هناك كثير من "المدن المفقودة" المزعومة عبر التاريخ، لكن لا مدينة نالت من الشهرة ما نالته أطلانطس.
فمنذ أن كتب أفلاطون أن أطلانطس غرقت تحت المحيط الأطلسي نحو عام 10000 قبل الميلاد، شرع منظّرون وباحثون في محاولة تحديد موقع هذه الحضارة القديمة.
ومع مرور الزمن، تحولت أسطورة أطلانطس، المستمدة من حوارات أفلاطون، من مجرد قصة رمزية فلسفية إلى موضوع بحث أثري وتاريخي جاد، بل إلى محور نقاش حاد ومستمر.
وقد أثار البحث عن المدينة المفقودة نظريات كثيرة وبعثات استكشافية في أنحاء العالم. فمن أعماق المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط وما وراءه، مسح العلماء وعلماء الآثار مواقع متعددة باستخدام تقنيات متطورة، بحثًا عن أي دليل قد يسلّط الضوء على هذا اللغز القديم.
ورغم ندرة الأدلة، لم يمنع ذلك كثيرين من التمسك باعتقادهم بوجود هذه الحضارة الأسطورية.
متى نشأت أسطورة أطلانطس؟
تُعد كتابات الفيلسوف اليوناني أفلاطون عن أطلانطس السجل القديم الكامل الوحيد الذي يروي قصة هذه المدينة ومملكتها.
وقد كتب أفلاطون، في حواريه "طيماوس" و"كريتياس" نحو عام 360 قبل الميلاد، أن أطلانطس تمثل رمزًا وحكاية تحذيرية عن الكيفية التي يمكن أن تؤدي بها الغطرسة إلى تدمير أعظم حضارة على وجه الأرض.
"أطلانطس كانت ذات يوم حضارة قوية، ولكنّ الآلهة أرسلت الزلازل لتدمير الدولة الجزيرة في المحيط عندما أصبح شعبها جشعًا ومتكبرًا".
وفي محاورة "طيماوس"، كتب أفلاطون أن كهنة مصريين أخبروا رجل الدولة الأثيني سولون، الذي زار مصر بين عامي 590 و580 قبل الميلاد، عن جزيرة كبيرة كانت تقع وراء ما يُعرف بـ"أعمدة هرقل"، أي مضيق جبل طارق، قبل نحو 9000 عام.
ووفقًا لأفلاطون، عثر سولون أيضًا على سجلات مصرية تتحدث عن أطلانطس، ثم ترجمها.
وفي حوار "كريتياس"، توسّع أفلاطون في قصة أطلانطس، وافترض أنها كانت النقيض لأثينا القديمة، التي مثّلت "المجتمع المثالي" الذي فصّله في كتاب "الجمهورية".
وأضاف أن ملوك أطلانطس سيطروا على معظم البحر الأبيض المتوسط، لكنهم عندما حاولوا غزو أثينا هُزموا سريعًا، ففقد سكانها حظوة الآلهة. وعقابًا لهم، انهارت مملكتهم وابتلع البحر الجزيرة التي كانت تقوم في وسطها.
وكما كتب أفلاطون في محاورة طيماوس:
"بعد ذلك، حدثت زلازل وفيضانات عنيفة، وفي يوم وليلة واحدة، غرق جميع الرجال المحاربين في الأرض، واختفت جزيرة أطلانطس في أعماق البحر".
كيف انتشرت قصة أطلانطس؟
مع مرور الزمن، تناول كثير من الفلاسفة والمفكرين قصة المدينة المفقودة. فقد أورد الفيلسوف اليهودي الهلنستي فيلو، في كتابه "خلود العالم" (On the Eternity of the World)، 13 فرضية عن أطلانطس، منها:
- أنها كانت أول حضارة إنسانية حقيقية،
- وأن آلهة الإغريق كانوا في الأصل ملوكًا وملكات من أطلانطس،
- وأن سكانها مارسوا عبادة الشمس،
-
وأن الهندو-أوروبيين والشعوب السامية والأعراق التورانية جميعهم ينحدرون منها.
كما أشارت بعض النصوص المسيحية المبكرة إلى أطلانطس، ضمن جدل حول وجودها الحقيقي.
