الأربعاء 10 كانون الأول / ديسمبر 2025

أخطر العلاجات في التاريخ.. من المومياء الطبية إلى الراديوم والهيروين

أخطر العلاجات في التاريخ.. من المومياء الطبية إلى الراديوم والهيروين محدث 30 تشرين الثاني 2025

شارك القصة

لم يخل الطب الحديث من ممارسات خطيرة ومميتة
لم يخل الطب الحديث من ممارسات خطيرة ومميتة- غيتي
الخط
استعادة لأغرب وأخطر العلاجات في التاريخ الحديث، من الزئبق والزرنيخ وغيبوبة الإنسولين إلى الكوكايين والهيروين، وما قاد إليه ذلك من فضائح وتشريعات.

ظلّ الطب الحديث، كما يبيّن التاريخ، ساحةً للتجريب المُكثّف، تقودها رغبة الإنسان في علاج الأمراض المستعصية، والعيش المديد، والصحة النقيّة من العِلَل. فجرّب ما يُمكن تجريبه، واستند إلى الخيال والشعوذة وكلام السحرة، تمامًا كما اعتمد على المراقبة والتحليل والاختبار واستخلاص العِبَر.

ومع تحضّر المجتمعات، لم يعد البحث عن علاج الأمراض هاجسًا صحيًا فقط، بل تحوّل إلى تنافس تجاري. ومع بدايات القرن العشرين كان الطب يتقدّم خطوات واسعة مدفوعًا بالتنافسية، ما قاد في المحصّلة إلى مئات آلاف الضحايا الذين وقعوا فريسة الممارسات غير المدروسة، أو التجريب القسري كما في معسكرات العبيد، أو التسرّع في جني الأرباح عبر تسويق منتجات بالغة الخطورة.

وبعد عقود من الفوضى الدوائية والطبية، اتفقت الدول المتحضّرة على مجموعة من البروتوكولات التي تُحدّد معايير علمية وبشرية صارمة للتجريب الدوائي والجراحي قبل دخولهما حيّز التطبيق التجاري.

الطب بين التجريب والمغامرة.. من تمائم الفراعنة إلى الكيّ والحجامة

لم تكن غرابة التجارب والعلاجات الطبية سمة العصر الحديث وحده، إذ يزخر تاريخ الطب منذ العصور القديمة بمحاولات تعكس الجهل أحيانًا والجرأة أحيانًا أخرى، وتكشف حدود المعرفة البشرية في مواجهة المرض والسعي لتخطّيها.

ففي مصر الفرعونية مثلًا، عُرف الأطباء باستخدام الوصفات السحرية والتمائم إلى جانب التداوي بالأعشاب والجراحة البسيطة. وضمّت برديّة "إبيرس" (حوالي 1500 ق.م.) وصفاتٍ لعلاج ديدان البطن بجرعات من فاكهة الرُمّان، وأخرى لعلاج الصداع بمزيج من التعاويذ والعلاجات العشبية، كما يقول جون نان، مؤلّف كتاب "الطب المصري القديم" (1996).

أما في اليونان القديمة، فقدّم أبقراط (460–370 ق.م.) نظرية "الأخلاط الأربعة" (الدم، البلغم، المِرّة الصفراء، المِرّة السوداء)، حيث "كان يُنظر إلى اختلال التوازن في هذه السوائل الطبيعية في الجسم باعتباره السبب الجذري لأيّ مرض".

ووفقًا لـ"مكتبة قطر الرقمية"، قامت المعالجة الطبية على "تصحيح اختلال التوازن في الأخلاط من خلال وصف أنظمة غذائية وتمرينات والاستحمام والأدوية، وفي بعض الأحيان إجراءات مثل الفصد"، وهي نظرية سيطرت على الطب الغربي لأكثر من ألف عام.

وفي العصور الوسطى الأوروبية، تفاقمت الممارسات غير العلمية لدى مجتمعاتٍ خلطت بطرق مختلفة بين الدين والأساطير والجهل العميق بالجسد البشري.

