الجمعة 9 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

أكثر من 100 شهيد في يوم واحد.. قصة مجزرة العباسية عام 1978

أكثر من 100 شهيد في يوم واحد.. قصة مجزرة العباسية عام 1978 محدث 27 يوليو 2026

شارك القصة

حاولت إسرائيل التعتيم على مجزرة العباسية التي ارتكبتها عام 1978 - غيتي
حاولت إسرائيل التعتيم على مجزرة العباسية التي ارتكبتها عام 1978 - غيتي
حاولت إسرائيل التعتيم على مجزرة العباسية التي ارتكبتها عام 1978 - غيتي
الخط
مرّ صباح التاسع عشر من مارس/ آذار 1978 ثقيلًا على أهالي العباسية، بما شهده من قصف أسفر عن جثث وأشلاء وخراب ودمار.

مرّ صباح التاسع عشر من مارس/ آذار 1978 ثقيلًا على أهالي بلدة العباسية جنوبي لبنان، بعدما خلّف القصف الإسرائيلي جثثًا وأشلاء ودمارًا واسعًا.

يومها، كانت بلدة العباسية تضم أهاليها وعائلات نزحت إليها من قرى حدودية، هربًا من الاجتياح الإسرائيلي الذي بدأ قبل أيام.

اعتقد بعضهم أن المسجد والمنازل المحيطة به قد تكون أكثر أمانًا من البقاء في الأماكن المكشوفة.

لكن القصف الإسرائيلي الذي استهدف البلدة من البر والبحر والجو طاول منطقة المسجد وعددًا كبيرًا من المنازل، وحوّل المكان الذي لجأ إليه المدنيون إلى أحد أكثر مشاهد الاجتياح دمويّة.


تختلف السجلات المحلية والصحفية في العدد النهائي للضحايا؛ إذ تضعه بعض الروايات عند 113 شهيدًا، بينما ترفعه روايات أخرى إلى 140. غير أنها تتفق على أن أكثر من 100 شخص استشهدوا في العباسية خلال ذلك اليوم، وكان بينهم أطفال ونساء ومسنون ونازحون من بلدات مجاورة.

كما تختلف الشهادات في تحديد مكان سقوط العدد الأكبر من الضحايا. فبعضها يتحدث عن قصف المسجد بمن احتموا داخله، بينما تشير شهادة لاحقة لمختار البلدة إلى استشهاد 43 شخصًا داخل منزل ملاصق للمسجد.

ويبدو أن القصف الواسع الذي أصاب المسجد ومحيطه، وصعوبة الوصول إلى البلدة في الأيام الأولى، أسهما في تداخل الروايات.


هذه المادة جزء من ملف "مجازر إسرائيل في لبنان.. ذاكرة لا تسقط"، الذي يستعيد هذه المجازر في سرد صحافي هادئ، يستند إلى الوقائع والشهادات والسياق، ويمنح كل بلدة حكايتها الخاصة داخل التاريخ الأوسع للعنف الإسرائيلي في لبنان. 

مجازر إسرائيل في لبنان


عملية الليطاني.. الاجتياح الإسرائيلي الأول الواسع للبنان


في ليلة 14 إلى 15 مارس 1978، شرعت إسرائيل في اجتياح واسع لجنوب لبنان، عُرف باسم "عملية الليطاني"، واستمر سبعة أيام، قتلت خلالها إسرائيل مئات اللبنانيين ودمّرت ممتلكاتهم.

قصف جيش الاحتلال خلال العملية القرى والبلدات برًا وبحرًا وجوًا. وقد تذرع حينها بعملية "كمال عدوان"، التي نفذتها مجموعة من حركة فتح بقيادة الشهيدة دلال المغربي في 11 مارس 1978 شمالي تل أبيب، وأدت إلى مقتل 32 إسرائيليًا وجرح 82 آخرين، وفق ما تورده صحيفة "السفير" اللبنانية في عدد أرشيفي.

وأعلنت حكومة الاحتلال في ذلك الحين أن هدف الاجتياح هو ضرب ما سمته "قواعد الفدائيين الفلسطينيين"، وتفكيك "البنى التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية".

لكن الهجوم امتد إلى مساحات واسعة من الجنوب، إذ طاول 358 قرية وبلدة في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا وصور والنبطية، وأسفر عن أكثر من 1100 شهيد وجريح، وفق ما نقلته الصحيفة عن المؤرخ مصطفى بزي.


عدد أرشيفي من جريدة السفير يتناول مجزرة العباسية - موقع الجريدة
عدد أرشيفي من جريدة السفير يتناول مجزرة العباسية - موقع الجريدة

عدد أرشيفي من جريدة السفير يتناول مجزرة العباسية - موقع الجريدة

وفي مراجعة نشرها موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية لكتاب "عملية الليطاني 1978: نظرة استراتيجية" للعميد ياسين سويد، رأى الباحث محمود عزمي أن العملية مثّلت منطلقًا لاستراتيجية إسرائيلية أوسع تجاه لبنان.