لكن هذا الانبهار بالمدينة لم يتبلور على نحو واسع إلا في القرن السادس عشر، عندما بدأ العلماء محاولات أكثر جدية لتحديد هويتها.
وحينذاك، نفى معظم المؤرخين وجود أطلانطس، معتبرين أن أفلاطون استخدم قصة المدينة المفقودة بوصفها حكاية تحذيرية، وأنها قصة مختلقة بالكامل، تُظهر مدى سهولة سقوط المجتمع الطوباوي من النعمة.
في المقابل، زعم آخرون أنها كانت حقيقية، وأن الوثنيين هم المسؤولون عن سقوطها.
وعلى سبيل المثال، طرح فرانسيسكو لوبيز دي غومارا نظرية مفادها أن أطلانطس كانت في الحقيقة إشارة إلى أميركا. ثم توصّل فرانسيس بيكون وألكسندر فون هومبولت لاحقًا إلى نتيجة مشابهة، حتى إن بيكون كتب رواية غير مكتملة بعنوان "أطلانطس الجديدة" (New Atlantis).
وأخذ آخرون رواية أفلاطون على نحو أكثر حرفية، معربين عن اعتقادهم بأن أطلانطس كانت يومًا ما قارة صغيرة في وسط المحيط الأطلسي.
أطلانطس.. بين التوسّع الأوروبي والعصر الحديث
تجدّد الاهتمام بأطلانطس مع استمرار الدول الأوروبية في توسيع نفوذها غربًا. ومع تواصلها مع السكان الأصليين في الأميركيتين، ولا سيما شعوب المايا والأزتك، ذهب بعض الباحثين إلى أن هؤلاء ينحدرون من سكان أطلانطس.
ومن بين هؤلاء الكاتب الفرنسي شارل إتيان براسور دي بوربورغ، والمستكشف الأميركي إدوارد هربرت تومسون، وعالم الآثار البريطاني-الأميركي أوغوسطس لي بلونجون، الذي بالغ خصوصًا في تزيين هذه الرواية، حتى إنه طرح فكرة وجود قارة مفقودة أخرى هي "مو"، التي ارتبطت أيضًا بقارة ليموريا.
واستمرت هذه النظريات في التأثير في أجيال لاحقة من الباحثين المهتمين بأطلانطس.
غير أن الفضل الأكبر في نشر أسطورة أطلانطس في العصر الحديث يعود إلى الكاتب المتطرف وعضو الكونغرس الأميركي السابق إغناطيوس إل. دونيلي.
ففي عام 1882، نشر دونيلي كتاب "أطلانطس: العالم ما قبل الطوفان" (Atlantis: The Antediluvian World)، وردّد فيه أفكارًا مشابهة لما كتبه لي بلونجون وبراسور دي بوربورغ قبل ذلك ببضعة عقود. وزعم أن جذور الحضارة البشرية كلها يمكن تتبعها إلى أطلانطس، التي اعتبرها ثقافة متقدمة للغاية.
كما رأى أن أوجه الشبه بين حضارات المايا والأزتك والمصريين والإغريق القدماء تشير إلى أصل ثقافي مشترك يبدأ من أطلانطس. وربما كان أكثر ما أسهم في انتشار أفكاره زعمه أن جنة عدن كانت تقع في أطلانطس، وأن هذه الحضارة دُمّرت في الطوفان العظيم المذكور في التوراة.
وكان دونيلي سببًا رئيسيًا في استمرار أسطورة أطلانطس حتى اليوم، إذ بدت كتاباته التاريخية الزائفة مقنعة لكثيرين في عصره. كما أن ربطه هذه الحضارات القديمة بالمسيحية ساعد على سد فجوة ثقافية بين العالمين القديم والجديد.
وبعد ست سنوات من صدور كتاب دونيلي، نشرت هيلينا بتروفنا بلافاتسكي، مؤسسة الحركة الثيوصوفية، كتابها "العقيدة السرية: توليفة العلم والدين والفلسفة" (The Secret Doctrine: The Synthesis of Science, Religion and Philosophy)، وزعمت فيه أن العقيدة السرية بدأت أصلًا في أطلانطس.