من المومياء الطبية إلى غيبوبة الإنسولين والراديوم المشع، ظلّ السؤال نفسه يطارد الطب: من يدفع الثمن عندما يتحوّل الجسد إلى مختبر؟

ويذكر ريتشارد سَغ في كتابه "المومياوات وآكلو لحوم البشر ومصاصي الدماء: تاريخ الجثث" (2011) شيوعَ استخدام عظام القدّيسين و"الأدوية السحرية" في الأديرة، إلى جانب وصفات كيميائية خطيرة، من أغربها ما عُرف بـ"المومياء الطبية"، حيث استُخدم مسحوق جثث محنّطة جُلبت من مصر علاجًا للنزيف والصرع والصداع، واستمرّ ذلك حتى القرن السابع عشر.

أمّا في الحضارة الإسلامية، فقد برزت محاولات أكثر عقلانية؛ إذ يُنسب إلى ابن سينا (980–1037م) وضعُه مبادئ "القانون في الطب" (1025)، حين دعا إلى قواعد عدّة للممارسة الطبية والتجريب، معتبرًا أنّ "اختبار الدواء لا يتمّ إلا عبر ستة شروط تضمن تمييز أثره الحقيقي من الأثر العارض، منها: التجربة على حالات متشابهة، وعدم مزج أدوية أخرى، وتكرار الملاحظة". وهي مبادئ اعتُبرت نواة مُبكّرة لفكرة الطب القائم على الدليل والاختبار المديد.

ومع ذلك، بقيت بعض العلاجات مُثيرة للدهشة. ويعرض كتاب "علم الأدوية العربي المبكّر: مقدّمة مبنيّة على المصادر القديمة والوسيطة" (1966) لمارتن ليفي، بعض هذه الممارسات، على غرار العلاج بالكيّ (الكيّ بالنار أو الحديد المُحمّى) الذي استُخدم لإيقاف النزيف ومعالجة التقرّحات والأورام. وكان ابن سينا والزهراوي يصفانه خيارًا أخيرًا، في تجسيد للمثل العربي القديم "آخرُ العلاجِ الكيّ". ويندرج ضمن ممارساتٍ مماثلة الحجامة والفصد، وهما طريقتان لإخراج الدم اعتُقد أنّهما تُعيدان التوازن بين الأخلاط الأربعة (الدم، البلغم، الصفراء، والسوداء).

كما سُجّل استخدام بول الإبل في العلاج، وهو أمر درجت عليه الجاهلية وظلّ في عصر الإسلام وما بعده.

واستُخدم التداوي بالأحجار الكريمة، إذ نسبت بعض المؤلفات الطبية خصائص علاجية لأحجار مثل الزمرد أو الياقوت لعلاج أمراض العيون أو القلب. ويُذكر أنّ العرب عالجوا الجروح بالسُكّر؛ فقد استخدم الأطباء المسلمون السُكّر (لا الملح فقط) لرشّه على الجروح والقروح لامتصاص الرطوبة ومنع تعفّنها.

من الكيّ إلى الراديوم..

محطات في تاريخ العلاجات الخطرة

 

