الجمعة 17 أبريل / أبريل 2026
Close

أخطر وظيفة في العالم.. طواقم الصواريخ الإيرانية في سباق مع الموت

أخطر وظيفة في العالم.. طواقم الصواريخ الإيرانية في سباق مع الموت محدث 11 مارس 2026

شارك القصة

صاروخ بالستي إيراني
تُتيح منصات إطلاق الصواريخ لإيران ضرب أهداف على بعد نحو ألفيْ كيلومتر - غيتي/ أرشيفية
تُتيح منصات إطلاق الصواريخ لإيران ضرب أهداف على بعد نحو ألفيْ كيلومتر - غيتي/ أرشيفية
الخط
من الأنفاق إلى لحظة الإطلاق، تعيش طواقم الصواريخ الإيرانية تحت ضغط هائل، فيما تحاول إسرائيل والولايات المتحدة اصطياد منصات الإطلاق وتقليص فاعلية الترسانة البالستية الإيرانية.

تُعدّ الصواريخ البالستية إحدى أهم أدوات الرد العسكري لإيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. لكن بالنسبة إلى الجنود الذين يتولون إطلاق هذه الصواريخ، قد تتحول كل مهمة إلى سباق قصير مع الموت.

فعندما يخرج قاذف صواريخ بالستية إيراني من مخبئه ويندفع نحو موقع الإطلاق، تتحول مقصورته الصغيرة فجأة إلى أحد أخطر الأماكن على وجه الأرض.

وإذا لم ينجح الطاقم في الإفلات من أعين الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية التي تراقبهم من السماء، فقد لا تمر سوى دقائق قليلة قبل أن يتعرض القاذف، وهو مركبة ضخمة شبيهة بالشاحنات ومزوّدة بآلية إطلاق تدفع الصاروخ بسرعة هائلة، لضربة صاروخية من الأعلى، ليتحول إلى حطام مشتعل.

"ربما تكون هذه أخطر وظيفة على وجه الأرض في الوقت الحالي. نحن نتحدث عن متوسط عمر تشغيلي قد لا يتجاوز أيامًا، وربما يتحول قريبًا إلى ساعات"
- الخبير في برنامج الصواريخ الإيراني لدى معهد "واشنطن" فرزين نديمي 

أهمية منصات إطلاق الصواريخ


تعتمد إيران على عدد محدود ومتراجع من هذه القاذفات المتحركة للحفاظ على قدرتها القتالية. فهذه المنصات تُعد أصولًا عسكرية حيوية لا غنى عنها، ومن دونها تصبح الصواريخ البالستية، التي تمثل أقوى أسلحة طهران، بلا قيمة عملية.

ويؤكد أستاذ الدراسات الأمنية في كلية "هيرتي" في برلين، ماورو جيلي، أنه "إذا دُمِّرت منصات الإطلاق، فإن الصواريخ البالستية نفسها تصبح عديمة الفائدة".

ومنذ العدوان الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير/ شباط، ركزت الضربات العسكرية بصورة مكثفة على استهداف منصات إطلاق الصواريخ التي تتيح للقوات الإيرانية ضرب أهداف تبعد حتى ألفي كيلومتر.

وهذا يعني أن طواقم تشغيل هذه القاذفات تخوض خلال الأيام الأخيرة لعبة قاتلة من الاختباء والمطاردة. ويقول نديمي إن هذه الطواقم تعيش تحت ضغط نفسي خانق، لأن "المجهود الحربي للنظام الإيراني بأكمله يعتمد عليهم".


داخل "مدن الصواريخ"


يُعد أفراد وحدات الصواريخ البالستية من أكثر العناصر التزامًا أيديولوجيًا داخل الحرس الثوري الإيراني.

وغالبًا ما يعملون من قواعد جبلية سرية تُعرف داخل إيران باسم "مدن الصواريخ"، وهي شبكات ضخمة من الأنفاق المحفورة عميقًا تحت الأرض.

ويوضح المدير السابق لبرنامج الدفاع الصاروخي الإسرائيلي أوزي روبين أنهم "داخل هذه الأنفاق في أمان كبير، فهم محميون تحت عشرات الأقدام من الصخور الصلبة".

لكن هذا الأمان لا يلغي طبيعة الحياة القاسية هناك، التي يتحدّث عنها الباحث في مركز "جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي" سام لاير.

