الجمعة 6 مارس / مارس 2026
Close

"أعنف مكان على وجه الأرض".. جرّاح أميركي يكشف ما شهده من أهوال حرب غزة

"أعنف مكان على وجه الأرض".. جرّاح أميركي يكشف ما شهده من أهوال حرب غزة

شارك القصة

وصف الجرّاح الأميركي غزة بأنّها أسوأ منطقة في العالم من حيث الهجمات على المرافق الصحية
وصف الجرّاح الأميركي غزة بأنّها أسوأ منطقة في العالم من حيث الهجمات على المرافق الصحية - مجلة 972
الخط
يصف الجرّاح الأميركي فيروز سيدهوا قطاع غزة بأنه أعنف مكان على وجه الأرض في السنوات الستين الماضية، وأسوأ منطقة في العالم من حيث الهجمات على المرافق الصحية.

في مساء 23 مارس/ آذار الماضي، كان جرّاح الصدمات والعناية المركّزة الأميركي فيروز سيدهوا، الذي وصل مؤخرًا إلى غزة من كاليفورنيا كمسعف متطوّع، في طريقه إلى قسم الجراحة في مستشفى ناصر الطبّي عندما شنّ الاحتلال غارة جوية مباشرة على المستشفى.

يومها، زعم الاحتلال استهداف القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إسماعيل برهوم، الذي كان يتلقّى العلاج في المستشفى.

إلا أنّ الغارة أسفرت أيضًا عن استشهاد الفتى الفلسطيني إبراهيم، الذي يبلغ من العمر 16 عامًا، وإصابة عدد آخر من المرضى. وإبراهيم هو أحد المرضى الذين كان يعالجهم سيدهوا، وكان من المفترض أن يغادر المستشفى إلى منزله في اليوم التالي للغارة.

وقال سيدهوا لمجلة "972": "لم أتوقّع قط أن يُقتل مريض على سريره في المستشفى. لو لم استُدعى إلى وحدة العناية المركزة، لربما قُتلت وأنا أقف إلى جانب إبراهيم".

وردًا على مزاعم الاحتلال بأن الغارة الجوية استهدفت قائدًا في "حماس"، يقول: "من أهم جوانب القانون الإنساني أنّ الشخص الذي يُصاب، ولا يُشارك في القتال، ويتلقّى الرعاية الطبية، يُعتبر شخصًا محميًا".

قام سيدهوا بمهمّته التطوعية الأولى في مستشفى غزة الأوروبي في مارس وأبريل/ نيسان 2024، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة ليكون من بين نحو 100 من الكوادر الطبية الأميركية، الذين وجّهوا رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ونائبته كامالا هاريس.

وفي تلك الرسالة فصّل الأطباء ما شاهدوه خلال فترة تطوّعهم في مستشفيات غزة، داعين إلى إنهاء الحرب ووقف شحنات الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل.

وفي مارس الماضي، عاد سيدهوا إلى غزة في مهمة تطوعية ثانية في قسم الجراحة بمجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس. وانتهت مهمة سيدهوا في 2 أبريل الماضي.

"وضع لا يُضاهى"

ورغم أنّ سيدهوا ليس غريبًا على مناطق الصراع والكوارث، إذ سبق له التطوّع في أوكرانيا وهايتي وزيمبابوي، إلا أنّ الوضع في غزة "لا يُضاهى" وفقًا لما يقول.

ويضيف أن "غزة هي أسوأ منطقة في العالم من حيث الهجمات على المرافق الصحية. إنّه أمرٌ جنوني".

ويصف سيدهوا مهمته التطوّعية الأولى بأنّها كانت أصعب مما بعدها. ويقول: "في تلك المرة، وصلنا إلى المستشفى الأوروبي ومعركة خانيونس مستمرة، ولم تمرّ بنا لحظة واحدة دون قصف".

وعلى عكس المستشفى الأوروبي، فإن مستشفى ناصر حاليًا لا يُستخدم كمخيم للنازحين.

ويقول سيدهوا: "لم يكن بإمكانك العمل، لأن النساء كنّ يقطعن الخضراوات ويحضرن الحساء في حوض وحدة العناية المُركّزة"، مضيفًا: "لم أُجر عملية جراحية مع جرّاح آخر في المرة السابقة، أما الآن فيُوجد جرّاح فلسطيني في كل غرفة عمليات".

ومع أنّه ليس لسيدهوا أي صلة شخصية بفلسطين، ولا يعرف سوى ثلاث كلمات من اللغة العبرية واثنتين من العربية، فقد اختار العودة إلى غزة الشهر الماضي في زيارة ثانية، مستغلًا فرصة وقف إطلاق النار الذي كان يعلم جيدًا أنّه لن يدوم.

و لم يكن قصف مستشفى ناصر الحدث الأبرز الذي شهده سيدهوا خلال زيارته الأخيرة، إذ نفّذت إسرائيل ما عُرف بـ"مجزرة رمضان"، حيث قصفت نحو 100 موقع في وقت واحد أثناء وجبة السحور، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 400 فلسطيني، منهم 174 طفلًا.