1. العصور القديمة – الكيّ والحجامة والفصد: استُخدمت الحجامة والفصد والكيّ بالنار أو الحديد المحمّى لإخراج "الأخلاط الفاسدة" من الجسم، وعُدّت وسائل أساسية لإعادة التوازن بين الدم والبلغم والصفراء والمِرّة السوداء، رغم ما تحمله من ألم ومخاطر نزيف والتهابات.
2. من مصر القديمة إلى أوروبا – "المومياء الطبية": تحوّلت الجثث المحنّطة إلى مسحوق دوائي في أوروبا الوسيطة؛ استُخدم ما عُرف بـ"المومياء الطبية" لعلاج النزيف والصرع والصداع، في امتداد غرائبي لمسار الخلط بين الجسد الميت والعلاج "السحري".
3. القرنان 18 و19 – الزئبق والزرنيخ والكهرباء: استُخدم الزئبق والزرنيخ لعلاج الزهري وأمراض أخرى رغم سميّتهما العالية، فيما حاول أطباء وباحثون "إحياء" الجثث بالكهرباء أمام جمهور من المتفرّجين، في مشاهد تشبه ما عرفه الأدب لاحقًا في قصة "فرانكشتاين".
4. مطلع القرن العشرين – اللوبوتومي وغيبوبة الإنسولين: قُدِّم "اللوبوتومي الجبهي" و"غيبوبة الإنسولين" كعلاجات للاضطرابات النفسية الشديدة، عبر التدخّل الجراحي في الدماغ أو إغراق الجسم في غيبوبات متكرّرة، ما خلّف آثارًا كارثية على ذاكرة المرضى وشخصياتهم ووظائفهم العقلية.
5. منتصف القرن العشرين – ثاليدوميد وتجارب المهمّشين: أدّى وصف دواء "ثاليدوميد" للحوامل إلى موجة تشوّهات خلقية واسعة لدى المواليد، في وقت تُرك فيه مرضى مثل المشاركين في دراسة تاسكيجي للزهري بلا علاج، فقط لمراقبة المرض، ما كشف عن عُمق البعد العنصري والاستغلالي في بعض التجارب.
6. عصر الراديوم – "إكسير الشباب" القاتل: سُوِّق الراديوم كمكوّن "سحري" في مياه الشرب ومستحضرات التجميل والأغذية، وروّج له على أنّه يمنح الطاقة ويعيد الشباب، قبل أن تنكشف آثاره الإشعاعية المدمّرة في حالات مثل "فتيات الراديوم" وإيبن بايرز، حيث تحوّل العلاج إلى سبب مباشر للموت.
7. بعد الحرب العالمية الثانية – ولادة أخلاقيات البحث الطبي: بعد سلسلة من التجارب والعلاجات المميتة، ظهرت مدوّنة نورمبرغ عام 1947 ثم إعلان هلسنكي عام 1964 لتضع أسسًا دولية لأخلاقيات البحث على البشر، من الموافقة الواعية إلى حماية الفئات الأضعف، في محاولة متأخرة لوضع حدود أخلاقية لطريق طويل من التجريب على الأجساد.

كهرباء تُحرّك الجثث.. نشوة الاكتشاف وثمن التجريب  

مع عصر النهضة، عاد الأوروبيون إلى التشريح البشري بعد حظره طويلًا، لكن ذلك صاحبه تجارب قاسية، مثل محاولات "إحياء" الأجساد بالكهرباء في القرن الثامن عشر والتاسع عشر.

وممّا يَرِد في بحث بعنوان "تجارب فرانكشتاين الكهربائية الحقيقية في القرن التاسع عشر":

في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1818، وقف الكيميائي الاسكتلندي أندرو أور بجانب جثة قاتلٍ مُعدَم، وكان الرجل مُعلّقًا من رقبته على المشنقة قبل دقائق فقط. كان يُجري عرضًا بحثيًا تشريحيًا أمام مسرحٍ يعجّ بالطلاب الفضوليين وعلماء التشريح والأطباء في جامعة غلاسكو. لكن هذا لم يكن تشريحًا عاديًا لجثة.

أمسك أور بقضيبين معدنيين مشحونين ببطارية فولتية من 270 صفيحة، ووصلهما إلى أعصاب مختلفة، وشاهد ببهجة الجثةَ وهي ترتجف وتتلوّى في رقصة موتٍ بشعة. وعندما وُضع أحد القضيبين على الشقّ الطفيف في طرف السبّابة، كما وصف أور لاحقًا لجمعية غلاسكو الأدبية، "كانت القبضة مُحكمة مسبقًا، امتدّ ذلك الإصبع على الفور؛ ومن ارتعاش ذراعه، بدا وكأنّه يُشير إلى المتفرّجين المختلفين، الذين ظنّ بعضهم أنّه قد عاد إلى الحياة.

ومع التقدّم في اكتشاف أدوات طبية جديدة أو استقدام أعشاب غريبة التأثير من مناطق بعيدة بعد تطوّر وسائل النقل، ومع التقدّم التقني أيضًا، بدأ المجتمع الطبي يشعر بنشوة الثورة الحاصلة، فاندفع إلى التجريب. وترافق ذلك مع تنافس تجاري شديد للحصول على علاجات وطرق جديدة في التمريض يمكنها أن تزيد أرباح المستشفيات وشركات الأدوية.

وفي بحث "الفساد المؤسسي في قطاع الأدوية وخرافة الأدوية الآمنة والفعّالة" (2013) يورد مجموعة من الباحثين ما يلي:

أفسدت صناعة الأدوية ممارسةَ الطب من خلال نفوذها على نوعية الأدوية المُطوّرة، وكيفية اختبارها، وكيفية بناء المعرفة الطبية. منذ عام 1906، أثّر النفوذ التجاري الكبير سلبًا على التشريعات التي يُسنّها الكونغرس لحماية الجمهور من الأدوية غير الآمنة.