وعلى غرار دونيلي، قدّمت بلافاتسكي أطلانطس بوصفها مجتمعًا قديمًا متقدمًا، وقالت إن حضارتها وُجدت قبل أكثر من مليون عام، قبل أن تدمر نفسها في حرب داخلية استخدمت فيها قوى نفسية وخارقة للطبيعة.
كما استخدمت بلافاتسكي كتابها لعرض تصوراتها عن تطور الجنس البشري، معتبرة أن الأطلنطيين يمثلون "العرق الأصلي" الرابع ضمن سلسلة من "الأعراق الجذرية".
وكتب المؤرخ إريك كورلاندر في مقال نُشر عام 2017، بعنوان "قدم واحدة في أطلانطس، وأخرى في التبت" (One Foot in Atlantis, One in Tibet):
"من وجهة نظر هيلينا بلافاتسكي، ارتبطت أطلانطس بأراضي شامبالا البوذية الأسطورية، الواقعة ظاهريًا قرب التبت، حيث أقام خلفاء العرق الجذري الثالث لما يسمى بالليموريين".
أين تقع أطلانطس؟
في عصرنا الحالي، أصبحت فكرة الحضارة القديمة الضائعة المعروفة باسم أطلانطس جزءًا لا يتجزأ من نظريات المؤامرة. ويتفق معظم المؤرخين المرموقين على أن قصة أفلاطون الأصلية لم تكن سوى تحذير رمزي من مخاطر التوسع العسكري غير المنظّم، ولا سيما عبر القوة البحرية.
ومع ذلك، بقيت أطلانطس حاضرة في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والروايات وألعاب الفيديو، ما ساعد على تجدد الاهتمام بها باستمرار.
ورغم غياب الأدلة الحاسمة، لا يزال هناك من يؤمن بوجود أطلانطس، وقد انتشرت فرضيات عن موقعها في مناطق متعددة من العالم، منها البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، وأوروبا، وحتى مثلث برمودا.
كما ربطت بعض النظريات بين أطلانطس واكتشافات جيولوجية معيّنة، مثل "طريق بيميني"، وهو تكوين صخري تحت الماء قبالة الساحل الشمالي لجزيرة بيميني في البهاما، أطلق عليه البعض اسم "الطريق إلى أطلانطس".
لكن لا توجد أدلة قاطعة تشير إلى أن كتل الحجر الجيري التي تشكل "طريق بيميني" ليست تكوينات طبيعية. وخلال العقود التي تلت اكتشافها، لم يرتبط أي دليل آخر بهذه المدينة الأسطورية نفسها.
كما ربطت نظريات أخرى قصة أطلانطس بجزيرة سانتوريني، لكن المؤلف كريستوس أ. جونيس يرى أن هذه الفرضية تنهار لأنها تتجاهل التسلسل الزمني الذي ذكره أفلاطون، والذي يعود إلى نحو 9600 قبل الميلاد.
وفي كتابه " أطلانطس: اكتشاف العمر" (Atlantis: The Find of a Lifetime)، يقترح جونيس في مقال كتبه لصحيفة "ذا غريك ريبورتر"،
أن حكاية أطلانطس ربما ارتبطت بجزر سيكلاديس، التي كانت، بحسب رأيه، متصلة يومًا ما بهضبة شاسعة تقع الآن على عمق 400 قدم تحت الماء، وأن الجزر المعروفة اليوم ما هي إلا قمم جبال تلك الجزيرة العملاقة في عصور ما قبل التاريخ.
كما أظهرت دراسات أوقيانوغرافية أن منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط والمحيطات كان أقل بنحو 400 قدم في عصور سابقة، ما دفع جونيس إلى القول إنه لو كانت أطلانطس حقيقية، فقد تكون الآن تحت سطح الماء عند هذا العمق. ومن هذا المنطلق، رأى أن فرضية جزر سيكلاديس قد تكون معقولة.
وزعم أيضًا أن ارتفاع مستوى سطح البحر ربما كان هو "الطوفان" الذي أطاح بأطلانطس.