ويقول سيدهوا: "عندما بدأ القصف انفتح باب شقتنا واصطدم بالخزانة خلفه. فاستيقظت على الفور".

ويضيف: "يومها، عالجنا 130 مريضًا في ست ساعات، وأجريت 6 عمليات جراحية على الفور و3 عمليات أخرى خلال اليوم، نصفها كان لأطفال صغار، وهو أمر لست معتادًا عليه على الإطلاق".

ويردف: "عالجتُ في تلك الليلة عددًا من حالات صدمات الأطفال يفوق ما أُعالجه طوال عام كامل في الولايات المتحدة".

وفي مقارنة مع تفجيرات ماراثون بوسطن عام 2013، حيث مراكز الصدمات الرئيسية في المدينة تتسع لنحو 4 آلاف سرير، يقول سيدهوا: "عدد الجرحى هناك، لا يتجاوز عدد المرضى الذين عالجناهم في ليلة واحدة في مستشفى ناصر يوم 18 مارس".

ويضيف أنّ "10 من المصابين كانوا فقط أطفالًا، بينما كان ثلث إلى نصف المرضى هنا أطفالًا".

"مجزرة رمضان ليست الأسوأ"

وذكرت مجلة "972+"  أنّه على الرغم من أنّ "مجزرة رمضان" كانت حدثًا ضخمًا من حيث الإصابات الجماعية، فإنّها لم تكن الأسوأ الذي اختبره الجرّاحون في غزة.

ويتذكّر الجرّاحون في مستشفى ناصر حين كان قسم الجراحة يجري 100 عملية في اليوم، وهو ما يفوق أي مستشفى آخر على وجه الأرض. وهم يفعلون ذلك يوميًا لعدة أشهر.

ويشرح سيدهوا كيف قسّم الطاقم الطبي المرضى إلى فئات ملونة، الأخضر للجرحى العاديين، والأصفر لمن حياتهم في خطر، والأحمر للتقييم الفوري. أما الأسود فللحالات التي ستنقل مباشرة إلى المشرحة.

ويضيف أنّ الأطفال لا تُوضع لهم علامة سوداء، بل يُنقلون مباشرة إلى المشرحة أو إلى منطقة مُخصّصة ليموتوا فيها، ترافقهم فيها عائلاتهم للدعاء لهم.

وكان سيدهوا يدرك تمامًا أنّ قراره بالتطوّع في غزة يُعرّض حياته للخطر. وكان يقول لأي طبيب يتّصل به للتطوّع: "هذا أعنف مكان زرته في حياتي. ربما يكون أعنف مكان على وجه الأرض في السنوات الستين الماضية، وعليكم أن تفهموا أنّكم ذاهبون إلى مكان يستطيع فيه الإسرائيليون قتلكم وسيفلتون من العقاب، ولن تفعل حكوماتكم شيئًا على الإطلاق حيال ذلك".

ويتذكّر سيدهوا أنّ موظّفة من السفارة الأميركية في إسرائيل، اتصلت للاطمئنان عليه بعد أن رأت تغريدته عن قصف المستشفى، وقال لها: "هل يمكنك أن تطلبي من الإسرائيليين التوقّف عن قصف مستشفى ناصر؟" فأجابت "كما تعلم هذا ليس دورنا".

هجوم أميركي - إسرائيلي

ويقول سيدهوا لمجلة "972+": "ليست المعاناة ما يؤلمني، بل حقيقة أنّني أتحمّل قدرًا كبيرًا من المسؤولية الأخلاقية"، مضيفًا أنّ "هذا ليس هجومًا إسرائيليًا على غزة، بل هجوم أميركي إسرائيلي".

ويضيف: "عندما كنتُ أُحاول جاهدًا إيقاظ طفلة صغيرة، ولم يتبقَّ لي سوى ثلاث أو أربع دقائق حتى أُجهِّز لها أنبوب التنفّس، كنتُ أتساءل هل كانت أموال دافعي الضرائب هي التي وضعت الشظايا في دماغ هذه الفتاة، أم أموال إسرائيل؟".

ومع ذلك، يصف سيدهوا مداواته لجروح الأطفال الفلسطينيين بأنّه "إعادة شحن لبطارياتي الأخلاقية"، ويُخمّن أنّ وجوده في المستشفى في حد ذاته رادع ضد هجوم إسرائيلي أوسع.

ويضيف: "ربما لو لم أكن هنا، لاستخدمت إسرائيل قنبلة من زنة 2000 رطل. لديهم القدرة على تدمير المستشفى بأكمله، لكن إذا قتلوا مجموعة من الأجانب فسيكون ذلك سيئًا للغاية".

ويردف: "هناك أجزاء منك يُمكنك فقدانها، وأجزاء لا يمكنك ذلك. وأنا لست متديّنًا، لكنّني أعتقد أنّه لا يُمكنك فقدان روحك، أو نفسك، أو ضميرك. ففي النهاية، عليك أن تكون قادرًا على النظر إلى نفسك في المرآة. وإن لم تستطع، فالحياة ببساطة لا تستحق أن تُعاش".

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي - ترجمات
تغطية خاصة