ويلاحظ البحث نفسه أنّ شركات الأدوية سعت لإطلاق منتجات "جديدة" بسرعة للحصول على براءات اختراع ومكاسب مالية، ما دفع بعض الباحثين إلى تجربة عقاقير على البشر قبل التأكد من سلامتها، كما حدث في تجارب أدوية السلّ أو الملاريا في بدايات القرن العشرين. كما أنّ المستشفيات والجامعات التي أرادت إثبات ريادتها العلمية كانت تُجازف بأطبائها ومرضاها لتجريب طرق علاجية جديدة من دون موافقة واضحة، مثل تجارب الجراحة المُبكّرة أو الصدمات الكهربائية، ناهيك عن عروض التمويل من شركات الأدوية مقابل السماح بتجارب على المرضى.

حاول الأطباء "إحياء" الأجساد بالكهرباء
حاول الأطباء "إحياء" الأجساد بالكهرباء- allthatsinteresting

الزئبق والزرنيخ واللوبوتومي.. علاجات أخطر من المرض

في ضوء ما سبق، يُصبح فهم أغرب التجارب الطبية في القرنين التاسع عشر والعشرين أسهل؛ فالزئبق واللوبوتومي والإنسولين لم يكونوا قطيعةً تامة عن الماضي، بل تجسيدًا جديدًا لإرث قديم يمزج بين الطموح العلمي والمخاطرة البشرية.

أحد الأمثلة ما عُرف بـ"اللوبوتومي الجبهي" الذي طرحه البرتغالي أنطونيو مونيز في ثلاثينيات القرن العشرين وسيلةً لعلاج مرضى الفصام والاضطرابات النفسية الخطيرة. وشمل الإجراء قطعًا أو تعطيل روابط بين الفصوص الأمامية ومناطق دماغية أخرى. ورغم أنّ مونيز نال عليه جائزة نوبل عام 1949، فإنّه أثار سريعًا جدلًا طبيًا وأخلاقيًا واسع النطاق بسبب نتائجه العنيفة على الذاكرة والشخصية والوظائف المعرفية للمرضى، ما أدّى إلى انحساره لاحقًا مع ظهور أدوية مضادة للذهان، وذلك بعد إجراء ما يزيد عن خمسة آلاف عملية جراحية في الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وفقًا لما نشره موقع "المكتبة الوطنية للطب".

كثير من العلاجات التي بدت يومًا معجزة طبية، تبيّن لاحقًا أنّها أقرب إلى تجربة قاسية على جسد المريض منه إلى طب رحيم

في سياقٍ مشابه، انتشر في العقود نفسها استخدام ما عُرف باسم "غيبوبة الإنسولين"، حيث أُعطي المرضى النفسيون جرعات كبيرة من الإنسولين لإحداث حالات غيبوبة مُتكرّرة على أمل "إعادة ضبط" وظائف الدماغ.

أمّا في الأمراض الشائعة كالزهري، فتذكر "المجلة الدوائية" البريطانية أنّ الكوادر الطبية استخدمت طوال القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين مركّبات المعادن الثقيلة مثل الزئبق علاجًا شائعًا للزهري (السفلس) رغم سمّيتها الواضحة؛ وكانت العبارة الشائعة "ليلة مع فينوس وعمر مع الزئبق" تصف أثر العدوى والعلاج معًا. واستمرّ ذلك حتى ظهور البنسيلين في منتصف القرن العشرين، حيث تغيّرت المعايير العلاجية جذريًا.

كما يذكر كتاب "تاريخ الطب: مقدّمة قصيرة جدًا" (2008) استخدامَ محلول "فولر" المحتوي على الزرنيخ في القرن التاسع عشر لعلاج أمراض متعدّدة.