"تمر فترات طويلة من الملل العميق، حيث يجلس الجنود داخل الكهوف. ثم تأتي لحظات ضغط شديد عندما يُطلب منهم فجأة الخروج لنشر الصاروخ" - سام لاير

وقد أسهم فشل أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية في فتح المجال أمام الطائرات المسيّرة للتحليق بحرية فوق مناطق واسعة من البلاد. وهذا يعني أن أي محاولة لإطلاق صاروخ قد تُكتشف بسرعة.

كيف تعمل طواقم الإطلاق؟

خطوات إطلاق الصواريخ البالستية الإيرانية

يضمّ طاقم منصّة إطلاق الصواريخ الواحدة عادة بين خمسة وعشرة جنود، يتولون تحميل صاروخ يزن مئات الكيلوغرامات على منصة الإطلاق، ثم إدخال كم هائل من البيانات لضمان وصوله إلى الهدف بدقة. وتشمل هذه البيانات:
  • معلومات الأرصاد الجوية
  • بيانات الملاحة
  • شكل الأرض ودورانها
ويشير خبير الصواريخ في "مشروع أوسلو النووي" فابيان هوفمان إلى حجم الخطر الذي قد تمثّله دقيقة واحدة خارج الحماية:
"أحيانًا ينقل أحد الجنود هذه البيانات يدويًا إلى الصاروخ عبر سلك. لا تريد القيام بذلك في مكان مكشوف، لأن كل دقيقة تقضيها خارج الحماية تزيد احتمال أن تُقتل بشكل كبير".

سباق مع الزمن


كل ثانية تُعدّ حاسمة بالنسبة إلى هذه الطواقم. فقد جرى تدريبها على إعداد الصاروخ ورفعه وإطلاقه بأسرع وقت ممكن. وفي بعض الحالات، قد لا يتجاوز الوقت اللازم للإطلاق عشر دقائق فقط من موقع أُعدّ وتدرّبوا عليه مسبقًا.

لكن مع المراقبة الدقيقة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، يعتقد محللون أن الطواقم تُضطر أحيانًا إلى نصب القاذفات على جوانب الطرق أو في الحقول، ما قد يضيف نحو 30 دقيقة إضافية إلى عملية الإطلاق.

منصة صواريخ بالستية إيرانية
تكشف سحب حرارية وإشارات بالأشعة تحت الحمراء موقع الصواريخ البالستية أثناء تشغيلها للإطلاق - غيتي/ أرشيفية

ويحدث ذلك فيما يسابق الجنود الزمن لتثبيت الشاحنة باستخدام أذرع هيدروليكية، وإجراء الحسابات الإضافية اللازمة. وفي بعض السيناريوهات الأسوأ، قد تضطر الطواقم إلى استخدام وسائل تقليدية لحساب الإحداثيات، بحسب ماركوس شيلر، وهو مهندس طيران يدرّس علوم الصواريخ في جامعة "بوندسفير" في ميونخ.

ويوضح شيلر أن تشويش نظام "جي بي إس" في إيران قد يجبر الطواقم على الاعتماد على الخرائط التقليدية، وقد يصل الأمر إلى استخدام النجوم لتحديد المواقع. ويقول: "يمكنهم حتى استخدام النجوم أو أداة السدس لتحديد الموقع".

وفي الولايات المتحدة، يتلقى ضباط المدفعية والبحرية تدريبات على استخدام أدوات تعتمد على النجوم، باعتبارها وسيلة ملاحة لا يمكن التشويش عليها إلكترونيًا.

وبعد أن يبتعد الطاقم عن القاذف ويضغط زر الإطلاق، يبدأ عدّ تنازلي يتراوح بين 15 و20 ثانية قبل انطلاق الصاروخ. لكن من تلك اللحظة تحديدًا، يصبح موقع الإطلاق مكشوفًا تقريبًا، إذ ترتفع سحب حرارية وإشارات بالأشعة تحت الحمراء يمكن للأقمار الصناعية رصدها بسرعة.

بعدها، تُرسل الإحداثيات إلى الطائرات المسيّرة والمقاتلات الإسرائيلية والأميركية، أو إلى وحدات الصواريخ المنتشرة في قواعد أميركية في الخليج.

وعلى الأرض، يبدأ سباق جديد: إخفاء القاذف، الذي قد يصل طوله إلى 20 مترًا، قبل أن تعثر عليه أنظمة الاستطلاع المعادية.


خسائر في منصات إطلاق الصواريخ

قصف منصة صواريخ بالستية إيرانية
تدّعي إسرائيل أنها دمرت أكثر من 300 منصة إطلاق منذ بدء العدوان، بينما يقدّر محللون أن إيران ربما لا تزال تمتلك ما بين 100 و200 منصة إطلاق، رغم عدم وجود رقم دقيق موثوق.

