كان خطابها الرسمي الأول في منصبها الجديد رئيسةً للجمعية العامة للأمم المتحدة مختلفًا، بل وصادمًا، مقارنةً بتصريحات اعتادت أنالينا بيربوك الإدلاء بها منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما كانت وزيرةً للخارجية الألمانية.
تقدّمت بيربوك الأربعينية بهدوء إلى منصة الأمم المتحدة، وألقت خطابًا مشحونًا بالمضامين الإنسانية، وهي تقارب الأوضاع في الشرق الأوسط في مؤتمر حل الدولتين الذي عُقد في المنظمة الدولية في الثاني والعشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي برعاية فرنسية-سعودية.
قالت إنها تلقت العديد من الرسائل بعد انتخابها لمنصبها الجديد، لكن واحدة منها تركت أثرًا عميقًا في نفسها، وكانت مرفقة بصور لثلاثة أطفال فلسطينيين من قطاع غزة.
إحدى الصور كانت لمدرسة في القطاع قبل العدوان على غزة، وأخرى للمدرسة نفسها بعده. علّقت بيربوك قائلة: "في الأولى، تظهر المدرسة تحت شمس مشرقة وسماء زرقاء صافية وأبوابها مفتوحة وتضج بالسعادة، بينما تظهر في الثانية وقد تحولت إلى أنقاض، وكان ثمة فتى وحيد يقف بين ركام مكانه الآمن".
وأضافت أنها تخيلت أن لذلك الفتى صفًا مفضّلًا أو معلّمًا محبوبًا وصديقًا مقرّبًا، لكن كل شيء تبدّد، وضحكات الأطفال اختفت إلى غير رجعة.
بيربوك تتذكّر هند رجب
قالت بيربوك إن أطفال غزة، في عمر كهذا، لا يفترض أن يرسموا مشاهد الحرب، بل أن يتعلّموا الرياضيات ويلعبوا مع أصدقائهم ويرسموا التنانين والقلاع، لكنّ واقعهم مختلف، فهم يعيشون الرعب منذ ما يزيد عن سبعمائة يوم.
عشرات الآلاف فقدوا حياتهم. عشرات الآلاف من الأحلام لم تتحقق أبدًا، وكثيرون قتلوا هناك من دون أن يعرف العالم حتى أسماءهم، إلى أن سمعنا صوتًا واحدًا عاليًا لم نستطع تجاهله. إنه صوت هند رجب.
قالت بيربوك بتأثر إن العالم خذل هند رجب، كما خذل أيضًا أطفالًا إسرائيليين كانوا ضحايا هجوم السابع من أكتوبر.
استُشهدت هند رجب (2018-2024) عن ستة أعوام، عندما قصفت دبابات إسرائيلية سيارة كانت تقلها وأفرادًا من أسرتها في حي تل الهوى بمدينة غزة في يناير/ كانون الثاني 2024.
قبل مقتلها، تواصل معها الهلال الأحمر الفلسطيني من دون أن يتمكن من الوصول إليها، وبثت وسائل الإعلام مكالمتها الأخيرة قبل أن ينقطع الاتصال معها، وهي تناشد العالم التدخل لحمايتها، فيما كانت دبابة إسرائيلية تقترب من السيارة.
قالت بيربوك، التي روت قصتها والدموع تلمع في عينيها، إن الأطفال في الشرق الأوسط يستحقون أن يعرفوا شمسًا تشرق على مدارسهم وضحكات أصدقائهم وفرحة الطعام مع عائلاتهم، لا رعب الحرب والتجويع والإرهاب. ودعت إلى وقف فوري وشامل وغير مشروط للعدوان على قطاع غزة.
هل دافعت عن استهداف الأماكن المدنية؟
هذا الموقف بدا بعيدًا عن خطاب بيربوك في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2024 أمام الجمعية الاتحادية الألمانية في الذكرى الأولى لهجوم السابع من أكتوبر 2023، حين قالت:
حق الدفاع لا يعني مهاجمة الإرهابيين، بل تدميرهم، وعندما يختبئ عناصر حماس بين الناس وخلف المدارس، فإن الأماكن المدنية تفقد وضع الحماية، لأن الإرهابيين ينتهكونها.
وأضافت: "لهذا السبب أوضحت للأمم المتحدة أن المنشآت والمناطق المدنية قد تفقد أيضًا وضعها المحمي بسبب إساءة استخدامها من قبل الإرهابيين". وشددت على أن أمن إسرائيل جزء من مصلحة برلين، بصرف النظر عمّن يتولى السلطة في ألمانيا.
أثارت كلمة بيربوك التي تبرأت منها فيما بعد، ضجة كبيرة في العالم، إذ استنكرتها مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي التي طالبت بيربوك بتقديم الأدلة، معتبرة أنها "شرعنت المجازر" الإسرائيلية في غزة. كما رأت أن وقوف ألمانيا إلى جانب دولة ترتكب جرائم دولية له عواقب قانونية.