وفي المقابل، أشارت دراسات حديثة في الحمض النووي، أجرتها جامعة واشنطن وجهات أخرى بحسب النص، إلى فرضية تقول إن بعض سكان أطلانطس، بعد ارتفاع مستوى البحر الأبيض المتوسط، ربما هاجروا إلى جزيرة كريت وأسهموا لاحقًا في تأسيس الحضارة المينوسية، في حين عادت حضارات أطلنطية أخرى إلى الظهور في شكل الحضارتين الميسينية والإيجية في اليونان القديمة.
هل توصّلت التكنولوجيا الحديثة إلى موقع أطلانطس؟
يبدو، نظريًا، أن أفضل مكان للبحث عن أطلانطس هو الموقع الذي حدده أفلاطون نفسه، أي خارج "أعمدة هرقل"، التي يعتقد كثيرون أنها تشير إلى مدخل مضيق جبل طارق.
لكن المشكلة أن الإغريق والرومان القدماء ربما استخدموا مصطلح "أعمدة هرقل" للإشارة إلى أماكن متعددة، بينها مصر ومدخل البحر الأسود.
وخلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، ازداد الاهتمام بأطلانطس أكثر من أي وقت مضى، وظهرت نظريات جديدة بشأن موقع الحضارة المفقودة، بل إن بعضها اقترح أنها قد لا تكون في قاع المحيط أصلًا، وإنما تحمل اليوم اسمًا آخر.
وعلى سبيل المثال، جادل الكاتب البريطاني روبرت غريفز في كتاب "الأساطير اليونانية" ( The Greek Myth) الصادر عام 1955، بأن أطلانطس كانت تقع يومًا ما قبالة الساحل الغربي لدلتا النيل، وأنها ربما لم تكن سوى جزيرة فاروس قبل أن يبني الإسكندر الأكبر جسرًا يصلها بالبر الرئيسي لمصر.
كما زعم المهندس المعماري الأميركي روبرت سارماست في كتابه "اكتشاف أطلانطس: دراسةٌ مُذهلة لجزيرة قبرص"، أن تحليل بيانات السونار المأخوذة من قاع البحر في حوض قبرص، والتي قال إنها تكشف هياكل من صنع الإنسان، يطابق وصف أفلاطون للهياكل الأطلنطية.
غير أن عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية بيني بيزر قال لموقع "لايف ساينس" عام 2004 إن "التفسير الانتقائي لسارماست ليس إلا قراءة سطحية لصور غامضة وغير مقنعة، ويمكن لأي شخص ذي نظرة نقدية أن يلاحظ أنها غامضة جدًا وغير مؤكدة، بحيث لا يمكن اعتبارها دليلًا قاطعًا على أي هياكل من صنع الإنسان".
كما طرح باحثون آخرون فكرة أن جزيرة هيلايك الإغريقية قد تكون مصدر الإلهام وراء أطلانطس، لأنها دُمّرت بفعل زلزال وتسونامي قبل سنوات قليلة من كتابة أفلاطون عن حضارته الأسطورية.
وبالمثل، أشار آخرون إلى مواقع مثل سردينيا ومالطا وتركيا وطروادة.
وهناك أيضًا فرضية تقول إن أطلانطس كانت تقع في بحر الشمال، حيث امتد سهل واسع بين إنكلترا والدنمارك الحاليتين، يُعرف باسم "دوغرلاند". وفي نحو عام 6200 قبل الميلاد، غمرت تسونامي هذه الأرض، فاستقرت منذ ذلك الحين في قاع بحر الشمال.
كما تزعم فرضية أخرى أن أطلانطس بُنيت فوق ما يُعرف اليوم بأنتاركتيكا، وأن هذه الكتلة الأرضية كانت تقع سابقًا في شمال المحيط الأطلسي، قبل أن تنقلها الصفائح التكتونية إلى موقعها الحالي، فتُدفن المدينة المفقودة وسكانها تحت طبقات الجليد.
القاسم المشترك بين كل هذه النظريات هو أن أدلتها نادرة وتخمينية.
ولهذا بقيت أطلانطس، حتى اليوم، واحدة من أكثر الأساطير التاريخية قدرة على إثارة الخيال والجدل معًا.