Skip to main content

أنقرة وحدها استجابت لنداءات طرابلس.. باشاغا يكشف كواليس الاتفاق الأمني مع تركيا

الخميس 9 يوليو 2026
كان فتحي باشاغا يشغل منصب وزير الداخلية الليبي إبان هجوم حفتر على طرابلس في 2019

في وقت تتواصل فيه الانقسامات السياسية والأمنية في ليبيا، عاد وزير الداخلية الليبي الأسبق فتحي باشاغا للحديث عن واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث، وهي توقيع مذكرة التعاون الأمني والعسكري بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا عام 2019، والتي شكّلت نقطة تحول في مسار الحرب على العاصمة طرابلس.

وخلال استضافته في بودكاست "للحديث صلة"، الذي يُعرض على منصتي "العربي بلس" و"العربي تيوب"، ويقدمه الزميل أنس أزرق، تطرق باشاغا إلى ملفات شائكة تتعلق بمستقبل الدولة الليبية، وصعود المجموعات المسلحة، وأسباب الانقسام السياسي، إضافة إلى كواليس الاتفاق الأمني مع أنقرة، الذي اعتبره ضرورة فرضتها ظروف الحرب آنذاك.

ويرى باشاغا أن الأزمة الليبية تجاوزت حدود الانقسام السياسي، ووصلت إلى مرحلة تهدد وجود الدولة نفسها، محذرًا من تفكك المؤسسات ونهب الثروات العامة وتغوّل شبكات النفوذ المالي والعسكري على القرار السياسي.

 

من هو فتحي باشاغا؟

  • يُعد فتحي باشاغا أحد أبرز الوجوه السياسية التي ظهرت في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير/ شباط 2011.
  • وُلد باشاغا عام 1962 في مدينة مصراتة، والتحق بالكلية الجوية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يستقيل من المؤسسة العسكرية برتبة رائد عام 1993 ويتجه إلى قطاع الأعمال.
  • مع اندلاع الثورة الليبية عام 2011، انضم إلى المجلس العسكري في مصراتة وتولى مهمة الناطق باسمه، ثم انتقل إلى العمل السياسي من خلال مجلس الأعيان والحكماء في المدينة، قبل انتخابه عضوًا في مجلس النواب عام 2014.
  • شارك باشاغا في جولات الحوار السياسي التي انتهت إلى توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015، وتولى لاحقًا منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني بين عامي 2018 و2021، وهي الفترة التي ارتبط اسمه خلالها بمحاولات إعادة تنظيم وزارة الداخلية وتعزيز حضور الأجهزة الأمنية الرسمية.
  • في فبراير/ شباط 2022، كلّفه مجلس النواب بتشكيل حكومة موازية لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. وشكّل باشاغا حكومته وحصل على ثقة البرلمان، لكنه لم يتمكن من تسلّم السلطة في طرابلس، قبل أن يعلّق مجلس النواب مهماته في مايو/ أيار 2023 ويكلّف أسامة حماد بتوليها.

لماذا اتجهت حكومة الوفاق إلى تركيا؟


كشف باشاغا أن الاتفاق الأمني والعسكري مع تركيا لم يكن قرارًا مفاجئًا أو خيارًا أوليًا بالنسبة إلى حكومة الوفاق الوطني، وإنما جاء بعد محاولات للحصول على دعم دولي في مواجهة الهجوم الذي شنته قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس عام 2019.

بحسب باشاغا، فن دولًا أوروبية عدة لم توافق حينها على دعم ليبيا سياسيًا وعسكريًا لحماية طرابلس

وأوضح أن وفدًا من حكومة الوفاق أجرى زيارات واتصالات مع عدد من الدول الأوروبية، من بينها إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، سعيًا للحصول على دعم سياسي وعسكري يساهم في حماية العاصمة والحكومة المعترف بها دوليًا، إلا أن تلك التحركات لم تُفضِ إلى استجابة عملية.

وبحسب روايته، أبدت المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل استعداد بلادها لتقديم الدعم السياسي، لكنها أوضحت أن برلين لا تستطيع تقديم مساندة عسكرية مباشرة.

وبحسب باشاغا، فإن المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل أبدت دعمًا سياسيًا للحكومة لكنها أوضحت أن برلين لا تستطيع تقديم دعم عسكري مباشر، بينما لم تقدم بقية الدول استجابة عملية للمطالب الليبية.

وأشار باشاغا إلى أن ميركل نصحت الوفد الليبي بالتمسك ببعثة الأمم المتحدة والانفتاح على الدول الإفريقية، في وقت كانت فيه بريطانيا منشغلة بملف الخروج من الاتحاد الأوروبي، بينما لم تقدم بقية الدول التي زارها الوفد دعمًا عسكريًا.

بعد عودة الوفد، أرسلت حكومة الوفاق رسائل رسمية إلى عدد من الدول، بينها دول أعضاء في مجلس الأمن، طالبةً المساعدة العسكرية، على أساس أن العاصمة تتعرض لهجوم يستهدف حكومة معترفًا بها دوليًا.

