أهداف مستترة.. القصة الكاملة لشيطنة الأونروا وظهور مؤسسة غزة الإنسانية
قبل أن يحصد الرصاص أرواح المجوّعين في مراكز ما تسمى "مؤسسة غزة الإنسانية"، هناك فصل من فصول الرواية في غزة لا يمكن تجاوزه.
نُسجت خيوط القصة عندما بدأ تقويض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وشيطنة عملها، ولاحقًا ظهرت فكرة "مؤسسة غزة الإنسانية"، التي تحوّلت إلى رديف لمشروع التهجير الناعم والخطر بحق الفلسطينيين.
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على انطلاق عملها، كشفت المؤسسة عن تحوّلها إلى ساحة للقتل ومصيدة للموت.
تشويه الأونروا وولادة "مؤسسة غزة الإنسانية"
منذ اشتعال العدوان الإسرائيلي على غزة، أطلقت إسرائيل مدعومة من واشنطن حملة ممنهجة ضد وكالة الأونروا، بلغت خلالها الاتهامات ذروتها بالادعاء أن موظفين تابعين للوكالة شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر.
وإثر ذلك، فتحت الأمم المتحدة تحقيقًا، ثم طردت بعض الموظفين، لكنها أكدت أن غالبية الاتهامات "بلا دليل". واستُخدمت الحملة ضد الأونروا ذريعة لتقويض دورها، وتمهيدًا لإحلال بديل.
وفي مارس/ آذار الماضي، وبينما كان وقف إطلاق النار ينهار، بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الحديث عن الحاجة لـ"آلية جديدة لتقديم المساعدات".
وبدا الخطاب منسقًا مع منع إسرائيل للإمدادات الغذائية والطبية عن القطاع. وفي ذلك التوقيت، كان يعاد رسم المشهد خلف الكواليس، لتنطلق ما تسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" في 26 مايو/ أيار الماضي.
ورغم أن المؤسسة الوليدة تحمل اسمًا ناعمًا، إلا أنه يقف خلفها اسم فيليب رايلي، وهو ضابط سابق في الاستخبارات الأميركية، وخبير عمليات ميدانية في أفغانستان، وذو سجل طويل في شركات أمنية خاصة اشتهرت بعسكرة المساعدات.
ولم يكن رايلي وحيدًا، إذ تأسست المؤسسة على يد مجموعة من المسؤولين الأميركيين السابقين في الدفاع والاستخبارات، بالتنسيق الكامل مع إسرائيل، وسجلت كمنظمة غير ربحية في الولايات المحتدة وسويسرا.
أهداف مستترة للمؤسسة الأميركية الإسرائيلية
وانطلقت "مؤسسة غزة الإنسانية" في مهامها تحت هدف معلن هو توفير المساعدات للفلسطينيين، لكنه يتستر على هدف حقيقي يتمثل في إنشاء نموذج أمني عسكري للسيطرة على المساعدات، وتحويلها إلى أداة قتل وتهجير وإذلال.
وأمام قتل المجوّعين، يصبح الحديث عن الفساد المالي أقل أهمية، بيد أن هندسة التمويل كانت موازية لهندسة التجويع.
ويُستخدم جزء كبير من تمويل المؤسسة لدفع أجور مقاولين عسكريين وأمنيين، يتولون تأمين مراكز توزيع المساعدات، تحت إشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي، بحسب تحقيق نشرته "نيويورك تايمز".
وتحت تأثير الجدل الحاصل بشأن جدوى وأهداف هذه المؤسسة، استقال المدير التنفيذي للمؤسسة "جيك وود" في 25 يونيو/ حزيران الماضي.
وقال وود في بيان استقالته، إنه توصل لقناعة أن المؤسسة "لا يمكن أن تنجز مهمتها، دون أن تفرّط بمبادئ الحياد والنزاهة والاستقلالية".
وفتحت استقالة المدير التنفيذي الأبواب أمام أسئلة صعبة، كانت وسائل الإعلام الأميركية تتجنبها عمدًا.
من توزيع المساعدات إلى نصب مصائد الموت
وسرعان ما تحوّل ما بدأ تحت شعار "إنساني" إلى مصائد موت، ففي يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز الماضيين، استشهد مئات الفلسطينيين أثناء محاولتهم الوصول إلى المراكز التابعة للمؤسسة.
واتهم جندي أميركي سابق كان يعمل ضمن الطاقم الأمني للمؤسسة زملاءه الأميركيين والإسرائيليين باستهداف المدنيين عمدًا.
وقد لفت مفوض الأونروا فيليب لازاريني إلى أن خطة المؤسسة "مصممة لهدف عسكري، وليس إنساني".
في غضون ذلك، رفضت مؤسسات إنسانية فلسطينية ودولية التعاون مع "مؤسسة غزة الإنسانية"، مؤكدة أن الخطة تفرض رقابة أمنية صارمة، وتستخدم لدفع الفلسطينيين جنوبًا، ضمن مسار تهجير ناعم وخطير.
كما وصفت منظمات حقوقية المؤسسة بأنها نسخة من شركة بلاك ووتر الأميركية.
وبينما تمول هذه المؤسسة بملايين الدولارات، تؤكد تقارير أميركية رسمية وغربية أن حماس لم تسرق المساعدات كما زعمت إسرائيل.
وبهذه المجريات، جرى تفكيك المنظومة الدولية القائمة في غزة، واستبدلت بشركة أميركية إسرائيلية خاصة، فاسدة وملطخة بدماء المجوعين.