كما أدانت حركة حماس تصريح بيربوك، ووصفته بالوقح، معتبرة أنه يشكّل "خرقًا فاضحًا" لاتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، فيما دعت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية محكمة الجنايات الدولية إلى فتح تحقيق ضد بيربوك، مؤكدة أن تصريحها "يمثل مخالفة صريحة لالتزامات ألمانيا بالقانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية، ويشجع الاحتلال على تصعيد اعتداءاته بحق المدنيين الفلسطينيين".
وفي العاصمة الألمانية برلين، خرجت مظاهرات احتجاجية تندد بتصريحات بيربوك، ردّد خلالها المتظاهرون هتافات "الحرية لفلسطين" و"ألمانيا تموّل، إسرائيل تقصف".
نفي متأخر
بعد الضجة الكبيرة التي أثارتها تصريحات بيربوك، أصدرت السفارة الألمانية في القاهرة بيانًا وصفت فيه الادعاء بأن وزيرة خارجية ألمانيا تدعم الهجمات على المدنيين بأنه "ادعاء كاذب".
وأعاد المتحدث باسم الخارجية الألمانية سيباستيان فيشر التأكيد بأن "الأماكن المدنية قد تفقد وضعها المحمي إذا استُخدمت عسكريًا، لكن حماية المدنيين تبقى المبدأ الأسمى".
مع ذلك، بدا واضحًا أن بيربوك لم تتراجع فعليًا عن تصريحها، وهو ما قالت إنه ليس صحيحًا، عندما سئلت في أعقاب تسلمها منصبها الجديد رئيسةً للجمعية العامة للأمم المتحدة، نافية أنها صرحت بأن الأماكن المدنية قد تفقد وضعها المحمي.
وكانت بيربوك قد قالت بعد أيام قليلة على تصريحها المثير للجدل في العاشر من أكتوبر 2024، إن حماس تستخدم سكان غزة "دروعًا بشرية"، وذلك في مؤتمر صحفي مع نظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين.
حماس تختبئ الآن خلف أشخاص أبرياء وتستخدمهم دروعًا بشرية في غزة. أنفاقهم ومستودعات الأسلحة ومراكز القيادة الخاصة بهم، تقع عمدًا في المباني السكنية ومحلات السوبرماركت والجامعات. وربما حتى في المستشفيات.
إنقاذ إسرائيل من نفسها
ورغم ذلك، انتقدت بيربوك إسرائيل أكثر من مرة، إلا أنّها تُدرج بعض انتقاداتها في سياق المؤيد لإسرائيل لكن من موقع الساعي إلى إنقاذها من نفسها ومن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إضافة إلى سياق التحوّلات في الموقف الألماني من الانحياز المطلق لتل أبيب إلى "التذمر" من ممارساتها.
وتزامن هذا التحوّل مع تشدّد إزاء حركة حماس وشيطنتها تمامًا، وعزل هجوم طوفان الأقصى عن التراكمات التي أدت إليه، ففي أعقاب اغتيال زعيم حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار في أكتوبر 2024 دعت الوزيرة الألمانية حماس إلى "الإفراج فورًا عن جميع الرهائن وإلقاء أسلحتها".
وقالت إن "السنوار كان قاتلًا وحشيًا وإرهابيًا أراد تدمير إسرائيل وشعبها. وبصفته المحرض على إرهاب السابع من أكتوبر، تسبّب بمقتل الآلاف وبمعاناة لا توصف للمنطقة بأكملها"، داعية إلى إنهاء معاناة غزة.
لكن حدّة الموقف من حماس والسنوار لم تقابلها حدة موازية إزاء القادة الإسرائيليين، رغم دعوات أوروبية لفرض عقوبات على وزراء في حكومة نتنياهو.
فبينما كان مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، يسعى في أغسطس/ آب 2024 لفرض عقوبات على وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير اللذين ينتميان إلى اليمين المتطرف، أبدت بيربوك ترددًا، مشيرة إلى أن هناك عقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي بالفعل على مستوطنين يهود ارتكبوا أعمال عنف، وأن أي خطوة أخرى ستحتاج إلى موافقة بالإجماع.
خلاف نادر بين بيربوك ونتنياهو
في مايو/ أيار 2024، وبعد إعلان حماس إطلاق صواريخ على تجمع عسكري في منطقة كرم أبو سالم، اعتبرت الوزيرة الألمانية أن ذلك "يظهر مرة أخرى أن إرهابيي حماس لا يهتمون على الإطلاق بالإمدادات الإنسانية لسكان غزة".
وقالت: "حماس تظهر وجهها الحقيقي مرة أخرى. لم تكن أبدًا مهتمة بسكان غزة ومصيرهم ومعاناتهم. بل على العكس من ذلك، لا يبالي الإرهابيون نهائيا بمصير سكان غزة"، ولم تشر الوزيرة إلى مبدأ التناسب في الرد رغم أن إسرائيل قامت بعد الهجوم بإغلاق المعبر تمامًا ومنع المساعدات عن سكان غزة.
ويأتي أيضًا في سياق الحرص على صورة إسرائيل ما دعت إليه بيربوك في يناير/ كانون الثاني 2024، مطالبة بـ"إدارة أقل حدة للعمليات" العسكرية.
