تكتب أمل حجازي على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2018، قائلة: "ستحاكمك وتنتقدك الناس في كل الأحوال، لذا انسَ كل الناس وكن أنت".
كانت المطربة اللبنانية قد ارتدت الحجاب حديثًا آنذاك، بعد سنوات عرفت فيها شهرة عريضة ونجاحات مهنية وشخصية تتمناها كثير من نساء بلادها والعالم.
تزوجت شابًا وسيمًا وثريًا (يمتلك متجر مجوهرات)، وأنجبت طفلين جميلين ومعافيين، وحققت شهرة في مجال الغناء كادت معها تتصدّر الصف الأول مع عدد قليل من فتيات جيلها من المغنيات، لولا أن المنافسة كانت طاحنة لا تحسمها الموهبة وحدها، بل علاقات عامة معقدة ومتشابكة وأمور أخرى.
لكنها لم تستسلم. كافحت كالمحاربات وصمدت، ولم يمنعها شيء من مواصلة مسيرتها الفنية، حتى مرض السرطان الذي داهمها وانتصرت عليه.
غير أنّ شيئًا ما حدث في قعر الروح، ربما، أوقفها وهي تركض في الحياة لتكتشف الله، ما جعلها تشعر بسعادة استثنائية.
قالت آنذاك: "الآن أشعر أنني في عالم آخر"، سعيدة ولكن "ليس كأي سعادة مررت بها من قبل".
كتبت ذلك في الرابع من سبتمبر/ أيلول 2017 على صفحتها في "فيسبوك"، معلنة ارتداءها الحجاب.
لكن لماذا فعلت ذلك؟
تقول حجازي، التي عرفت اليُتم في سن مبكرة (فقدت والدها وهي في العاشرة)، إنها حسمت صراعًا داخليًا كانت تعيشه آنذاك بين الفن الذي تعشقه والدين.
تكتب حجازي في شرح حالها قائلة:
أخيرًا يا رب استجبت لدعواتي يا أرحم الراحمين. منذ سنوات وأنا داخلي يتألم بين الفن الذي كنت أعشقه ولم أكن أمارسه كمهنة بل كهواية، وبين الدين على الرغم من أنني كنت قريبة داخليًا من الله، ولكن بيني وبين نفسي كنت أعيش هذا الصراع.
كنت أطلب من الله دائمًا الهداية الكاملة، وأنا لا أنتقص من مهنة الفن أو الفنانين، فهناك طبعًا الفن المحترم وفنانون محترمون كثر، ولكنني أتكلّم عن ذاتي. فالآن أشعر أنني في عالم آخر وسعيدة كل السعادة به، وسيكون لي بإذن الله إطلالات قريبة بشكل آخر. أردت اليوم أن أعلن اعتزالي هذا النوع من الغناء وارتداء الحجاب.
لماذا ارتدت أمل حجازي الحجاب؟
أصدرت حجازي، التي بدأت مسيرتها الغنائية في نهاية تسعينيات القرن الماضي، ستة ألبومات غنائية، كان آخرها "ويلك من الله" الذي أصدرته عام 2010.
وتقدّم المقاربة البصرية للأغنية (الفيديو كليب) ما يمكن اعتبارها صورة موازية قد تكون مضلِّلة للحقيقة.
تقول كلمات الأغنية إن العاشق جعل حبيبته تعيش "في كذبة"، فقد جرح قلبها وغادر، بينما أحبته هي وحلمت أن تبني وإياه بيتهما.
ستقول إنها أحبت لكنها لم تجد الحبيب. لقد هرب، ولن تقبل منه عذرًا "ع ورقة" بعد الآن، فلو كان رجلًا لواجهها.
تبدأ الأغنية المصوّرة بامرأة جميلة تتقلّب في نومها، تبحث عن رجلها في سريرها فلا تجده، فتهبط درجات الفيلا الأنيقة التي يعيشان فيها لتفاجأ به أمام شاشة حاسوبه الشخصي، وهو يقوم بإرسال صور وأماكن وإحداثيات إلى إسرائيل.
