيني-فيسبوك

في دراسته لأعمال نعواش، يكتب كمال بُلّاطة عن ذلك الخليط غير المتجانس للأشخاص في لوحاته، وعن حقل الدلالات الذي تشير إليه:

في متاهات ترحالها الساكن، كثيرًا ما تتقلّص أشخاص نعواش الممسوخة، بخرقها البالية وأطرافها المقطوعة إلى ما يشبه الفزّاعة التي ينصبها المزارعون لتخويف الطيور، فمن أكتافهم المخلوعة يحمل أشخاص نعواش وجوهًا جوفاء كما لو كانت أقنعة مفرغة من التعابير.

وأحيانًا أخرى ترتكز وجوههم على رقاب مطاطية وفارغة، وأحيانًا ينبت للواحد رأسان متواريان عند الكتف.

أما أعين أشخاصه فقد أشير إليها بنقاط تموضعت في الوجه كالنمل.  

لوحة نعواش، بهذا، تتحوّل إلى حقل دلالي متعدد، تشكيلي لا أدبي، يخاطب المشاعر أو يستثيرها ويفجرها، حسب زاوية النظر إليها أو حالة المتلقي عند مشاهدتها، محتفظة في الوقت نفسه ببنيتها الفنية المدهشة والمختلفة.

تخلى نعواش عن البعد الثالث في لوحاته-فيسبوك

في مركزها، المشاعر لا الوعي، اللون لا الخطاب، ووراء ذلك كله، ثمّة ألم غامض يبدو مركزيًا في مسيرة نعواش ولوحاته، ولعله ألم ذلك الطفل الذي وجد نفسه أمام مأساة أكبر من عمره، فجمّدته وأسرته في لحظتها الكارثية تلك.

في مقابلة أُجريت معه، يتحدث نعواش عن تسلّل ذلك الألم إلى ألوانه، وعن دفاعاته اللاواعية للتحايل على هذا الألم:

مشاعري هي العنصر المحدد لخياراتي اللونية. عندما أرسم أكون على علم مسبق بالأثر الذي ستتركه الألوان عندما تتجاور...

إن ما أشعر به بشكل دائم هو الألم.

ورغم محاولاتي التخفيف من أجواء الألم او المعاناة المحيطة بي، كما يظهر في أعمالي ذات الألوان الزاهية، إلا أنني أشعر بهذه الأجواء أكثر فأكثر. 

وفي المقابلة نفسها، يتحدث نعواش عن شيء آخر يوضّح فلسفته التعبيرية، فمن الضروري، برأيه، أن "يعبّر الفنان عن مشاعره في اللوحة، لا عن أفكاره الواعية".

اللا وعي في اللوحة.. وبول كلي 

وفي هذا، يقترب نعواش من التعبيرية من جهة، والسوريالية من جهة أخرى، والأخيرة من ملامح أسلوبه، الذي يُحيل، في رأي نقّاده، إلى التشكيلي الألماني بول كلي، وهو ما لم ينفه نعواش، الذي اعتبر كلي من فنانيه المفضّلين، بفضل ما قال إنها ألوانه الدافئة أو الشرقية، إضافة إلى قدرة كلي "البليغة على اختزال ما يريد قوله في فنه".

يقارنه النقاد بالتشكيلي الالماني بول كلي في معالجة الالوان والتعامل مع الكتل-فيسبوك

وُلد نعواش في عين كارم قرب القدس عام 1934، ولم يكن مستغربًا أن تكون أولى تجاربه التشكيلية أقرب إلى الواقعية التعبيرية، فبعد استقرار عائلته في العاصمة الأردنية عمّان (في منطقة المحطة، ثم الهاشمي، ثم جبل التاج لاحقًا)، كان صلاح الدين الأيوبي، محرّر بيت المقدس، موضوع لوحته الأولى.

وفي عمّان، قاده هوسه بالتشكيل إلى التعرف، في خمسينيات القرن الماضي، إلى فنان إيطالي يُدعى آرماندو، كان يقدّم دروسًا في الرسم في منزله.

بعد ذلك، التحق نعواش بأكاديمية الفنون في روما التي تخرّج فيها عام 1964، ثم تابع دراسته في كلية الفنون الجميلة في بوردو (فرنسا)، حيث تعلّم الحفر على الحجر (الليتوغرافي)، كما تتلمذ لاحقًا على يد الفنان الفرنسي جورج راييز، وقضى عدة سنوات (منتصف السبعينيات) في محترفات الحفر بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس.

أقام معارضه الأولى في روما وباريس خلال دراسته هناك في مطلع الستينيات، وفي تقديمه للمعرض الأول لنعواش في روما، كتب الناقد والفنان الإيطالي مارينو ماتساكوراتي عن ندرة "روحه العالمية"، وأن تلك الروح التي تاق إلى التقرب منها المعبّرون الفرنسيون (روح الفنون الشرقية) هي ما جعله يقدّم نعواش للجمهور الإيطالي.

أقام نعواش عددا من المعارض في روما وباريس وعمان ودمشق وبغداد-فيسبوك

عُرف نعواش بتصوفه وانعزاله عن الناس، وقلة الحوارات الصحافية التي أُجريت معه، رغم غزارته وإقامته العديد من المعارض في المنطقة، من بغداد ودمشق إلى عمّان وسواها من العواصم العربية.

ورغم تفرّغه للفن، فقد عمل مدرسًا للفنون الجميلة في الجامعتين الأردنية واليرموك (في الأردن).

وبسبب أسلوبه المتفرّد، وربما ابتعاده عن المؤسسات الرسمية عمومًا، وزهده واعتزاله الناس، ظلّ نعواش في هامش التيار التشكيلي الفلسطيني العريض.

كان بيكاسو يقول إن الأمر استغرق منه بضع سنوات فقط ليرسم مثل مايكل أنجلو أو رافائيل، لكنه استغرق عمره كله ليرسم مثل الأطفال.

لم يكن نعواش مضطرًا لكل هذا العناء، فمنذ بداياته، وهو يرسم مثل الأطفال.

المصادر:
خاص موقع التلفزيون العربي
شارك القصة