قد يبدأ الأمر بثقل في منتصف الصدر، أو ضغط غريب لم تشعر به من قبل، أو ضيق في التنفس يصاحبه تعرّق وغثيان. وقد لا يكون الألم شديدًا أصلًا، بل مجرد انزعاج يدفع صاحبه إلى الانتظار قليلًا ليرى إن كان سيزول.
لكن في بعض حالات ألم الصدر، يكون الانتظار نفسه هو المشكلة.
فالنوبة القلبية تحدث عندما ينقطع تدفق الدم إلى جزء من عضلة القلب، وغالبًا بسبب جلطة تسد أحد الشرايين التاجية. ومع استمرا ارلانسداد، تبدأ عضلة القلب المحرومة من الأكسجين بالتضرر، ولهذا تُعامل النوبة القلبية على أنها حالة طبية طارئة لا تنتظر حتى يزول الألم من تلقاء نفسه.
وتزداد أهمية معرفة هذه العلامات في 29 سبتمبر/ أيلول، اليوم العالمي للقلب. ففي 2026، يركز الاتحاد العالمي للقلب ضمن حملة "لا تفوّت نبضة" على التعرف إلى أعراض أمراض القلب وعدم تجاهل إشاراتها.
في هذه الحلقة من "دليل عملي":
ليس كل ألم في الصدر نوبة قلبية
يمكن أن ينشأ ألم الصدر من أسباب كثيرة، بعضها متعلق بالعضلات أو الجهاز الهضمي أو الرئتين، وبعضها أكثر خطورة ويتطلب تدخلاً عاجلًا.
المشكلة أن الإنسان لا يستطيع دائمًا معرفة السبب من طبيعة الألم وحدها.
فالنوبة القلبية، على سبيل المثال، لا تبدأ بالضرورة بألم ساحق كما تصورها الأفلام. قد تبدأ ببطء، بانزعاج أو ضغط خفيف، وقد يختفي الألم ثم يعود.
لذلك، لا ينبغي محاولة استبعاد المشكلة القلبية في المنزل لمجرد أن الألم ليس شديدًا أو لأنه يشبه حرقة المعدة.
متى يجب التعامل مع ألم الصدر كحالة طارئة؟
يستدعي ألم الصدر طلب المساعدة الطبية الطارئة خصوصًا عندما يكون مفاجئًا أو غير مفسر، أو يستمر أكثر من بضع دقائق، أو يختفي ثم يعود.
ومن العلامات التي ترفع مستوى القلق الشعور بضغط أو ثقل أو عصر أو امتلاء في منتصف الصدر، أو امتداد الألم أو الانزعاج إلى ذراع واحدة أو الذراعين، أو الكتفين، أو الظهر، أو الرقبة، أو الفك أو أعلى البطن.
وقد تظهر معه علامات أخرى، مثل ضيق التنفس، والتعرق البارد، والغثيان أو القيء، والدوار أو الشعور بقرب الإغماء.
ولا يشترط اجتماع كل هذه العلامات. فضيق التنفس، على سبيل المثال، يمكن أن يظهر مع ألم الصدر أو من دونه.
لا تنتظر حتى يصبح الألم "شديدًا بما يكفي"
قد تختلف أعراض النوبة القلبية من شخص إلى آخر.
ويظل ألم أو انزعاج الصدر من العلامات الأساسية، لكن بعض الأشخاص قد تظهر لديهم أعراض أقل وضوحًا، وخصوصًا كبار السن والمصابين بالسكري وبعض النساء.
فقد تكون الشكوى الأساسية ضيق التنفس أو التعب غير المعتاد، أو الغثيان، أو انزعاج يشبه عسر الهضم، أو ألمًا في الظهر أو الفك، من دون ألم صدري واضح.
ولهذا، فإن السؤال ليس: "هل هذا الألم يشبه النوبة القلبية التي أتخيلها؟"، بل: "هل هذه أعراض جديدة وغير مفسرة ويمكن أن تكون خطرة؟"
هناك حالات خطرة أخرى قد تبدأ بألم الصدر
النوبة القلبية ليست السبب الطارئ الوحيد لألم الصدر.
فالألم المفاجئ والشديد جدًا في الصدر أو أعلى الظهر قد يظهر، على سبيل المثال، في حالات خطرة تصيب الشريان الأبهر، بينما قد يشير ألم الصدر المصحوب بضيق تنفس مفاجئ أو إغماء إلى مشكلة أخرى تستدعي تقييمًا سريعًا.
وهذا سبب إضافي لعدم محاولة تشخيص ألم الصدر الخطير في المنزل.
إذا كان الألم مفاجئًا، شديدًا، غير مفسر، أو مصحوبًا بصعوبة في التنفس أو فقدان الوعي، فالتعامل معه
يجب أن يبدأ بطلب المساعدة، لا بالبحث عن تفسير له.
الدقيقة الأولى: اتصل ولا تقد السيارة بنفسك
عند الاشتباه في نوبة قلبية، اتصل برقم الطوارئ المحلي فورًا.
قد تبدو قيادة السيارة إلى المستشفى أسرع، لكنها ليست الخيار الأفضل في العادة. فحالة المصاب قد تتدهور في الطريق، بينما يستطيع فريق الإسعاف بدء التقييم والعلاج ومراقبة القلب قبل الوصول إلى المستشفى.
