يخوض عدد من أطفال قطاع غزة رحلة علاج في لبنان، وهم من بين آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم وأحباءهم في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، التي خلّفت منذ 23 شهرًا أكثر من 64 ألف شهيد.
أحدهم الطفل عمر أبو كويك ذو الستة أعوام، الذي يعتقد أن يده اليسرى المبتورة ستنمو من جديد في عيد ميلاده المقبل، بعدما باتت تنتهي عند المرفق.
عمر كان الناجي الوحيد من غارة إسرائيلية سوّت منزل جديه في غزة بالأرض في ديسمبر/ كانون الأول 2023، وأنهت حياة والدَيه وأخته وأقارب آخرين.
انتشل عمر من تحت الأنقاض بجروح بالغة، وساق مهشمة، وكانت يده اليسرى مبتورة بفعل الانفجار.
وبسبب الدمار الذي تعرضت له مستشفيات غزة، اضطرت عمته مها للاستنجاد بمنظمة الصحة العالمية التي نظمت إجلاء عمر إلى مصر للعلاج الأولي، قبل أن ينقل إلى لبنان.
وجاء عمر برفقة مجموعة صغيرة من العائلات الغزية من القاهرة إلى بيروت لتلقي العلاج الطبي اللازم.
إلا أن الطفل عمر حينما ينظر إلى يده، يردد قائلًا: "رح ترجع تكبر لما أصير سبعة".
وتقول مها أبو كويك عمة عمر لوكالة رويترز إنه أصبح الآن يناديها "ماما"، لافتة إلى أنه بات يخاف من النوم بسبب الأحلام البشعة.
وجدت مها نفسها أمام خيار مصيري. فتركت أبناءها في غزة لترافق عمر في رحلة علاجه. وتقول: "أصعب قرار في حياتي كان ترك أولادي في منطقة حرب. لكن عمر ما كان عنده حدا غيري. ما قدرت أتركه".
والآن، يدرس الأطباء في بيروت إمكانية تركيب طرف صناعي لعمر وإجراء عمليات ترميمية قد تعيد له بعض الأمل.
"أنت بطل"
لا يذكر أمير حجاج (14 عامًا) سوى لمحات من الليلة التي تغيرت فيها حياته للأبد.. وميض أحمر، انفجار، ومن ثم صمت قاتل.
وقالت آلاء، أخت أمير الكبرى، إن غارة إسرائيلية أصابت منزل العائلة في غزة في أواخر عام 2023. اخترقت الشظايا كتفيه ورجله ويده ونزف لساعات بينما كانت دبابات الاحتلال تقصف الشارع الذي يقطنون فيه أثناء محاولتهم الفرار.
وظل أمير ينزف لساعات على أرض المستشفى المكتظ حين تمكن الأطباء من الكشف عليه، لكن كان قد فات الأوان لإنقاذ أصابع يده اليمنى.
جرى نقل أمير إلى مصر حيث عملت جمعية إغاثة أطفال فلسطين على ترتيب إجراءات نقله إلى لبنان. وهو ينتظر الآن تلقي علاج فيزيائي وعلاج لأعصاب يده.
وذكرت آلاء أن الطفل أمير يحاول إخفاء يده في كل صورة، لكنها تشجعه وتقول له أظهر يدَيك أنت "بطل يا أمير".
وبحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أُصيب أكثر من 45 ألف طفل في غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، كثير منهم بإصابات غيّرت مجرى حياتهم.
ووفقًا للتقرير، استشهد أكثر من 18 ألف طفل، من بين إجمالي عدد الشهداء في القطاع الذي تجاوز 64 ألفًا.
"لم أسمع الانفجار حتى"
أما ألفت عبد الكريم عبد الله، وهي أم لثلاثة أطفال، فقد انتقلت إلى لبنان مع ابنتيها المصابتين.. ميس (خمس سنوات) المصابة بثلاثة كسور وتمزق في عصب ساقها، وآية (سبع سنوات) التي فقدت ساقها اليمنى.
في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، دمر قصف إسرائيلي منزلهن في غزة. وقالت ألفت بصوت يكاد يكون أشبه بالهمس "لم أسمع الانفجار حتى".
وتابعت القول لـ"رويترز": "كنا نائمين حين وقع الانفجار، لكن آية تلقت الضربة القاضية حينما أصبحت ساقها اليمنى مفتتة".
وتتمسك ألفت بالأمل في أن يزول ألم ابنتيها أخيرًا.
وقال أطباء في المركز الطبي بالجامعة الأميركية في بيروت وصندوق غسان أبو ستة لرعاية الأطفال: إن آية ستحتاج إلى طرف جديد، بينما قد تتمكن ميس من المشي مجددًا بالعلاج الفيزيائي وحده.
وأشار محمد زيّارة، جراح التجميل المولود في غزة والذي يعمل على الحالات في بيروت، إلى أن خطط العلاج جاهزة وتتقدم كما هو متوقع، بحسب ما تورد الوكالة.
ويأمل المنظمون في نقل 30 طفلًا آخرين من غزة إلى لبنان لتلقي العلاج.
وترتكب إسرائيل إبادة جماعية بغزة، تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلّفت هذه الإبادة 64 ألفًا و656 شهيدًا و163 ألفًا و503 مصابين من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد عن 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح 404 فلسطينيين، بينهم 141طفلًا.