تملك إيران أكبر ترسانة صواريخ بالستية في الشرق الأوسط. ويشكل صاروخ "شهاب 3" متوسط المدى ومشتقاته الأطول مدى، مثل "قدر" و"عماد"، العمود الفقري لهذه الترسانة. ومعظم هذه الصواريخ لا يمكن إطلاقها إلا عبر منصات إطلاق متخصصة.

وقد أسهمت الضربات على هذه المنصات في إبطاء وتيرة الهجمات الصاروخية الإيرانية في الشرق الأوسط. فبحسب الولايات المتحدة، انخفضت عمليات الإطلاق بنحو 90% خلال الأيام الأربعة الأولى من الصراع.

كما تراجع عدد الصواريخ التي استهدفت الإمارات العربية المتحدة من 165 صاروخًا في اليوم الأول للحرب إلى سبعة فقط بعد أيام قليلة.

ويقول ماورو جيلي إن ميزان هذه المواجهة يميل ضد إيران، موضحًا: "هذه اللعبة صعبة للغاية لأن نافذة الوقت المتاحة قصيرة جدًا".

ومع استمرار الحرب، ستزداد الصعوبة. فكلما قلّ عدد منصات الإطلاق، زاد عدد الطائرات والأقمار الصناعية التي تطارد كل منصة على حدة.


محاولة التكيف مع الواقع الجديد


لطالما قامت العقيدة العسكرية الإيرانية على منع الخصوم من تحقيق تفوق جوي كامل. لكن الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو/ حزيران 2025 كشفت ثغرات كبيرة في هذا النهج، حين تمكنت إسرائيل من تدمير الدفاعات الجوية حول مواقع عدة تحت الأرض.

ولهذا بدأت إيران توزيع بعض منصات الإطلاق في مناطق ريفية، وإخفاءها في الحظائر، أو بين الأشجار، أو تحت الجسور.

ويجزم نديمي بأن الإيرانيين "يأملون أن يؤدي نشرها في أماكن متعددة إلى زيادة فرص بقائها".

منصة إطلاق صواريخ إيرانية
يرى الإيرانيون أن فرص نجاة منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية تزداد عبر نشرها في أماكن متعددة - رويترز

كما جرى تدريب الطواقم على العمل بصورة شبه مستقلة، ويمكن استخدام رافعات مدنية لتحميل الصواريخ في حال عدم توفر المعدات العسكرية.

لكن لهذه الاستراتيجية حدودًا واضحة. فالقاذفات تحتاج إلى إعادة تزويدها بالصواريخ بواسطة شاحنات تتحرك ذهابًا وإيابًا من القواعد ومستودعات الصواريخ، وهو ما قد يكشف مواقعها.

وقد أظهرت مقاطع فيديو نشرتها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب مقاطع صوّرها إيرانيون على الأرض، أن بعض القاذفات المخفية جرى اكتشافها وتدميرها. كما تتعرض قواعد الصواريخ نفسها لضربات جوية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى حبس الجنود والصواريخ تحت الأرض.


مستقبل غير واضح

تشير بعض المؤشرات إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تحاولان حصر طواقم الصواريخ في عدد محدود من مداخل القواعد، بما يسهل مراقبتها.

ويعتقد نديمي أن إيران قد تضطر إلى الاعتماد أكثر على صواريخ كروز صغيرة، وطائرات مسيّرة انتحارية، لكونها أسهل في الإطلاق، ويمكن حتى إطلاقها من سيارات مدنية تسير على الطرق السريعة، وفق قوله. 


"لا يمكن كسب الحروب باستخدام الطائرات المسيّرة فقط" - فرزين نديمي

ومن الناحية النظرية، يمكن لإيران تحويل بعض مركبات البناء المدنية إلى منصات إطلاق مؤقتة. وقد سبقت كوريا الشمالية إلى هذا الأسلوب، حين حوّلت شاحنات نقل الأخشاب إلى منصات صواريخ.

إلا أنّ هامش المناورة قد لا يكون كبيرًا. ومع تضاؤل الخيارات، تبدو محاولات التكيّف هذه أشبه بشراء وقت إضافي لا أكثر.


"حتى لو قرر الإيرانيون تصنيع منصات إطلاق بدائية أشبه بما نراه في أفلام ماد ماكس، فلن يكون ذلك سهلًا، ولا يمكن إنجازه بين ليلة وضحاها" - سام لاير
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي / ترجمات
المزيد من