ألم عابر للحدود.. المرأة في الحروب ضحية السلاح ومنقذة الهوية
لا يغيّر انقضاء يوم المرأة العالمي من واقع النساء في مناطق النزاع، بل يعيد تسليط الضوء على معاناة تتجاوز المناسبة نفسها.
فمن لبنان إلى فلسطين، ومن السودان وإيران وصولًا إلى أوكرانيا، تتشابه قصص الألم رغم اختلاف الجغرافيا، بما يثبت مرة أخرى أن المرأة هي الضحية والمنقذة في آنٍ واحد.
وبحسب الأمم المتحدة، يشهد العالم اليوم أعلى معدل للنزاعات النشطة منذ عام 1946، ما يعرّض النساء والفتيات لمخاطر ومعاناة غير مسبوقة.
المرأة ضحية النزاعات الدامية
بحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2025 بشأن المرأة والسلام والأمن، فإنّ 676 مليون امرأة يعشن على بُعد 50 كيلومترًا من مناطق النزاعات الدامية، وهو أعلى مستوى منذ تسعينيات القرن الماضي. وقد تضاعفت الخسائر في صفوف المدنيين من النساء والأطفال أربع مرات مقارنةً بالعامين السابقين، كما ارتفع العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات بنسبة 87% خلال عامين.
وصدر التقرير بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لقرار مجلس الأمن رقم 1325، الذي ألزم المجتمع الدولي بالمشاركة الكاملة للمرأة وحمايتها في عمليات السلام والأمن، محذرًا من أن عقدين من التقدم آخذان في التلاشي.
وقالت سيما بحوث، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة إنّ "النساء والفتيات يُقتلن بأعداد قياسية، ويُستبعدن من موائد السلام، ويُتركن من دون حماية مع تزايد الحروب".
"لا تحتاج النساء إلى مزيد من الوعود، بل يحتجن إلى التمكين والحماية والمشاركة المتساوية" - سيما بحوث
كذلك كشف تقرير الأمم المتحدة عن خلل خطير؛ فبينما تجاوز الإنفاق العسكري العالمي 2.7 تريليون دولار أميركي في عام 2024، لم تتلقَّ المنظمات النسائية في مناطق النزاع سوى 0.4% من المساعدات. وتواجه العديد من المنظمات النسائية العاملة في الخطوط الأمامية خطر الإغلاق الوشيك بسبب القيود المالية.
نساء لبنان يتعايشن مع الخوف والنزوح
في لبنان، وعلى وقع تجدّد العدوان الإسرائيلي، تجد النساء أنفسهن مجبرات على التعايش مع الخوف والنزوح والموت.
وقد أعلن مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان، في بيان صدر في 3 مارس/ آذار الجاري، أن "معاناة النساء والفتيات في لبنان لم تتوقف، بل ازدادت قسوة مع تصاعد حدة الصراع في البلاد".
ولفت المكتب إلى أن "النزوح يزيد بشكل كبير من المخاطر الصحية ومخاطر الحماية التي تواجه الفئات الضعيفة، لا سيما النساء الحوامل والفتيات والأشخاص ذوي الإعاقة".
وقد بلغ عدد النازحين المسجلين في مراكز الإيواء في لبنان 112525 نازحًا، وفقًا للتقرير الصادر عن وحدة إدارة الكوارث في السراي الحكومي في 7 مارس/ آذار الحالي. كما سقط 394 شهيدًا، بينهم نساء و83 طفلًا، نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان المتجدد منذ الإثنين الماضي.
ووفق الوكالة الوطنية للإعلام، أشارت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان أنانديتا فيليبوز إلى أن احتياجات النساء والفتيات لا تتوقف أثناء النزاعات، داعيةً إلى "اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية صحة النساء والفتيات في هذه الأزمة وتلبية احتياجاتهن الأساسية".
"النساء يلدن حتى تحت نيران العدو، ويواجهن مخاطر متزايدة للعنف القائم على النوع الاجتماعي" - أنانديتا فيليبوز
الفلسطينيات ضحايا العنف الممنهج
ليس بعيدًا عن لبنان، ترزح النساء في فلسطين تحت نير العدوان الإسرائيلي رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. كذلك، لم تخف وطأة المعاناة الإنسانية، ولا تزال عشرات آلاف العائلات تعيش في خيام النزوح.
ولمناسبة يوم المرأة العالمي، أشارت وزارة شؤون المرأة الفلسطينية إلى أن ما تتعرض له النساء الفلسطينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس من عنف ممنهج جراء سياسات الاحتلال وعدوانه المتواصل، يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
"إن المرأة الفلسطينية تكبّدت أثمانًا باهظة تمثلت في فقدان الأبناء والأزواج، والتهجير القسري، وتدمير المنازل، وحرمانها من الأمن والرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش الكريم".
وأشارت إلى أن تداعيات هذا العدوان لا تقتصر على الأثر المادي المباشر، بل تمتد لتطال الصحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للنساء، وتضاعف أعباءهن في ظل أوضاع إنسانية بالغة القسوة.