ووفق قراءة عزمي، ارتبطت هذه الاستراتيجية بالسعي إلى السيطرة على الشريط الحدودي وجزء من مياه الجنوب اللبناني. كما رأى أن العملية، التي حملت الاسم الرمزي "حجر الحكمة"، مهّدت لاجتياح عام 1982، المعروف إسرائيليًا باسم "سلامة الجليل".


عملية الليطاني بالأرقام

بلدة امتلأت بالنازحين


تقع العباسية على بعد نحو عشرة كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة صور. ومع بدء الاجتياح، استقبلت البلدة عائلات نزحت من قرى أقرب إلى الحدود، بعدما اعتقدت أنها ستكون بعيدة نسبيًا عن مسار القوات الإسرائيلية.

خلال يومي 17 و18 مارس/ آذار، اقترب القصف من العباسية مع تقدم القوات الإسرائيلية باتجاه صريفا ومعروب والغندورية. غادر قسم كبير من السكان والنازحين نحو بيروت، فيما بقي آخرون لعدم امتلاكهم وسيلة للخروج أو لاعتقادهم أن الاحتماء داخل البلدة أقل خطرًا من محاولة الفرار تحت القصف.

مع حلول صباح الأحد، كان دوي المدفعية والطائرات مسموعًا في أنحاء المنطقة. وتشير رواية محلية واردة في كتاب "العباسية في ذاكرة قرن" إلى أن القصف المباشر على البلدة بدأ قرابة التاسعة صباحًا، ثم ازدادت كثافته تدريجيًا.


خط زمني ليوم مجزرة العباسية

حين وصل القصف إلى المسجد


لجأ بعض من بقي في العباسية إلى مسجد البلدة والمنازل القريبة منه، اعتقادًا منهم بأنها قد توفر حماية أكبر من الطرق والمواقع المكشوفة.

قرابة الساعة الحادية عشرة صباحًا، بدأت الطائرات الإسرائيلية تنفيذ غارات مكثفة على البلدة. أصابت الصواريخ حي المسجد ودمرت مبناه وعددًا من المنازل المحيطة به.

تنقل روايات الأهالي أن عمليات البحث بدأت فور تراجع القصف، وسط شوارع أغلقتها الأنقاض ومنازل انهارت على ساكنيها. لكن دخول القوات الإسرائيلية إلى البلدة وفرض قيود على الحركة صعّبا عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا.

استمر البحث تحت الأنقاض أيامًا، فيما دُفن عدد من الشهداء في قبور جماعية بسبب كثرة الضحايا وتعذر نقل الجثامين. لم يكن هؤلاء جميعهم من أبناء العباسية، إذ كان بينهم نازحون من شحور والطيبة وبلدات أخرى.



لماذا اختلف عدد الضحايا؟

  • بعد أسبوع على المجزرة، نشرت صحيفة "السفير" رواية لمتحدث باسم أهالي العباسية قدّر فيها عدد الشهداء بنحو 140، وقال إن عشرات الجثث بقيت تحت أنقاض المسجد، في وقت لم يكن الصليب الأحمر قد تمكن، بحسب شهادته، من دخول البلدة.
  • في تحقيق نشرته الصحيفة نفسها عام 1995، قدّر مختار العباسية عدد الضحايا بـ113 شهيدًا من أبناء البلدة والنازحين إليها. وأوضح أن 43 شخصًا، معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين، استشهدوا داخل منزل محاذٍ للمسجد، فيما توزع بقية الشهداء على أحياء أخرى. كما تحدث عن تدمير 204 منازل خلال القصف.

يعكس اختلاف الأرقام صعوبة توثيق حصيلة نهائية في بلدة كانت تستقبل نازحين، وتعرضت لقصف واسع، وتأخر دخول المسعفين والصحفيين إليها. لكنّ الثابت وفق كل الروايات، أن المجزرة أوقعت أكثر من 100 شهيد.
روايتان لحصيلة مجزرة العباسية

قرار دولي لم ينه الاحتلال


في اليوم نفسه الذي وقعت فيه المجزرة، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 425، وطالب إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية والانسحاب فورًا من الأراضي اللبنانية. كما أقر إنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، التي وصلت طلائعها إلى الجنوب بعد أيام.

انسحبت القوات الإسرائيلية الرئيسية لاحقًا، لكنها سلّمت مواقع حدودية إلى ميليشيا سعد حداد المدعومة منها، بدل تسليمها إلى الدولة اللبنانية والقوة الدولية. وهكذا تحوّل اجتياح 1978 إلى بداية مرحلة طويلة من السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة على الشريط الحدودي، قبل الاجتياح الأكبر عام 1982 والاحتلال الذي استمر حتى عام 2000.


بقيت مجزرة العباسية شاهدًا على الثمن الذي دفعه المدنيون خلال "عملية الليطاني". فالمكان الذي قصدوه بحثًا عن الحماية لم ينجُ من القصف، كما أن تأخر الوصول إلى الضحايا جعل حصر أعدادهم جزءًا من المأساة التي استمرت بعد توقف الغارات.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي - صحف لبنانية