وقالت الوزيرة بعد محادثات مع نظيرها الإسرائيلي يسرائيل كاتس والرئيس اسحق هرتسوغ: "لا يمكن أن تستمر معاناة هذا العدد الكبير من الأشخاص. نحتاج إلى إدارة أقل حدة للعمليات"، وفي الوقت نفسه إيجاد "سبل لمحاربة حماس من دون أن يعاني الكثير من الفلسطينيين".
وأدت استراتيجية حماية إسرائيل من نفسها ومن رئيس وزرائها إلى خلافات بين بيربوك ونتنياهو، ففي أبريل/ نيسان 2024 سرّبت وسائل إعلام إسرائيلية وكذلك صحيفة "بيلد" الألمانية ما قالت إنها مشادة كلامية بين نتنياهو والوزيرة الألمانية خلال زيارة لها لإسرائيل.
ووفقًا لتقارير وسائل الإعلام، فقد تم عرض لقطات مصورة على بيربوك لأسواق في قطاع غزة فيها إمدادات وفيرة من المواد الغذائية، بالإضافة إلى صور لفلسطينيين يسبحون في المنطقة الساحلية من قطاع غزة.
وردّت بيربوك على ذلك بالقول إن الصور لا تعكس الوضع الحقيقي هناك، فردّ عليها نتنياهو قائلًا إن إسرائيل "ليست مثل النازيين" الذين يفبركون الواقع.
موسكو تتهمها بالتحيّز الشديد
انتُخبت بيربوك رئيسة للدورة الثمانين للجمعية العامة في يونيو/ حزيران الماضي. غير أن انتخابها لم يخلُ من اعتراض روسي، إذ دعا نائب السفير الروسي دميتري بوليانسكي إلى التصويت بدل التزكية، متهمًا بيربوك بـ"التحيز الشديد وعدم الكفاءة".
وخلال نقاش جرى في منتصف مايو/أيار مع بيربوك، قال بوليانسكي حينها:
لقد أظهرت بيربوك مرارًا عدم كفاءتها وتحيّزها الشديد وعدم فهمها للمبادئ الدبلوماسية الأساسية. إن قرار السلطات في برلين الدفع بترشيحها بدلًا من المرشحة التي تم الإعلان عنها مسبقًا والتي تناسب الجميع، ليس أقل من بصقة في وجه المنظمة العالمية.
يذكر أنه يتم انتخاب رئيس الجمعية سنويًا لمدة عام واحد، وفقًا لآلية "التناوب الجغرافي" التي كانت هذا العام من نصيب مجموعة الدول الغربية ودول أخرى (تركيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة، وكندا، ونيوزيلندا، وأستراليا).
ورشحت ألمانيا للمنصب في البداية الدبلوماسية هيلغا شميت في سبتمبر/ أيلول، إلا أنها تراجعت عن قرارها في مارس/ آذار، واقترحت أنالينا بيربوك التي كانت على وشك مغادرة منصبها وزيرةً للخارجية بعد الانتخابات البرلمانية في فبراير/ شباط.
وحصلت بيربوك في الاقتراع السري الذي جرى مطلع يونيو/ حزيران على 167 صوتًا لصالحها، بينما امتنعت 14 دولة عن التصويت، وكانت المفارقة أن 7 دول صوّتت لصالح هيلغا شميت.
أول وأصغر وزيرة خارجية
وُلدت أنالينا بيربوك عام 1980 في هانوفر، ودرست العلوم السياسية والقانون العام في هانوفر والقانون الدولي في كلية لندن للاقتصاد، وشغلت منصب وزيرة الخارجية الألمانية بين عامي 2021 و2025.
وكانت أول امرأة تتولى هذا المنصب في ألمانيا، كما أصبحت خامس امرأة تترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبعد أن جربت العمل في الصحافة في العشرينيات من عمرها، انضمت إلى حزب الخضر عام 2005، وتدرجت في مناصبه حتى صارت من أبرز وجوهه مع روبرت هابيك، وأسهمت في تحويله إلى قوة سياسية رئيسية.
أصبحت رئيسة فرع براندنبورغ للحزب عام 2009، ودخلت عام 2013 مجلس النواب "البوندستاغ".
وبعد فوز المستشار أولاف شولتس في انتخابات عام 2021 خلفًا لأنغيلا ميركل، شكّل أول حكومة تكافؤ في البلاد تتولى فيها عدة نساء وزارات أساسية، من بينهن أنالينا بيربوك وزيرة للخارجية والاشتراكيتان الديمقراطيتان كريستين لامبريشت وزيرة للدفاع ونانسي فيسر وزيرة للداخلية.
وكانت بيربوك واحدة من اثنين رشحهما حزب الخضر للمشاركة في ائتلاف شولتس الحكومي. الثاني هو روبرت هابيك الذي أسندت إليه حقيبة المناخ والاقتصاد.
وأصبحت بيربوك التي رشّحها حزب الخضر في الانتخابات التشريعية عام 2021 لمنصب المستشارة لخلافة ميركل، أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ البلاد، وأصغر شخص يتولى المنصب أيضًا، وهي ثاني من يتولى حقيبة الخارجية في ألمانيا من حزب الخضر، بعد يوشكا فيشر.