لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة بعيدة تحت الجليد، بل تحوّلت إلى "عقدة" تختبر ثلاث قضايا دفعة واحدة: حدود السيادة داخل التحالفات الغربية، ومعادلة الردع في القطب الشمالي، وسباق السيطرة على المعادن التي تُغذّي الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
لذلك تبدو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توسيع النفوذ الأميركي هناك أكثر من مجرد مناورة سياسية:
إنها محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة بين واشنطن وأوروبا من بوابةٍ جغرافية شديدة الحساسية.
في الأيام الأخيرة، ذهب النقاش إلى مستويات غير مسبوقة بعدما لمّح البيت الأبيض إلى أن خيار التدخل العسكري غير مستبعد، ما فتح الباب أمام قلق دنماركي وأوروبي يتجاوز حدود كوبنهاغن إلى مستقبل تماسك حلف شمال الأطلسي نفسه.
وفي هذا السياق، جاء تذكير الأمم المتحدة بقاعدة تبدو بديهية نظريًا لكنها باتت في قلب النزاع: حرمة السلامة الإقليمية للدول الأعضاء، بما في ذلك الدنمارك وغرينلاند.
ما الذي تريده واشنطن؟
-
ما الذي تخشاه كوبنهاغن وأوروبا؟
-
ماذا عن الغرينلانديين؟
غرينلاند أرض الإنويت
عاش الإنويت في غرينلاند لآلاف السنين، لكن لم يكن لديهم نظام دولة بالمعنى الحديث عندما استعادت الدنمارك السيطرة على الجزيرة عام 1729. وقبل ذلك بقرون، سكن المستوطنون النورديون غرينلاند لما يقرب من نصف ألفية قبل أن يختفوا في نهاية العصور الوسطى.
وخلال الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة حماية غرينلاند، وأنشأت منذ ذلك الحين قواعد عسكرية على الجزيرة، لتصبح لاحقًا جزءًا من منظومة الردع والمراقبة في الشمال.
اتفاق 1951: حضور عسكري واسع
ومنحت اتفاقية دفاعية أُبرمت عام 1951 بين الدنمارك والولايات المتحدة الأميركيين حق الوصول العسكري الواسع إلى الجزيرة. وخلال الحرب الباردة، شغّلت الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 قاعدة ومحطة رادار في غرينلاند، وفق مركز الأمم المتحدة الإقليمي للإعلام لأوروبا الغربية.\
ولم يتبقَّ سوى قاعدة واحدة، هي قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تُسمى قاعدة "ثول الجوية"، وتضم نحو 150 جنديًّا أميركيًّا. وتُعد هذه المنشأة، الواقعة على أقصر مسار صاروخي بين روسيا والولايات المتحدة، حلقة وصل حيوية في نظام الدفاع الصاروخي الأميركي.
حكم ذاتي وتبعية دنماركية
بعد إنشاء الأمم المتحدة عام 1945، صُنفت غرينلاند ضمن فئة "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي"، تحت ضغط من الولايات المتحدة وفرنسا.
وفي بيان قُدِّم إلى الأمم المتحدة عام 1954، أشارت الدنمارك إلى أن سكان غرينلاند وافقوا طواعيةً على أن يكونوا جزءًا لا يتجزأ من البلاد، وبالتالي لم يعودوا خاضعين لاعتبارهم "مستعمرة". إلا أن محدودية المشاورات أثارت جدلًا واسعًا آنذاك.
وفي عام 1979، أصبحت غرينلاند رسميًّا إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، مع صلاحيات داخلية تشمل التعليم والشرطة والقضاء والضرائب، على أن تبقى السيادة الدنماركية حاضرة في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والعملة. ثمّ اتجهت غرينلاند نحو مزيد من الحكم الذاتي بعد استفتاءات شعبية، وتطلعت إلى الاستقلال، لا سيما بعد صدور قانون الحكم الذاتي لغرينلاند عام 2009.
ويُعد هذا القانون محطة مفصلية؛ إذ اعترف بشعب غرينلاند كشعب متميز بموجب القانون الدولي، ومنحهم الحق في الانفصال عن مملكة الدنمارك إذا قررت أغلبية الشعب ذلك .غير أن كلفة الاستقلال تبقى عقدته الأبرز، إذ إن أي خطوة نحو الانفصال ستعني عمليًا استبدال المظلّة المالية الدنماركية بمصادر دخل محلية مستدامة.
قيمة الدعم الدنماركي السنوي
لماذا يهمّ؟
وفي يناير/ كانون الثاني 2025، أشار استطلاع رأي نشرته وسائل إعلام دنماركية وغرينلاندية إلى أن 85% من سكان غرينلاند يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما يؤيد ذلك 6% فقط، فيما لم يحسم 9% أمرهم.
