فيما يتصاعد التوتر العسكري في الخليج مع استمرار الاعتداءات الإيرانية على دوله، في سياق ما تعتبره طهران "ردًا" على العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها، تتنامى المخاوف من تعطّل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
حاء ذلك بعد تقارير نشرتها وسائل إعلام أميركية، من بينها شبكة "سي بي إس نيوز"، أفادت بأنّ أجهزة الاستخبارات الأميركية رصدت تحركات إيرانية يُشتبه في ارتباطها بزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، في خطوة من شأنها تهديد الملاحة العالمية.
وفي ضوء هذه التقارير، توعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بما وصفه بـ"عواقب عسكرية غير مسبوقة" إذا لم تقم إيران بإزالة الألغام التي تقول واشنطن إنّها رصدت مؤشرات إلى نشرها في هذا الممر الإستراتيجي.
في المقابل، نفى نائب وزير الخارجية الإيراني هذه الاتهامات، مؤكدًا أنّ بلاده لا تزرع ألغامًا في مضيق هرمز.
وكانت إيران قد أعلنت في 2 مارس/ آذار الجاري أنّ مضيق هرمز "مغلق"، مهددة بمهاجمة أي سفينة تحاول عبور هذا الممر البحري الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
لماذا تثير ألغام مضيق هرمز كل هذا القلق؟
تزداد خطورة هذه التقارير بالنظر إلى طبيعة الترسانة البحرية التي يُعتقد أنّ إيران تمتلكها.
وتشير تقديرات وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية إلى أنّ طهران تملك أكثر من 5000 لغم بحري ضمن ترسانتها العسكرية، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
ويمنح الموقع الجغرافي لمضيق هرمز إيران أفضلية عسكرية في هذا النوع من العمليات، إذ يمتد ساحلها الجنوبي لمسافة طويلة، ما يتيح للقوارب الصغيرة التحرك بسرعة وزرع الألغام في نقاط مختلفة.
كما أنّ ضيق الممرات الملاحية في المضيق يحدّ من قدرة السفن على المناورة، فيما لا يتجاوز عمق المياه في أضيق نقطة نحو 200 قدم، وهو عمق مناسب لإنشاء حقول ألغام بحرية.
كيف تعمل الألغام البحرية؟
تُعد الألغام البحرية من أقدم الأسلحة المستخدمة لتعطيل الملاحة العسكرية والتجارية، وقد تطورت بشكل كبير منذ الحرب العالمية الأولى.
ومن أكثر أنواعها شيوعًا الألغام المربوطة، وهي رؤوس حربية تُثبت أسفل سطح الماء بواسطة سلسلة متصلة بمرساة ثقيلة في قاع البحر.
ويحتوي الجزء السفلي من اللغم على المتفجرات، بينما يوفّر جيب هوائي في الجزء العلوي خاصية الطفو، وتبرز منه قرون حساسة تنفجر عند ملامسة هيكل السفينة.
أما إذا انقطعت سلسلة المرساة، فإنّ اللغم يتحول إلى لغم عائم ينجرف مع التيارات البحرية، ما يزيد من خطورته على السفن المارة.
وخلال فترة الحرب الباردة، ظهرت الألغام القاعية، وهي أكثر تطورًا وخطورة من الألغام التقليدية.
وتستقر هذه الألغام في قاع البحر، وتحتوي على كميات أكبر من المتفجرات، كما تعتمد على أجهزة استشعار متعددة، مثل الحساسات المغناطيسية، والحساسات الصوتية، وأجهزة قياس الضغط، والحساسات الزلزالية.
وتسمح هذه الأنظمة للغم برصد اقتراب سفينة قبل الانفجار، ما يؤدي إلى إطلاق فقاعة غازية ضخمة تضرب هيكل السفينة بقوة هائلة.
الألغام اللاصقة.. سلاح التعطيل الصامت
إلى جانب الألغام التقليدية، تمتلك إيران أيضًا ألغامًا لاصقة صغيرة الحجم، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
ويقوم غواصون أو سباحون عسكريون بزرع هذه المتفجرات مباشرة على هيكل السفن، عادة بالقرب من أنظمة الدفع أو التوجيه.
وتنفجر هذه الشحنات بعد فترة زمنية محددة مسبقًا، ما يمنح منفذي العملية وقتًا كافيًا للانسحاب.
وغالبًا ما تهدف هذه الألغام إلى ما يُعرف عسكريًا بـ"تعطيل المهمة"، أي إلحاق أضرار بالسفينة تمنعها من مواصلة عملها، من دون أن تؤدي بالضرورة إلى إغراقها بالكامل.
لماذا تُعد إزالة الألغام مهمة شاقة؟
رغم أنّ زرع الألغام يُعد أسهل نسبيًا، فإنّ إزالتها عملية معقدة وخطيرة للغاية.
ويمكن لفرق إزالة الألغام استخدام مركبات مسيّرة مزودة بأجهزة سونار لمسح قاع البحر بحثًا عن الأجسام المشبوهة. وبمجرد اكتشاف اللغم، يجري تدميره بواسطة شحنات تفجير عن بُعد أو عبر غواصين متخصصين.
كما يمكن استخدام كاسحات الألغام التي تحاكي إشارات السفن لإجبار الألغام على الانفجار، لكن هذه الطريقة لا تضمن دائمًا إزالة جميع الألغام.
ويقول مسؤولون عسكريون إنّ إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تكون مكلفة للغاية، وقد تستغرق أسابيع، خصوصًا إذا جرت العمليات تحت تهديد عسكري.
وفي بعض الحالات، لا يكون من الضروري إزالة جميع الألغام، إذ يمكن لفرق الهندسة البحرية إنشاء ممرات آمنة داخل حقول الألغام للسماح بمرور السفن، مع وضع عوامات لتحديد هذه المسارات.
وبحسب مسؤولين أميركيين، قد لا تقوم استراتيجية إيران على إغلاق المضيق دفعة واحدة بقدر ما تقوم على محاولة زرع الألغام بوتيرة تربك جهود الإزالة وتفرض كلفة أمنية وعسكرية مرتفعة على حركة الملاحة.
وتُظهر السوابق العسكرية مدى تعقيد هذه المهمة. ففي عام 1991، وبعد أن زرع العراق أكثر من ألف لغم بحري في الخليج، احتاجت قوات الحلفاء إلى وقت طويل لتطهير سواحل الكويت وتأمين الملاحة.
هل تكفي الضربات الأميركية؟
في الميدان، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنّها استهدفت قدرات إيران المرتبطة بزرع الألغام.
وذكرت أنّها نفذت ضربات ضد 16 سفينة إيرانية يُعتقد أنّها تُستخدم في هذا النوع من العمليات، فيما أظهرت مقاطع فيديو إصابة عدد منها أثناء وجودها في الموانئ.
ورغم ذلك، أفاد مسؤولون أميركيون بأنّ إيران بدأت لاحقًا استخدام زوارق أصغر لتنفيذ عمليات يُشتبه في ارتباطها بزرع الألغام.