وقال باشاغا إن تركيا كانت الدولة الوحيدة التي استجابت للطلب الليبي، معتبرًا أن حكومة الوفاق كانت تمتلك الحق القانوني في طلب المساندة العسكرية لصد الهجوم وحماية العاصمة.

ووقّعت حكومة الوفاق وتركيا في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 مذكرتي تفاهم منفصلتين؛ تتعلق الأولى بالتعاون الأمني والعسكري، بينما تختص الثانية بتحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط.


باشاغا: وقّعت الاتفاق الأمني


من أبرز ما كشفه باشاغا خلال المقابلة تأكيده أنه لم يكن مجرد مشارك في المشاورات المتعلقة بالاتفاق الأمني، وإنما وقّع المذكرة الأمنية وساهم في إقناع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني آنذاك، فايز السراج، بالمضي فيها، في ظل التطورات العسكرية المتسارعة على الأرض.

ونفى باشاغا أن يكون السراج قد تلكأ في توقيع الاتفاق، موضحًا أن الظروف السياسية والعسكرية والتشويش الذي رافق المفاوضات أخّرت حسم الملف، وأن دوره تمثل في تقديم الحجج التي تدعم ضرورة إتمامه.

يقول باشاغا أنه كان له دور كبير في إقناع فايز السراج لتوقيع الاتفاقية الأمنية الليبية التركية - غيتي/ أرشيفية 

وأكد أن حكومة الوفاق كانت تواجه، بحسب روايته، تدخلًا عسكريًا خارجيًا متعدد الأطراف، شمل طائرات مسيّرة ومقاتلات من طراز "ميراج"، إضافة إلى عناصر من مجموعة فاغنر الروسية، ما دفعها إلى البحث عن شريك قادر على تقديم دعم عسكري فعلي.


كيف غيّر الدعم التركي موازين حرب طرابلس؟


واعتبر أن الاتفاق والتدخل التركي اللاحق أسهما في تغيير موازين القوى ومنع قوات حفتر من السيطرة على طرابلس، بعدما فشلت محاولات الحصول على دعم عسكري من دول أخرى.


وردًا على سؤال بشأن إمكان التوصل إلى تسوية سياسية مع حفتر بدل الاستعانة بقوة خارجية، قال باشاغا إن الحديث عن التسوية لم يكن واقعيًا في ظل استمرار الهجوم واستخدام الطائرات الأجنبية وعناصر فاغنر، مضيفًا أن الأولوية آنذاك كانت منع سقوط العاصمة.


من مواجهة حفتر إلى لقائه في بنغازي


رغم المواجهة العسكرية التي خاضها ضد قوات حفتر خلال حرب طرابلس، شدد باشاغا على أن القتال لم يكن هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لوقف الهجوم على الحكومة المعترف بها دوليًا.

وأوضح أن انتهاء المعارك أعاد فتح الباب أمام المسار السياسي، لأن ليبيا، وفق رؤيته، لا يمكن أن تستمر في دوامة الحروب والانقسامات، ولا يستطيع أي طرف إلغاء الأطراف الأخرى بالقوة.


عيّن مجلس النواب فتحي باشاغا رئيسًا لحكومة موازية في شرق البلاد - غيتي/ أرشيفية 

وعن انتقاله لاحقًا إلى التقارب مع أطراف في الشرق الليبي، بما في ذلك لقاؤه خليفة حفتر في بنغازي، قال باشاغا إن الاتصالات بدأت عبر شخصيات يعرفها، قبل أن يتلقى دعوة لزيارة المنطقة الشرقية.

ووصف تلك الزيارة بأنها كانت "مخاطرة سياسية"، موضحًا أن بعض المقربين منه حذروه من أنها قد تنهي مستقبله السياسي وتحرق رصيده في غرب ليبيا، لكنه رأى أن المجازفة بموقعه الشخصي تبقى أقل كلفة من استمرار انقسام البلاد.

ومهّد ذلك التقارب لتقدمه إلى رئاسة الحكومة بعد تعثر الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في ديسمبر/ كانون الأول 2021، قبل أن يختاره مجلس النواب لتشكيل حكومة جديدة عام 2022.


المجموعات المسلحة تتحول إلى شبكات نفوذ


في تقييمه للوضع الأمني الراهن، قدم باشاغا صورة قاتمة عن تطور المجموعات المسلحة في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن بعضها لم يعد مجرد تشكيلات تحمل السلاح، وإنما تحوّل إلى شبكات تجمع بين القوة العسكرية والمال والنفوذ السياسي.

وقال إن هذه الشبكات باتت تضم مسلحين ورجال أعمال وشخصيات نافذة، وتمتلك شركات مقاولات واتصالات، وتشارك في مشاريع حكومية، وتؤثر في بعض المصارف والقطاعات الاقتصادية.

يري باشاغا أن المجموعات المسلحة في ليبيا أصبحت تشرك في مشاريع سياسية واقتصادية - غيتي 

وذهب باشاغا إلى تقدير أن تلك المجموعات تسيطر على نحو "51%" من القرار لدى السلطة الموجودة في طرابلس، مستندًا إلى ما تمتلكه من قوة عسكرية وأموال ونفوذ داخل الأجهزة الأمنية والاقتصادية.