وما أن يراها وقد كشفت عمالته، حتى يضربها فتقع على الأرض، بينما يهرب هو إلى الحدود مع إسرائيل. لكن جنود الأخيرة يأخذون منه حقيبة مستنداته عندما يقابلونه على الجانب الآخر من السياج الفاصل، قبل أن يطلقوا عليه النار.
الصورة الأخرى لأمل حجازي
والحال هذه، فإن الأغنية عن رجل خان بلاده لا امرأته، وكلماتها تعني شيئًا آخر غير منطوقها المباشر. وحتى لو كانت الدلالات متوازية وغير متناقضة في حالتي المرأة والوطن، إلا أنها ليست متطابقة.
بثت المؤسسة اللبنانية للإرسال "إل بي سي" في يونيو/ حزيران 2004 مسابقة ملكة جمال لبنان لذلك العام. وتنافست على اللقب في مراحل المسابقة قبل النهائية ثلاث فتيات، هن نادين نسيب نجيم (مواليد 1984) ولاميتا فرنجية (مواليد 1981) وسينتيا سعادة (مواليد 1985)، قبل أن ينحصر السباق بين نجيم وفرنجية.
ومع تصاعد الموسيقى التشويقية في ذلك الحفل الذي يمكن وصفه بالباذخ، أعلنت مذيعة الحفل فوز نجيم باللقب، لتفاجئ لاميتا فرنجية الجميع وهي تستدير غاضبة وتغادر المسرح من دون أن تهنئ منافستها، ما يخالف تقاليد مسابقة جمال لبنان التي تعود إلى عام 1930.
كما يخالف ما يوصف بالأعراف في المسابقات عمومًا، التي تقوم على تقبّل النتيجة "بروح رياضية".
20 years 🤩🎉 https://t.co/8hnldLmmlY
— Nadine Nassib Njeim 🏆 (@nadinenjeim) June 20, 2024
أما لماذا فعلت فرنجية ذلك؟ فلأن المقدمات كلها كانت ترجّح فوزها هي لا نجيم، التي انتُقد أداؤها كثيرًا خلال مجريات المسابقة، وبعضها مصوّر، وفيه بدت مشاغبة ومتمردة ولا مبالية أحيانًا.
ثم إنها (فرنجية) كانت صغيرة (نحو 23 عامًا). هي أكبر في السن قليلًا من نجيم وسعادة، لكنها تظل صغيرة.
ولعلها احتفظت بحقها في الغضب، وهو من الحقوق غير المعترف بها في المنطقة، ويقوم على الانتصار لمشاعرك حتى لو كانت خارج السيطرة
للوهلة الأولى، يبدو مثال فرنجية التي انسحبت من المشهد الفني اللبناني عدة سنوات قبل أن تتجه إلى التمثيل عام 2009، لا علاقة مباشرة له بأمل حجازي قبل ارتداء الحجاب.
لكنه يضيء ربما حالات الغضب التي تدفع كثيرين للانسحاب من الحياة نفسها أحيانًا لشعورهم بغياب العدالة، أو عدم قدرتهم على تقبّل الهزيمة أو رفضهم الاعتراف بها، ما يمنحهم نوعًا من الشعور بالرضا من خلال "تمثّل" دور الضحية الذي يمنح من يقوم به عزاء ويحافظ على تماسكهم النفسي.
ضحايا الإنتاج الموسيقي العابر للدول
تأسست شركة روتانا السعودية للتسجيلات عام 1982، وسرعان ما أصبحت أكبر شركات الإنتاج الفني في عالم الموسيقى العربية، وخاصة في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة.
وتزامن صعود الشركة العابر للدول في المنطقة مع تراجع شركات الإنتاج الموسيقي المحلية التي لم تستطع الصمود أمام إمكانيات روتانا المالية الضخمة، وتوجهها إلى احتكار أغاني كثير من المطربين العرب الصاعدين آنذاك.
واستطاعت الشركة التي قضت فعليًا على شركات الإنتاج الموسيقي اللبنانية في التسعينيات احتكار أعمال أهم مطربي تلك الحقبة، ومنهم نجوى كرم، قبل أن تستقطب الجيل اللاحق من المطربات اللبنانيات، وخصوصًا إليسا ومادلين مطر وميسم نحاس وأمل حجازي ودينا حايك ومايا نصري وغيرهن.