إذا تعذر وصول سيارة إسعاف، فليقد شخص آخر إلى أقرب قسم طوارئ. أما أن يقود المصاب بنفسه فينبغي أن يكون الخيار الأخير فقط عندما لا تتوفر أي وسيلة أخرى.
وأثناء انتظار المساعدة، يتوقف المصاب عن المجهود ويجلس أو يستريح في وضع مريح، مع بقائه تحت المراقبة.
يمكن لفريق الإسعاف بدء التقييم والمراقبة قبل وصول المريض إلى قسم الطوارئ - غيتي
هل تأخذ الأسبرين؟ ليس قبل الاتصال بالطوارئ
ارتبط الأسبرين منذ سنوات بالإسعاف الأولي للنوبات القلبية لأنه يقلل تجمع الصفائح الدموية، لكن هذا لا يعني أن كل شخص يشعر بألم في الصدر ينبغي أن يتناول قرصًا من تلقاء نفسه.
فالأسبرين ليس مناسبًا للجميع، وقد توجد حساسية منه أو حالات ونزف أو أدوية تجعل استخدامه غير آمن.
لذلك، تكون الخطوة الأولى الاتصال بالطوارئ. ويمكن لموظف الطوارئ أو مقدم الرعاية أن يحدد ما إذا كان تناول الأسبرين مناسبًا للحالة.
ولا تؤخر طلب المساعدة بحثًا عن قرص أسبرين.
أما إذا كان المريض يحمل دواءً موصوفًا له مسبقًا للذبحة الصدرية، مثل النيتروغليسرين، فيستخدمه بالطريقة التي أوصى بها طبيبه. ولا ينبغي تناول دواء النيتروغليسرين الموصوف لشخص آخر.
النوبة القلبية ليست السكتة القلبية
من المهم التمييز بين الحالتين.
في النوبة القلبية، تكون المشكلة في تدفق الدم إلى عضلة القلب بسبب انسداد في أحد الشرايين. وقد يظل الشخص واعيًا ويتحدث ويتنفس.
أما السكتة القلبية، فتحدث عندما يتوقف القلب بصورة مفاجئة عن ضخ الدم بكفاءة بسبب خلل كهربائي. عندها يصبح الشخص غير مستجيب ولا يتنفس بصورة طبيعية، أو قد يصدر منه لهاث متقطع لا يُعد تنفسًا طبيعيًا.
وقد تؤدي النوبة القلبية أحيانًا إلى سكتة قلبية.
وهنا يتغير المطلوب فورًا.
إذا انهار المصاب.. ابدأ الضغطات الصدرية
إذا أصبح الشخص غير مستجيب ولا يتنفس بصورة طبيعية، اتصل بالطوارئ أو اطلب من شخص آخر الاتصال، وابدأ الإنعاش القلبي الرئوي.
ولغير المدربين، يمكن استخدام الإنعاش باليدين فقط لدى البالغ أو المراهق الذي ينهار فجأة:
ضع يديك في منتصف الصدر واضغط بقوة وسرعة بمعدل نحو 100 إلى 120 ضغطة في الدقيقة.
وإذا كان جهاز إزالة الرجفان الخارجي الآلي AED متاحًا، اطلب من شخص إحضاره، وشغله واتبع التعليمات الصوتية التي يصدرها. الجهاز مصمم بحيث يحدد بنفسه ما إذا كانت الصدمة الكهربائية مطلوبة.
استمر في الضغطات إلى أن يبدأ المصاب بالتنفس أو الحركة، أو يتولى فريق الإسعاف المهمة.
لا تعتمد على "السعال لإنقاذ القلب"
تتداول أحيانًا عبر مواقع التواصل نصائح تطلب من الشخص الذي يعتقد أنه يتعرض لنوبة قلبية أن يسعل بقوة وبصورة متكررة لمنع توقف القلب.
لكن ما يسمى "الإنعاش بالسعال" ليس بديلًا عن طلب الإسعاف، ولا يعد علاجًا منزليًا للنوبة القلبية أو السكتة القلبية.
وفي حالة السكتة القلبية، ما يحتاجه المصاب هو استدعاء الطوارئ، والضغطات الصدرية، واستخدام جهاز AED عندما يكون متاحًا.
وماذا لو اختفى الألم؟
اختفاء ألم الصدر لا يعني دائمًا انتهاء الخطر.
فأعراض النوبة القلبية قد تخف ثم تعود، وقد يكون الانزعاج متقطعًا منذ البداية. لذلك، إذا كان الألم جديدًا أو غير معتاد ورافقته علامات مقلقة، فلا ينبغي إلغاء طلب المساعدة لمجرد أنه تحسن.
كما أن الشخص الذي يعاني ذبحة صدرية معروفة لديه عادة خطة وضعها الطبيب للتعامل مع النوبات. لكن الألم الذي أصبح مختلفًا عن المعتاد، أو أشد، أو ظهر في الراحة، يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
الدقائق أهم من محاولة الوصول إلى تشخيص منزلي
تقدر منظمة الصحة العالمية أن أمراض القلب والأوعية الدموية تظل السبب الأول للوفاة عالميًا، وأن النوبات القلبية والسكتات الدماغية تشكلان معظم الوفيات الناجمة عنها.
لكن في لحظة ألم الصدر، لا يحتاج الشخص إلى معرفة اسم المرض قبل أن يتصرف.
فإذا ظهرت علامات مقلقة، فإن المهمة ليست إثبات أن ما يحدث نوبة قلبية، بل عدم خسارة الوقت إذا كانت كذلك.