مساحة شاسعة وكثافة سكانية منخفضة
على الرغم من اتساعها الهائل، تبقى غرينلاند شبه خالية من السكان، فيما يفرض الجليد إيقاعه على الجغرافيا والحياة فيها.
-
السكان: نحو 57 ألفًا
-
المساحة: 2.2 مليون كلم²
-
الجليد: قرابة 80%
-
المساحة غير المغطاة بالجليد: تقارب مساحة ألمانيا
إمكانات تعدينية هائلة.. لكن التنفيذ بطيء
تتمتع غرينلاند بإمكانات تعدينية كبيرة، لا سيما مع وجود رواسب واسعة من المعادن النادرة. وتُعد الهيمنة الصينية الحالية على هذه المعادن أحد الدوافع التي تغذي رغبة ترمب في التحرك سريعًا باتجاه غرينلاند، بهدف تأمين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية الأميركية، وتقليص الاعتماد على منافسين في سوق بالغ الحساسية.
وتُعد العناصر الأرضية النادرة أساسية لإنتاج توربينات الرياح والمحركات الكهربائية والبطاريات والهواتف المحمولة. كما تمتلك الجزيرة احتياطيات من الليثيوم والكوبالت والذهب والياقوت والماس والنيكل والنحاس وغيرها.
ومع ذلك، لم يشهد قطاع التعدين نموًا كبيرًا حتى الآن، إذ لا يوجد حاليًا سوى عدد قليل من مشاريع التعدين الصغيرة نسبيًا، في ظل تحديات بيئية ولوجستية وتشريعية.
الاهتمام الأميركي بغرينلاند
تعود معرفة الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند بالنسبة للولايات المتحدة إلى القرن التاسع عشر، منذ عهد الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن، وتحديدًا بعد شراء ألاسكا من روسيا.
وكان وزير الخارجية الأميركي ويليام سيوارد يطمح إلى استكمال صفقة شراء ألاسكا من روسيا عام 1867 بشراء غرينلاند. ولم تعترف الولايات المتحدة بسيادة الدنمارك على غرينلاند إلا عام 1917، وذلك في إطار اتفاقية شراء جزر العذراء الدنماركية.
وفي عام 1945، عرضت الولايات المتحدة على الدنمارك 100 مليون دولار (ما يعادل 1.8 مليار دولار تقريبًا عام 2026) لشراء غرينلاند، وهو عرض رفضته الحكومة الدنماركية.
وخلال فترة ولايته الأولى عام 2019، أعرب الرئيس ترمب عن اهتمامه بـ"شراء غرينلاند". وقد رفضت الدنمارك وغرينلاند الفكرة على الفور، وأكدتا مجددًا أن الإقليم ليس للبيع.
العلاقات الأميركية الدنماركية: من الثقة إلى الارتياب
تربط الدنمارك والولايات المتحدة علاقة وثيقة وطويلة الأمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت غرينلاند، من نواحٍ عديدة، حجر الزاوية في هذه العلاقة.
وتاريخيًّا، اتسمت علاقة الدنمارك بالولايات المتحدة بالوثيقة والعملية والثقة منذ انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" عام 1949. وبصفتها دولة صغيرة، سعت الدنمارك إلى تعزيز نفوذها عبر المصداقية والمساهمات المستمرة. كما تبنت موقفًا قريبًا من موقف الولايات المتحدة في السياسة الخارجية والأمن، سواءً على أرض الواقع أو في الخطاب.
ويُعد الضمان الأمني الأميركي أساسًا لهذه العلاقة، بينما اكتسبت الدنمارك نفوذها في واشنطن عبر التزامها بالشفافية والتعاون.
"النزعة الأطلسية المفرطة"
ساهمت الدنمارك في عمليات التحالف في العراق وأفغانستان، ما عزز سمعتها لدى واشنطن كحليف موثوق، حتى لو تطلب ذلك تعريض جنودها للخطر.
غير أن هذه المرحلة، التي وُصفت أحيانًا بـ"النزعة الأطلسية المفرطة"، تبدو اليوم أمام مراجعة قاسية. فبينما من غير المرجح أن تسعى الدنمارك إلى قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة (باستثناء سيناريو الغزو)، فإن لهجة واشنطن الحالية فتحت نقاشًا داخليًا حول ما إذا كانت كوبنهاغن قد اعتمدت بشكل مفرط على المظلة الأميركية. وحتى إذا هدأت الأزمة، قد يميل المزاج الدنماركي إلى نهج أوروبي أكثر اعتدالاً تجاه الولايات المتحدة.
