صارت الصورة سهلة إلى حد الفائض، حيث يلتقط كل صاحب هاتف أو عدسة عشرات الصور في اليوم الواحد، لتترك في هاتف ممتلئ لا نكاد نعود إليه.
ومع ذلك، يصعب علينا الحذف، لتظل الصور هناك: صورة مهزوزة، لقطة طعام عابرة، شاشة لمحادثة، مجموعة تشبه عشرات المجموعات، صورة شارع لم نعد نتذكر لماذا التقطناها. كلها تبقى، كأن حذفها يعني التخلي عن لحظة، حتى عندما لا نملك نية حقيقية لاستعادتها.
خوف ضياع اللحظة
لا نحتفظ بالصور لأنها مهمة دائمًا بل ربما لأننا لا نعرف أيها سيصبح مهمًا لاحقًا. فالصورة التي تبدو عادية اليوم قد تتحول بعد سنوات إلى مفتاح لذكرى كاملة: بيت تغير، وجه غاب، مدينة لم نعد نراها بالطريقة نفسها، أو مرحلة لم نكن نعرف أنها ستنتهي.
لهذا، تصبح الذاكرة الرقمية منطقة خوف. نحذف التطبيقات بسهولة، ونغيّر الأجهزة، لكننا نتردد أمام صورة قديمة، إذ هناك دائمًا احتمال صغير أنها تحمل شيئًا لا يظهر الآن.
هكذا لم تعد الصورة توثيقًا فقط، وإنما وعدًا مؤجلًا بأننا سنعود ذات يوم إلى ما عشناه لكن ذلك اليوم لا يأتي غالبًا، لتتراكم الصور، وتتراكم معها الوعود.
الهاتف بدل الذاكرة
تمنحنا الكاميرا شعورًا بأن اللحظة صارت محفوظة، وهذا الشعور مريح. لكن كثرة التوثيق قد تجعلنا أقل حضورًا أحيانًا. نلتقط الصورة كي نطمئن إلى أن المشهد لن يضيع، ثم نغادره بسرعة. كأن الهاتف صار يتذكر بالنيابة عنا.
لا يعني ذلك أن الصور أفسدت علاقتنا بالذاكرة. على العكس، لقد منحت أناسًا كثيرين أرشيفًا لم يكن متاحًا من قبل. صور الأطفال، السفر، الوجوه، البيوت، التفاصيل الصغيرة. لكنها في الوقت نفسه صنعت نوعًا جديدًا من الفوضى: ذاكرة هائلة يصعب دخولها.
لم تعد المشكلة في ندرة الصور، إنما في كثرتها. كيف نختار؟ ماذا نحفظ؟ ماذا نترك؟ وما الفرق بين ذكرى نريدها فعلًا وملف رقمي نخشى حذفه؟
أرشيف الحياة غير المرتب
ربما نحتفظ بآلاف الصور لأننا نحتفظ بنسخ كثيرة من أنفسنا. فكل صورة تقول: كنت هنا، شعرت بشيء، مررت من هذا المكان، عشت هذه اللحظة. حتى الصور التي لا نراها تحمل طمأنة خفية بأن الحياة لم تمر من دون أثر.
لكن الذاكرة لا تصبح أكثر دفئًا بمجرد امتلاء الهاتف. فالصور تحتاج إلى نظرة، إلى ترتيب، إلى حكاية تُروى حولها. من دون ذلك، تبقى كغرف جميلة لكنها مغلقة في بيت منسيّ.