علاجات أخطر من المرض

في محطات كثيرة من تاريخ الطب، لم يكن الخطر في المرض نفسه، بل في "العلاج" الذي قُدِّم بوصفه اختراقًا علميًا أو أملًا أخيرًا:

  • الزئبق لعلاج الزهري: استُخدمت مركّبات الزئبق طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين علاجًا شائعًا للزهري، رغم سميّتها الشديدة وآثارها المدمّرة على الكلى والجهاز العصبي.
  • محلول "فولر" والزرنيخ: استُخدم الزرنيخ في محلول "فولر" وغيره لعلاج أمراض متعدّدة، من دون إدراكٍ كافٍ لكونه سمًا بطيئًا يتراكم في الجسم على المدى الطويل.
  • اللوبوتومي الجبهي: قُدِّم قطع الوصلات العصبية في الفصوص الأمامية للدماغ علاجًا للاضطرابات النفسية الحادّة، قبل أن يتّضح أنّه يدمّر شخصية المريض وذاكرته وقدرته على اتخاذ القرار.
  • "غيبوبة الإنسولين": جرى إغراق مرضى نفسيين في غيبوبات متكرّرة عبر جرعات ضخمة من الإنسولين، أملاً في "إعادة ضبط" الدماغ، مع مخاطر عالية للوفاة أو الإعاقة الدائمة.
  • أدوية الإدمان بالمخدّرات: استُخدم الكوكايين ثم الهيروين لعلاج التعب والاكتئاب وحتى إدمان مواد أخرى، قبل اكتشاف أنّ "العلاج" الجديد أكثر إدمانًا وخطورة من المشكلة الأصلية.

تجارب غير إنسانية على الأفارقة الأميركيين والمهمّشين

إلى جانب ذلك، برزت أمثلة لعلاجاتٍ تحوّلت إلى فضائح كبرى، منها دواء "ثاليدوميد" الذي وُصف لتخفيف غثيان الحمل أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتسبّب في آلاف حالات التشوّه الجسدي لدى المواليد، ما دفع إلى إصلاحات حادّة في تشريعات سلامة الأدوية واختباراتها قبل التسويق. ويعتبر البعضُ الحادثة "نقطة فاصلة في تاريخ الرقابة الدوائية الحديثة"، وفقًا لموقع "المكتبة الوطنية للطب" الأميركي.

كما لا يُمكن إغفال مأساة "دراسة تاسكيجي للزهري" (1932–1972) في الولايات المتحدة، حيث تُرك مئات من الأميركيين الأفارقة بلا علاجٍ رغم توافر البنسيلين، فقط لمتابعة مسار المرض الطبيعي، كما تُشير سوزان ريفيربي في كتابها "دراسة توسكيجي: تجربة الزهري سيئة السمعة وإرثها" (2009).

إضافةً إلى ذلك، تُظهر أمثلة مثل الهيدروثيرابي (العلاج بالماء والحمّامات واللفائف المُبلّلة) كيف استُخدم الماء لعلاج حالات نفسية وأمراض عصبية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ إذ اعتمدت مصحّات نفسية في أوروبا والولايات المتحدة على "العلاج بالماء". ويذكر كتاب "من اللجوء إلى المجتمع: سياسة الصحة العقلية في أميركا الحديثة" (1991) أنّ المرضى كانوا يُغمَرون في مياه باردة جدًا أو يُلفّون بأغطية مُبلّلة لفترات طويلة لإخماد "التوتّر العصبي".

وإلى جانب هذه الأمثلة الكبرى، سُجّلت ممارسات أقلّ شهرة، مثل:

  • الصدمات الكهربائية النفسية بجرعات عالية ومؤلمة قبل تطوير بروتوكولات التخدير والجرعات الدقيقة؛
  • الترويج لفكرة العلاج بالديدان الطفيلية في أوائل القرن العشرين، ودعم ابتلاع بيوض الديدان لتحسين المناعة أو فقدان الوزن، وفقًا لتحقيق لهيئة "بي بي سي" بعنوان "أغرب الحميات الغذائية في التاريخ" (2013).

علاج الإدمان بالمخدّرات.. من الكوكايين إلى الهيروين

 في أواخر القرن التاسع عشر (1884)، قدّم الطبيب النمساوي كارل كولر أوّل استخدام موثّق للكوكايين كمخدّر موضعي في جراحة العيون، إذ أظهر فعّالية عالية في تسكين الألم وتخدير الأنسجة.