وبحسب وزارة شؤون المرأة في قطاع غزة، خلّف العدوان الإسرائيلي على القطاع، الذي استمر عامين، 21 ألفًا و193 أرملة فقدن أزواجهن، في مؤشر وصفته الوزارة بأنه "يعكس حجم التفكك الأسري الذي أصاب المجتمع الفلسطيني جراء الاستهداف الواسع للمدنيين".
كما قُتل 22 ألفًا و426 أبًا منذ بداية الحرب، ما ترك آلاف العائلات من دون معيل رئيسي. وتواجه نحو 107 آلاف سيدة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة نتيجة انهيار المنظومة الصحية وانعدام الرعاية الطبية اللازمة.
واستشهد منذ بدء الحرب أكثر من 12 ألفًا و500 فلسطينية، من بينهن أكثر من 9 آلاف أم، ما ترك عشرات آلاف الأطفال دون رعاية أمومية.
وفي إيران، كانت الفتيات من أوائل ضحايا العدوان الإسرائيلي الأميركي، إذ قُتلت ما لا يقل عن 165 تلميذة جراء استهداف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب بمحافظة هرمزجان الإيرانية، خلال الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/ شباط 2026.
العنف الجنسي ضد نساء السودان
أما في السودان، التي تشهد حربًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل/ نيسان 2023، فبالإضافة إلى خطر الموت ومأساة النزوح، تواجه النساء العنف الجنسي.
ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وثّقت شبكة أطباء السودان 32 حالة اغتصاب لفتيات في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور ومحيطها غربي البلاد، بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وأوضحت الشبكة المستقلة، في بيان، أنها استندت في توثيقها إلى معلومات طبية وميدانية موثوقة، مشيرةً إلى أن الفتيات اللواتي تعرّضن للاغتصاب وصلن إلى منطقة طويلة.
ويشير تنبيه تنبيه صدر في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة بشأن النوع الاجتماعي، بعنوان "الأبعاد الجنسانية لانعدام الأمن الغذائي في السودان"، إلى أن ما يقرب من 11 مليون امرأة وفتاة يعانين الآن من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
ووفقًا للتقرير، فإنّ 74% من النساء لا يستوفين الحد الأدنى من التنوع الغذائي، ما يشير إلى أنظمة غذائية شديدة السوء، وإلى زيادة خطر سوء التغذية.ووفق الأمم المتحدة، فقد حوّل العنف الجنسي والنزوح القسري وانهيار الخدمات الأساسية السودان إلى أخطر أزمة تواجه النساء والفتيات في العالم.
الأوكرانيات بين المعاناة واحتمالات التجنيد
أمّا في أوكرانيا، فقد أدى الهجوم الروسيا المستمر منذ ثلاث سنوات إلى تأثير مدمر على النساء والفتيات، حيث نزح 1,869,000 إمراة وفتاة داخليًا.
كما تحتاج 6.7 مليون امرأة إلى مساعدة إنسانية، وقُتلت أكثر من 3,799 امرأة و289 فتاة، ومن المرجّح أن يكون العدد الفعلي للوفيات أعلى بكثير، وفقًا للأمم المتحدة.
وقد تُدفع النساء الأوكرانيات إلى الجبهات، ففي فبراير/ شباط الماضي، دخل القرار رقم 917 حيّز التنفيذ، وهو ينص على أن أي خريجة طب أو صيدلة، بما في ذلك الطبيبات والممرضات والقابلات وطبيبات الأسنان والصيادلة، وكل من تحمل شهادة في تخصص طبي، سواء كانت تعمل في المهنة أم لا، تسجّل آليًا في قوائم التجنيد.
وبموجب القرار، أصبحت الجامعات الأوكرانية ملزمة بإرسال قوائم الأسماء إلى مراكز التجنيد خلال سبعة أيام فقط من تاريخ منح الشهادة الجامعية. ورغم أن ذلك لا يعني التجنيد الفعلي، فإنه يترتب على هذا التسجيل قيود قانونية، من بينها منع المرأة من مغادرة البلاد في فترات معينة.
حقوق لا وعود
كما في زمن السلم، ففي زمن الحرب أيضًا، يتجاوز دور المرأة التدبير المنزلي ليكون صمّام أمان مجتمعيًا: فهي التي تقود المبادرات التطوعية، وتنخرط في صفوف الإغاثة الأمامية، وترمّم الأمل في نفوس الجيل القادم، محوّلةً الألم إلى قوة دافعة لاستمرار الحياة وإعادة بناء ما دمّره السلاح.
ورغم أن مشاركة المرأة تعزز استدامة السلام، إلا أنها لا تزال مستبعدةً إلى حد كبير من عملية صنع القرار. وبينما وضع عدد متزايد من الدول خطط عمل وطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1325، لم يُسفر ذلك دائمًا عن تغيير ملموس لصالح المرأة. ففي عام 2024، لم تضم تسع من كل عشر عمليات سلام أي مفاوضات، حيث شكلت النساء 7% فقط من المفاوضين و14% من الوسطاء على مستوى العالم.
لا تبحث النساء في مناطق النزاع عن باقات ورد أو عبارات تهنئة معلبة؛ بل يبحثن عن أبسط حقوقهن البشرية: الأمان، الكرامة، والعدالة.