تشهد سوق الإيجارات في لبنان ارتفاعًا غير مسبوق، بالتزامن مع تصاعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية واتساع رقعة النزوح الداخلي، ما أدخل البلاد في أزمة سكن حادة تُعد من الأخطر في تاريخها الحديث.
فمع تجاوز عدد النازحين عتبة المليون، قفزت أسعار الإيجارات إلى مستويات قياسية، وسط قيود وشروط صارمة تُفرض على العائلات النازحة، ما جعل تأمين مأوى مهمة شبه مستحيلة للكثيرين.
رحلة نزوح قاسية
علي، واحد من مئات آلاف النازحين، اضطر لمغادرة بعلبك تحت وطأة أوامر الإخلاء، ليبدأ رحلة شاقة بلا وجهة واضحة. انتهى به الحال على رصيف في قلب بيروت، حيث لا مأوى ولا قدرة على استئجار منزل.
وفي حديث للتلفزيون العربي، قال علي: "لم أجد مأوى، ولا أستطيع استئجار منزل. بحثت طويلًا، لكن لم أجد بيتًا بأقل من 1500 دولار".
وقصة علي ليست استثناء، بل تمثل واقع آلاف العائلات النازحة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، حيث تحولت الأرصفة والخيام المصنوعة من النايلون إلى بدائل قسرية عن المنازل، في ظل انهيار القدرة على تحمل تكاليف الإيجار.
وأدت موجة النزوح الكبرى إلى إشعال سوق الإيجارات، حيث يرى البعض أن ما يحدث نتيجة طبيعية لارتفاع الطلب مقابل محدودية العرض، فيما يصفه آخرون بأنه استغلال صارخ للأزمة.
وفي هذا السياق، قال إسكندر بريدي، عضو في مجلس بلدية بيروت: "هناك بعض الإجراءات التي تتخذ بحق النازحين من قبل بعض المالكين، خوفًا من تكرر الاستهدافات للشقق السكنية كما حصل في مناطق أخرى لكن محافظة بيروت تعمل على ضبط الواقع.."
حركة نزوح واسعة في لبنان بسبب الحرب تدفع أسعار الإيجارات إلى مستويات قياسية، وتثير مخاوف السكان من أزمة سكنية متفاقمة تقرير: جنى الدهيبي pic.twitter.com/LT8HtPNWzY
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) March 29, 2026
لكن النزوح وفق مختصين، لم يعد مجرد أزمة سكن، بل أصبح مساحة للتمييز، في سوق تجاوزت فيه الأسعار حدود المنطق.
وتؤكد مسؤولة قسم الاقتصاد في جريدة "المدن"، عزة الحاجة حسن، أن أسعار الإيجارات في بيروت وجبل لبنان ارتفعت بأكثر من 400%، نتيجة النزوح بعد الحرب، في ظل غياب الرقابة ووجود ممارسات تمييزية بحق النازحين.
بدورها، تعكس الضاحية الجنوبية لبيروت تحولات لافتة، إذ كانت تشكل امتدادًا عمرانيًا وسكانيًا متصلًا مع العاصمة، لكنها تحولت بعد الحرب إلى مناطق شبه فارغة، بفعل أوامر الإخلاء، على غرار ما حدث في الجنوب والبقاع.
في ظل هذا الواقع، تتحول رحلة البحث عن منزل إلى معاناة يومية لعشرات آلاف العائلات، هجرتهم إسرائيل قسرًا بفعل أوامر الإخلاء، وسط مساع إسرائيلية لتغيير الخريطة الجغرافية والديمغرافية في لبنان.