تزامن صعود أمل حجازي مع صعود "روتانا" غير أن الشركات لا تمتلك قلبًا وفيًا ومخلصًا، فاعتماد التنافس مبدأ ومقياسًا وحيدًا للبقاء والتقدّم أدى إلى تراجع حجازي، وتقدّم منافسات أخريات لعبت "الصورة" دورًا حاسمًا في تغليب حظوظهن، ومن هؤلاء إليسا.
كانت أليسا "الدجاجة التي تبيض ذهبًا" لروتانا، وفازت خلال تعاونها مع الشركة بجائزة الـWorld Music Awards عام 2005 كأفضل الفنانين مبيعًا في الشرق الأوسط.
وتزامن هذا مع صعود مطربتين أخريين، هما هيفاء وهبي ونانسي عجرم، اللتين اكتسحتا مبيعات الأغاني في المنطقة.
على أن وقع التنافس مع إليسا كان الأسوأ على حجازي، خاصة أن بداياتهما الفنية كانت في وقت واحد تقريبًا وبدعم رجل واحد (جان صليبا) قبل أن تنضما إلى روتانا.
حجازي "جميلة".. وإليسا "مغرية"
كانت حجازي جميلة، بينما كانت إليسا تُقدَّم باعتبارها أكثر إثارةً وجاذبيةً للمشاهد. وما كان لمعيار كهذا أن يلعب دورًا كبيرًا قبل حقبة روتانا في الموسيقى العربية، إلا أنه أصبح حاسمًا مع انتشار تصوير الأغاني الذي اعتمد على جذب المشاهد، وقضى على وحدانية جمال الأغنية في الجذب، بأن أضاف إليه جمال المؤدي نفسه أو فنيات إخراج الفيديو كليب.
خسرت حجازي الجولة أمام إليسا التي لم يكن صوتها جميلًا مثل صوت حجازي، وإن تميّز بحساسيته وهشاشته الأنثوية.
كما خسرت حجازي معركة الصورة فالمبيعات أيضًا مع هيفاء وهبي، التي لم يمنعها ضعف موهبتها الغنائية من دخول مضمار الغناء، معتمدة على تقنيات التصوير وجمال الهيئة الفجّة في التعبير عن الأنوثة. وماذا يريد جيل من المشاهدين غير هذا؟
استندت روتانا إلى الأرقام، وربما إلى الكيمياء الشخصية في التعامل مع النجوم، عندما صنفت أمل حجازي ضمن الفئة "ب" بين الفنانين المتعاقدين معها.
وساءت العلاقة بينهما إلى درجة دفعت المطربة اللبنانية إلى رفع قضية على الشركة عام 2014، بسبب ما قالت إنه عدم دفع مستحقاتها المالية، فتوقفت روتانا عن إنتاج أي عمل لها بعد ألبوم "ويلك من الله" عام 2010.
زواج ناجح وعلاقة فاشلة مع روتانا
في هذه الأثناء، تزوجت حجازي من رجل الأعمال اللبناني محمد البسام عام 2008. لكن الحظ لم يحالفها في خطواتها الأخرى.
أن تستدير غاضبة وتغادر خشبة المسرح، مثل لاميتا فرنجية، وهو ما كان عام 2017 عندما أعلنت ارتداءها الحجاب بعد صراع في داخلها بين الفن والدين، على ما قالت.
على أن الصور تظل مضلِّلة عندما تُعرض سريعًا أو يُشاهد جانب واحد منها فقط.
فرغم توفر الأسباب والدوافع لدى حجازي لممارسة حقها في الغضب، وقد يكون هذا الحق تمثّل بارتداء الحجاب والعودة إلى الله بحثًا عن الطمأنينة والسلام الداخلي الذي عصفت به المنافسة غير العادلة مع فتيات جيلها من فنانات، فإن توجهها "الديني" الرفيق والهادئ كان ينمو ويتطور داخلها على نحو مختلف، وربما منفصل عن مسيرتها في التنافس الذي أخرجها من اللعبة.
رحلة أمل حجازي نحو التديّن