وأضاف أن بعض مراكز النفوذ تمكنت، وفق قوله، من الدخول في ملكية مصارف وطنية عبر رفع رؤوس أموالها وتحويل حصص منها إلى القطاع الخاص، فضلًا عن الحصول على امتيازات مرتبطة بالنفط والموارد القابلة للتصدير.

وبحسب وصفه، قد تبدو بعض الأطراف متعارضة سياسيًا أو عسكريًا، إلا أن المصالح المالية تجمع بينها، ما يجعل عملية استعادة الدولة أكثر تعقيدًا من مواجهة مجموعات مسلحة منفردة.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطة لتصنيف المسلحين ودمجهم


تحدث باشاغا عن تجربته عندما تولى وزارة الداخلية، قائلًا إنه حاول إعادة الثقة بين قيادة الوزارة وضباطها وأفرادها، والتعامل معهم بعيدًا عن الانتماءات الجهوية أو المناطقية.

وأوضح أنه اتخذ إجراءات للحد من استفادة المجموعات المسلحة من موارد الوزارة، شملت وقف فتح الاعتمادات المالية المباشرة، وتنظيم الإنفاق على التموين والملابس، وإخضاع القرارات المالية لرقابة أكثر صرامة.

كما وضع خطة لتصنيف أفراد المجموعات المسلحة تمهيدًا لإعادة تأهيلهم ودمج القابلين منهم في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية.

وقسّمت الخطة الأفراد إلى ثلاث فئات: "الخضراء" وتشمل من لا توجد بحقهم قيود أمنية أو جنائية، و"البرتقالية" لمن يحتاجون إلى معالجة أو إعادة تأهيل، و"الحمراء" للمطلوبين في قضايا جنائية، الذين رأى ضرورة استبعادهم وإحالتهم إلى القضاء.

وأشار إلى أن الوزارة بدأت تنفيذ المشروع ودربت مجموعة من العناصر، إلا أن اندلاع الحرب على طرابلس حال دون استكماله.

وربط باشاغا محاولة اغتياله بمعارضته الفساد والإجراءات التي اتخذها للحد من نفوذ شبكات المصالح، معتبرًا أن استعادة وزارة الداخلية لدورها وإعادة النظام إلى الشارع أزعجتا أطرافًا سياسية ومالية ومسلحة تستفيد من استمرار الفوضى.



هل يحن الليبيون إلى عهد القذافي؟


رغم انتقاداته الحادة لنظام معمر القذافي، أقرّ باشاغا بأن التدهور الحالي يدفع بعض الليبيين إلى مقارنة أوضاعهم بمرحلة ما قبل عام 2011.

ورفض وصف ذلك بأنه حنين حقيقي إلى النظام السابق، مستعيدًا ما شهدته ليبيا خلال حكم القذافي من قمع وتأميم للقطاع الخاص وإهمال للتعليم وغياب للتنمية في فترات طويلة.

وقال إن النظام أمّم ممتلكات الليبيين وأرزاقهم، وألغى مساحة القطاع الخاص، وأقام منظومة أمنية شديدة القسوة، إلى جانب إهمال المؤسسات وتوريط البلاد في مغامرات عسكرية خارجية.

مع ذلك، رأى باشاغا أن المقارنة التي يجريها الليبيون اليوم تنطلق من سوء الواقع الراهن، إذ كانت الدولة آنذاك تحافظ على حد أدنى من الأمن وتوفر السلع الأساسية، وكانت مؤسسات القضاء والنيابة أكثر قدرة على العمل مما هي عليه حاليًا.

وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على تراجع الظروف المعيشية والاقتصادية، وإنما تشمل الخوف من تفكك الدولة ونهب ثرواتها، وفي مقدمتها النفط، الذي يمثل مصدر الدخل الأساسي للبلاد.



باشاغا: الخطر يهدد وجود الدولة الليبية


اعتبر باشاغا أن الوضع الليبي أصبح "سيئًا جدًا" من النواحي الأمنية والاقتصادية والمعيشية، مشيرًا إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في انهيار المؤسسات وتراجع قدرة الدولة على إدارة مواردها.

وتحدث عن تضييق مساحة العمل السياسي، قائلًا إن المعارضة في غرب ليبيا لا تستطيع عقد اجتماعات علنية، بينما تكاد تكون غائبة تمامًا في الشرق، ما يدفع المعارضين إلى الاجتماع داخل المنازل والمجالس الخاصة.

وردًا على تحميله جزءًا من المسؤولية باعتباره من النخب التي شاركت في الحكم بعد عام 2011، قال باشاغا إن تجربته في وزارة الداخلية شهدت محاولات للإصلاح وإعادة الحد الأدنى من الأمن، مؤكدًا أن غياب الإنصاف والعدالة يحول دون قيام دولة مستقرة.

وشدد على أن مستقبل ليبيا يجب أن يكون في إطار دولة واحدة ومؤسسات موحدة، وأن استمرار الانقسام والفوضى سيؤدي إلى مزيد من إضعاف البلاد وإهدار ثرواتها وفرص الاستقرار التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة