الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026
Close

أنسنة الأشياء.. لماذا نمنح السيارات والنباتات والأجهزة أسماءً؟

أنسنة الأشياء.. لماذا نمنح السيارات والنباتات والأجهزة أسماءً؟

شارك القصة

تساعد بعض خصائص السيارات على منحها أسماء أكثر من أشياء أخرى - غيتي
تساعد بعض خصائص السيارات على منحها أسماء أكثر من أشياء أخرى - غيتي
تساعد بعض خصائص السيارات على منحها أسماء أكثر من أشياء أخرى - غيتي
الخط
تنشأ الألفة بين الإنسان وأشياء يقتنيها من الاستخدام المتكرر فيضفي سمات وأسماء بشرية عليها ويستمتع في لعبة تجمع بين المزاح والخيال.

قد تصبح السيارة التي ترافقنا كل صباح "ليلى"، والنبتة الصغيرة قرب النافذة "فريدة"، بينما يحمل الحاسوب القديم اسمًا ساخرًا لا يفهم سببه سوى أفراد البيت. نعرف أن السيارة لا تسمعنا، وأن النبتة لا تعرف الاسم المكتوب على أصيصها، ومع ذلك يبدو إطلاق الاسم عليها أمرًا طبيعيًا.

لا نتوقف عند التسمية. نصف السيارة بأنها "عنيدة" لأنها تأخرت في التشغيل، ونقول إن آلة القهوة "غاضبة" حين تتوقف فجأة، ونعاتب الهاتف عندما تنفد بطاريته في لحظة نحتاج إليه فيها. هكذا تتحول الأشياء الصامتة إلى شخصيات صغيرة تشاركنا تفاصيل اليوم.

فلماذا نمنح ما لا يتكلم ولا يفكر أسماءً وصفات تكاد تجعله واحدًا منا؟

الاسم يخرج الشيء من الزحام

يؤدي الاسم وظيفة بسيطة في البداية، فهو يميز شيئًا بعينه عن بقية الأشياء المشابهة له. لا تعود النبتة واحدة من نباتات كثيرة في المنزل، وإنما تصبح "زينة"، النبتة التي اشتريناها يوم انتقلنا إلى البيت، وكادت تذبل في الصيف ثم ظهرت فيها أوراق جديدة.

لا نسمّي كل ما نملكه بل أشياء بعينها لأنها ترافقنا كل صباح- غيتي
لا نسمّي كل ما نملكه بل أشياء بعينها لأنها ترافقنا كل صباح - غيتي

يمنح الاسم الشيء قدرًا من التفرد. فالأشياء تُعرّف عادة بوظيفتها أو نوعها، مثل سيارة أو هاتف أو مروحة. أمّا حين نمنحها اسمًا، فإننا نخرجها من الفئة العامة ونمنحها سيرة صغيرة تتكون من المواقف والأعطال والذكريات والنكات العائلية. لهذا لا نسمّي كل ما نملكه بل أشياء بعينها لأنها ترافقنا كل صباح، أو لأنها هدية من شخص عزيز.

الأنسنة تولد من التكرار

يميل الإنسان إلى وصف العالم من خلال أكثر لغة يعرفها، وهي لغة البشر. نقول إن البحر غاضب، والمدينة لا تنام، والحظ أدار لنا ظهره. بالطريقة نفسها، نصف الجهاز بأنه كسول، والسيارة بأنها مزاجية، والطابعة بأنها اختارت تعطيل أكثر الأوراق أهمية.

وغالبًا ما يكون الوصف البشري اختصارًا ذهنيًا ولغويًا. يسمي علماء النفس هذا الميل "الأنسنة"، أي إضفاء صفات بشرية على كائنات أو أشياء غير بشرية. وهي نزعة تظهر في الخيال واللغة اليومية، وتساعدنا أحيانًا على جعل العالم المحيط بنا أكثر قربًا وأسهل في الفهم.

تنشأ الألفة من الاستخدام المتكرر. نعرف الصوت الطبيعي لسيارتنا، ونلاحظ فورًا أي صوت غريب يصدر عنها. نعرف سرعة الحاسوب ومتى يبدأ بالتباطؤ، ونراقب اتجاه النبتة نحو الضوء وعدد الأوراق التي فقدتها أو استعادتها.

مع الوقت، تبدأ هذه الفروق بالظهور لنا كأنها طباع ثابتة. سيارة تعمل بسهولة في الصيف وتتأخر في الصباحات الباردة تصبح "لا تحب الشتاء". وتصبح نبتة تحتاج إلى عناية دقيقة "حساسة"، فيما يوصف جهاز قديم يتحمل العمل سنوات طويلة بأنه "وفيّ". 

لماذا تبدو السيارة أقرب إلى الشخصية؟

تساعد بعض خصائص السيارات على منحها أسماء أكثر من أشياء أخرى. فهي تتحرك، وتصدر أصواتًا، وتستجيب لأوامرنا، وتحملنا في رحلات طويلة، وتشهد لحظات قد تبقى في الذاكرة سنوات.

تبدو تسمية النباتات أكثر قابلية للفهم لأنها كائنات حية بالفعل- غيتي
تبدو تسمية النباتات أكثر قابلية للفهم لأنها كائنات حية بالفعل - غيتي

قد ترتبط السيارة بأول وظيفة، أو رحلة عائلية، أو انتقال إلى مدينة جديدة. وربما كانت أول شيء كبير يشتريه الشخص بماله الخاص. تصبح حينها جزءًا من مرحلة كاملة من الحياة، وليس مجرد وسيلة نقل.

تمنح طريقة قيادتها وأعطالها واستهلاكها للوقود مادة كافية لصناعة شخصية. هناك سيارة "هادئة"، وأخرى "عصبية"، وثالثة "لا تخذل صاحبها". حتى شكلها ولونها قد يوحيان باسم يبدو ملائمًا لها، كما لو أننا نسمّي حيوانًا أليفًا.

النبات كائن يجيب ببطء

تبدو تسمية النباتات أكثر قابلية للفهم لأنها كائنات حية بالفعل، حتى وإن لم تتحرك أو تتكلم بالطريقة التي نعرفها. ينمو النبات ويميل نحو الضوء ويذبل ثم يستعيد عافيته، ويقدم إشارات يمكن لصاحبه أن يقرأها بوصفها رضا أو تعبًا.

تخلق العناية اليومية علاقة قائمة على الملاحظة. نسقي النبتة، ونغير مكانها، وننتظر ظهور ورقة جديدة. حين تستجيب، نشعر بأن ما فعلناه أحدث فرقًا. لهذا قد يصبح ذبول نبتة تحمل اسمًا أكثر إزعاجًا من تلف غرض منزلي عادي.

يساعد الاسم أيضًا على إدخال النبات في حياة البيت. يسأل أحدهم عمن سقى "لوزة"، أو يخبر الآخرين بأن "ياسمين" لم تعد بخير. تتحول مهمة العناية بالنبات من واجب عام إلى علاقة محددة مع كائن له مكان معروف وحكاية خاصة.

أجهزة تتفاعل مع مستخدمها

كان من السهل النظر إلى الأجهزة القديمة بوصفها أدوات صامتة. أما الأجهزة الحديثة، فقد صُممت لتقترب من أسلوب التفاعل البشري. فهي تتحدث وتجيب وتقترح وتعتذر وتعرض رسائل تبدو أحيانًا كأنها موجهة إلينا شخصيًا.

تزيد المساعدات الصوتية والروبوتات المنزلية والسيارات الذكية هذا الشعور. عندما يرد الجهاز بصوت، ويتذكر بعض الاختيارات، ويتفاعل مع الأوامر، يصبح من الطبيعي أن نتعامل معه كما لو كان طرفًا في محادثة، حتى ونحن ندرك أنه برنامج.

قد تمنح الشركات الأجهزة أسماء منذ البداية لتسهيل هذه العلاقة. فالاسم يجعل التقنية أقل جفافًا، ويحول الأمر الصادر إلى آلة إلى نداء موجه إلى شخصية مألوفة.

الاسم شكل من أشكال التملك

وفي هذه الحال، لا يعني التملك امتلاك الشيء قانونيًا فقط، بل تحويله إلى جزء من عالمنا الخاص. الاسم الذي نختاره لا يكون موجودًا في دليل، لهذا قد نشعر أن الشيء المسمّى يخصنا أكثر من شيء مماثل له.

يخلق الاسم مسافة عاطفية قصيرة بين الفرد ومقتنياته المميزة- غيتي
يخلق الاسم مسافة عاطفية قصيرة بين الفرد ومقتنياته المميزة - غيتي
 

وحين يحمل الشيء اسمًا، قد يصبح إهماله أصعب قليلًا. تبدو عبارة "نسيت سقي النبتة" أخف من قول "نسيت سقي فريدة". ويصبح التخلص من جهاز قديم مرتبط باسمه وذكرياته أصعب، حتى مع وجود بديل أفضل.

يخلق الاسم مسافة عاطفية قصيرة بيننا وبين الشيء. قد يدفعنا إلى تنظيف السيارة والاعتناء بالنبات وإصلاح الجهاز بدل التخلي عنه سريعًا. لكنه قد يجعلنا أيضًا نتمسك بأشياء لم تعد نافعة، لأننا لا نتعامل معها بوصفها أدوات قابلة للاستبدال، بل بوصفها رفاقًا شهدوا جزءًا من حياتنا.

تظهر هذه المفارقة خصوصًا عند بيع سيارة قديمة أو التخلص من حاسوب استُخدم لسنوات. نعرف منطقيًا أننا نفارق قطعة من المعدن أو البلاستيك، لكن الشعور يشبه أحيانًا وداع مرحلة كاملة.

لعبة ممتعة

وفي معظم الحالات، تظل تسمية الأشياء عادة خفيفة تجمع بين الألفة والمزاح والخيال. نعاتب الهاتف من دون أن ننتظر منه اعتذارًا، ونشجع السيارة على صعود طريق مرتفع، ونخبر النبتة بأنها تبدو أفضل اليوم.

ندرك أن الأشياء لا تفهم كلماتنا، لكن الحديث إليها يخفف جفاف العلاقة معها. يجعل العطل قصة، والعناية طقسًا، والاستخدام المتكرر نوعًا من الصحبة.

فبين أداة نستخدمها وشيء نناديه باسمه، توجد مسافة صغيرة يملؤها الإنسان بالخيال. وربما لا نسمّي الأشياء لأننا نظن أنها تشبهنا، بل لأنها عاشت معنا طويلًا بما يكفي كي تكف عن أن تكون مجرد أشياء. 

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من