بيتوفيك وحوادث الحرب الباردة: أثر طويل
لطالما استطاعت الدنمارك استخدام غرينلاند كورقة ضغط في العلاقات عبر الأطلسي، إلا أن كوبنهاغن أصبحت أيضًا هدفًا لانتقادات تتصل بالإرث الاستعماري وخلافات الحرب الباردة، ما يؤثر في كيفية تفاعل الأطراف الثلاثة.
ويُعد الجدل حول بيتوفيك وما شهدته من حوادث مثالًا على حساسية الوجود الأميركي في الجزيرة. ففي عام 1968، تحطمت طائرة أميركية من طراز B-52 تحمل أسلحة نووية بالقرب من بيتوفيك، ما أثار نقاشات مطولة حول السلامة والشفافية والمسؤولية.
وأسهمت هذه الحوادث في تغذية النزعة نحو مزيد من الحكم الذاتي في غرينلاند، من دون أن تغيّر الحقيقة الأساسية:
غرينلاند لا تزال ذات أهمية استراتيجية للدفاع الأميركي، وكثيرًا ما اضطرت الدنمارك إلى التعامل مع التداعيات السياسية عند تصاعد التوترات.
غرينلاند تزعزع العلاقة بين الحليفين
يبدو أن الحقبة التي كانت فيها غرينلاند "ورقة" بيد كوبنهاغن قد ولّت. فبدل أن تكون أداة تأثير في العلاقة عبر الأطلسي، باتت مصدرًا لأكبر أزمة تشهدها العلاقات الأميركية الدنماركية منذ عقود.
وتكتسب غرينلاند أهمية بالغة للأمن الأميركي، لا سيما لموقعها الجغرافي الاستراتيجي؛ إذ تقع على مفترق طرق جوية وبحرية مع أميركا الشمالية، ما يفسر تمركز أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة الفضائية والدفاع الصاروخي فيها لعقود. يُضاف إلى ذلك دور غرينلاند المحوري في ممر غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة (ممر GIUK)، وهو ممر مائي بالغ الأهمية لمراقبة نشاط الغواصات الروسية في شمال المحيط الأطلسي.
وفي سياق تبرير الضغط السياسي، زعم ترمب أن المياه المحيطة بغرينلاند "تعجّ" بالسفن الروسية والصينية. لكن دراسة نشرها المعهد الدنماركي للدراسات الدولية تشير إلى أن هذه المزاعم تخلط بين مناطق مختلفة من القطب الشمالي وتبالغ في وصف النشاط حول غرينلاند نفسها، وتلفت إلى أن الاتفاقيات القائمة تمنح واشنطن بالفعل نطاقًا واسعًا مما تحتاجه لحماية مصالحها الأمنية في الجزيرة.
الدفاع العسكري عن القطب الشمالي: أين تقع المشكلة؟
يتهم ترمب الدنمارك بالتقاعس عن الدفاع العسكري عن القطب الشمالي. غير أن وجود الدنمارك هناك كان محدودًا بحكم التصميم منذ البداية: فالولايات المتحدة هي التي قادت تاريخيًا الترتيبات الاستراتيجية في غرينلاند، بينما حافظت الدنمارك وغرينلاند على السيادة والإدارة.
كما أن بيئة العمليات في القطب الشمالي تجعل الانتشار التقليدي واسع النطاق غير عملي، وقد لا يكون ضروريًا استراتيجيًا بهذا المعنى. ومع ذلك، تشير الدراسة نفسها إلى أن دعوات رفع قدرات “الوعي الظرفي” في القطب الشمالي لها ما يبررها، إذ إن تغطية الرادار فوق غرينلاند لا تزال محدودة في ما يتعلق برصد الطائرات الروسية، كما أن قدرات “الناتو” في مكافحة الغواصات عبر فجوة GIUK ليست كافية حاليًا.
لكن توجيه الاتهام للدنمارك بوصفها “حليفًا سيئًا” بسبب هذه الثغرات يبدو، وفق هذا المنطق، في غير محله: فواشنطن نفسها كانت تاريخيًا تتولى كثيرًا من هذه المهام خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تكرست المعادلة في الحرب الباردة وما بعدها، قبل أن يتغير الموقف الأميركي اليوم.
هل تملك واشنطن ما تحتاجه عسكريًّا في غرينلاند أصلًا؟
- تشير الدراسة إلى أن الاتفاقيات القائمة تمنح الولايات المتحدة نطاقًا واسعًا يحقق مصالحها، لكن الأزمة تدور حول "النفوذ" وحدود السيادة لا حول الترتيبات التقنية فقط.
"الجائزة الكبرى التي قد تعيد رسم الخرائط"
غرينلاند من جزيرة نائية إلى نقطة ارتكاز
هل يمكن للحلف الصمود إذا ما قررت "الدولة القائدة" فيه انتهاك سيادة أحد أعضائه المؤسسين؟