وسرعان ما اعتمد الأطباء الكوكايين في طبّ الأسنان، وجراحات الأنف والحنجرة، وحتى كدواء يُوصف لعلاج التعب والاكتئاب وآلام المعدة. فكان يُباع في الصيدليات أحيانًا من دون وصفة، ونجده مكوّنًا في بعض المشروبات (أشهرها الوصفة الأصلية لمشروب "كوكاكولا" في تسعينيات القرن التاسع عشر). كما شاع الكوكايين للاستخدام النفسي، إذ اعتبره بعض الأطباء، ومنهم سيغموند فرويد، علاجًا واعدًا للإدمان والكآبة، وهو "ما كاد يُدمّر سمعته الطبية" وفقًا لكتاب "تشريح الإدمان" (2011).

لكن بحلول العقدين الأوّلين من القرن العشرين، بدأت آثاره الإدمانية ومضاعفاته الصحية الخطيرة تتّضح تدريجيًا، ودفع ذلك إلى سنّ قوانين لتقييد استخدامه.

من جهته، طُوّر الهيروين للمرّة الأولى عام 1874 على يد الكيميائي الإنكليزي ألدر رايت، وسوّقته شركة "باير" الألمانية ابتداءً من عام 1898 كدواء "آمن" و"غير إدماني" مقارنةً بالمورفين والكوكايين.

في تلك الفترة، بدأ بعض الأطباء والمراكز الطبية بوصف الهيروين لمدمني الكوكايين والمورفين، معتقدين أنّه يُساعد على "الفطام". ومع حلول 1900-1910، كان الهيروين يُباع في الصيدليات كشراب للسعال، وأقراص لعلاج الأرق، وحتى كدواء للأطفال ضد نزلات البرد والسعال. لكن سرعان ما تبيّن أنّ الهيروين أكثر إدمانًا وخطورة من الكوكايين نفسه. وبحلول 1914، مع قانون هاريسون للمخدّرات في الولايات المتحدة، بدأ تقييد وصفه، ثم حُظر استخدامه العلاجي تمامًا.

دروس متأخّرة في تاريخ الطب

من تاريخ العلاجات الخطرة يمكن استخلاص بضع قواعد بسيطة، لكنها حاسمة:

• لا تجربة من دون موافقة واعية وحرة.
• لا دواء بلا شفافية في البحث والتمويل والآثار الجانبية.
• لا علاج يبرّر محو إنسانية المريض أو استهداف الفئات الأضعف.
• ولا "اختراق علميًا" حقيقيًا إذا ظلّ الثمن الحقيقي مخفيًا عن العين والرأي العام.

الراديوم المشع.. إكسير الشباب الذي قتل ضحاياه 

منذ مطلع القرن العشرين، جُرّب الراديوم فيما سُمّي "العلاج الإشعاعي" (Radium therapy)، حيث وُضع في أنابيب صغيرة تُزرع قرب الأورام أو داخلها. ورغم بدائية الأساليب، فقد كان لبعضها أثر فعّال ضد أنواع معيّنة من السرطان.

لكنّ النشوة باكتشاف هذا العنصر المثير دفعت إلى استخدامه في مستحضرات شعبية وخارج غرف العمليات. فقد سال لعاب الشركات التجارية، فسارعت إلى عرضه ضمن أطر متنوّعة من الاستخدامات الغريبة، من بينها "المياه الإشعاعية"؛ إذ ظهرت منتجات مثل "Radithor" (ماء مُقطّر يُضاف إليه الراديوم) وسُوِّق على أنّه إكسير للصحة والشباب.

واشتهرت قصة المليونير الأميركي إيبن بايرز الذي توفي عام 1932 نتيجة تسمّمه بهذا المنتج الذي رُوِّج له بكثافة. كان باير رجل أعمال ورياضيًا، وتناول كميات كبيرة من هذا الماء المُشعّ على مدى سنوات، ما أدّى في النهاية إلى تدهور صحته؛ سقطت أسنانه، وتفتّت فكّه، ومات بتسمّم إشعاعي.

وسوّق الرجل عبواته على أنّها مشروبات تُعيد النشاط، وتُسكّن الألم، وتُجدّد الشباب. كما سُوِّقت منتجات تجميل غالبًا مع ادّعاءات بأنّها "تُضيء الشعر أو البشرة".

ولم تكن قصة باير استثناءً؛ إذ قادت الأطماع الشركات إلى تحقيق الأرباح من هذا المُنتج الذي وصل إلى رفوف الأطعمة، وظهرت إعلانات الشوكولاتة والبيرة مدّعيةً احتواءها على "طاقة الراديوم".

وذهب خيال بعض الشركات إلى مدى أبعد، حين أُنتج الطلاء المضيء بالراديوم لاستخدامه في الساعات وأجهزة القياس، ما أدّى إلى مأساة شهيرة عُرفت بـ"فتيات الراديوم" (Radium Girls)، وهنّ مجموعة من الشابّات في الولايات المتحدة خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين عملن في طلاء أقراص الساعات والأدوات العسكرية بطلاء متوهّج في الظلام مصنوع من الراديوم. ولضمان دقة الأرقام، شجّعت الشركات العاملات على تشكيل فرَشِهِنّ على شكل نقاط دقيقة بشفاههنّ أو ألسنتهنّ، ونتيجةً لذلك، تناولت النساء جرعات صغيرة ولكن متكرّرة من الراديوم يوميًا.

وتذكر "الموسوعة البريطانية" أنّه مع مرور الوقت بدأت العاملات يُعانين من مشاكل صحية مروّعة، بينها: تعفّن الفك، وفقر الدم، وكسور العظام ونخرها، والسرطانات. وتُوفيت كثيرات منهن في سنّ مبكّرة.

جُرّب الراديوم فيما سُمّي "العلاج الإشعاعي" لعلاج الأورام السرطانية
جُرّب الراديوم فيما سُمّي "العلاج الإشعاعي" لعلاج الأورام السرطانية- sciencephoto library

من فوضى العلاجات إلى أخلاقيات البحث الطبي

اللافت أنّ كثيرًا من هذه الممارسات لم يُطرَح في زمنه على أنّه "غريب"، بل عُدّ تعبيرًا عن فهم علمي محدود، واندفاع نحو "العلاج بأيّ ثمن"، أو تحقيق أعلى مستوى من الأرباح وبأسرع وقت. والمؤسف أنّ الضحايا كانوا بشرًا حقيقيين دفعوا ثمن هذه الأخطاء وتلك الأطماع. 

ورغم أنّ التنافس التجاري والطبي ساهم في ظهور حالات استغلالية عديدة، فإنّه أدّى أيضًا، بمرور الزمن وبعد فضائح متكرّرة، إلى فرض تشريعات دولية صارمة، مثل "مدوّنة نورمبرغ" عام 1947 ثم "إعلان هلسنكي" عام 1964، اللذين أرست مبادئهما أخلاقيات البحث الطبي، ولا سيما على البشر، وذلك بعد ما يزيد عن ألف عام على طرح ما مهّد لهذه المبادئ من قبل "شيخ الأطباء" ابن سينا.

في المحصّلة، يكشف تاريخ العلاجات الخطرة أنّ التقدّم الطبي لا يُقاس بالأدوية والتقنيات وحدها، بل أيضًا بالثمن البشري المدفوع في الطريق إليها. ومع أنّ مدوّنة نورمبرغ وإعلان هلسنكي وضعا حدودًا أخلاقية واضحة للتجريب، فإن الأسئلة لا تزال مطروحة حتى اليوم حول نفوذ شركات الأدوية، وحدود ما يُسمح بتجريبه على الأجساد في سبيل "التقدّم"، ومن يملك في النهاية حقّ تقرير الكلفة البشرية لهذا التقدّم.

المراجع 

  • The Pharmaceutical Journal
  • Bynum, W. (2008). The History of Medicine: A Very Short Introduction. Oxford University Press.
  • Grob, G. (1991). From Asylum to Community: Mental Health Policy in Modern America. Princeton University Press.
  • Reverby, S. (2009). Examining Tuskegee: The Infamous Syphilis Study and Its Legacy. University of North Carolina Press.
  • Avicenna (Ibn Sīnā). (1987). The Canon of Medicine (translated selections). Great Books of the Islamic World.
  • Nunn, J. F. (1996). Ancient Egyptian Medicine. British Museum Press.
  • Porter, R. (1997). The Greatest Benefit to Mankind: A Medical History of Humanity. Harper Collins.
  • Nutton, V. (2013). Ancient Medicine. Routledge.
  • Sugg, R. (2011). Mummies, Cannibals and Vampires: The History of Corpse Medicine from the Renaissance to the Victorians. Routledge.
  • Levey, M. (1966). Early Arabic Pharmacology: An Introduction Based on Ancient and Medieval Sources. Brill.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي