مباراة واحدة فقط تفصل بين المجد والخيبة، وبين فريق سيدخل التاريخ وآخر سيبقى عالقًا عند اللحظة التي أفلتت فيها الكأس من يديه.
لا تأتي المباريات النهائية دائمًا بالمستوى الذي تعد به أسماء المنتخبين. يثقلها الخوف، وتغلقها الحسابات، وقد تنتظر هدفًا واحدًا حتى نهايتها.
لا يبدو ذلك غريبًا، ففي كثير من الأحيان، تدفع رهبة النهائي الفريقين إلى الحذر، فتقل الفرص وتزداد الحسابات. غير أن بعض المباريات خرجت عن هذا النمط، فجمعت بين الأهداف المبكرة والعودات الدرامية والقرارات المثيرة للجدل، وامتد بعضها إلى أشواط إضافية أو ركلات الترجيح.
لهذا لا تُذكر بعض النهائيات فقط باسم البطل، بل بما حملته من فوضى ومتعة وتقلبات. وفي هذه المادة، محاولة للإضاءة على مجموعة من أكثر نهائيات كأس العالم جنونًا، تلك التي رفضت أن تسير في خط مستقيم حتى صافرة النهاية.
أوروغواي والأرجنتين 1930..
البداية كانت صاخبة
في مونتيفيديو، تقدمت أوروغواي أولًا، لكن الأرجنتين قلبت النتيجة وأنهت الشوط الأول متقدمة 2-1، لتبدو قريبة من كتابة اسمها كأول بطلة للعالم.
في الشوط الثاني تغيّر كل شيء. استعادت أوروغواي توازنها أمام جمهورها، وسجلت ثلاثة أهداف لتحسم المباراة 4-2.
هكذا جاء النهائي الأول في تاريخ البطولة على صورة درامية كاملة: تقدم، ثم انقلاب، ثم تتويج.
ألمانيا الغربية والمجر 1954..
ثماني دقائق قلبت التوقعت مرتين
كانت أقوى فرق ذلك الزمن، إذ خاضت 31 مباراة من دون هزيمة، وسحقت الألمان 8-3 في دور المجموعات.
بدا أن النهائي يسير بالطريقة المتوقعة عندما تقدمت المجر بهدفين خلال الدقائق الثماني الأولى.
لكن ألمانيا ردت سريعًا وسجلت هدفين قبل الدقيقة 18، فعادت المباراة إلى نقطة البداية.
بقي التعادل حتى الدقائق الأخيرة، قبل أن يسجل هيلموت ران هدف الفوز 3-2.
بل لأنها خرجت من صدمة هدفين مبكرين قبل أن يلتقط الجمهور أنفاسه.
إنكلترا وألمانيا الغربية 1966..
النهائي الذي لم يتوقف الجدل حوله
لكن ألمانيا الغربية سجلت التعادل في اللحظات الأخيرة، فانتقلت المباراة إلى الوقت الإضافي.
هناك وُلدت اللقطة الأشهر.
سدد جيف هيرست كرة ارتطمت بالعارضة ونزلت قرب خط المرمى، واحتسبها الحكم هدفًا، لتبدأ واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم.
أضاف هيرست هدفًا آخر، وفازت إنكلترا 4-2، لكن ذاكرة المباراة بقيت معلقة أساسًا بذلك الهدف الذي لم يحسم الجدل بعد.
الأرجنتين وهولندا 1978..
قائم غيّر مسار الكأس
قبل نهاية الوقت الأصلي مباشرة، كادت هولندا تنهي الحكاية.
وصلت الكرة إلى روب رينسنبرينك، فسددها لتصطدم بالقائم.
لو دخلت، لربما تبدّل تاريخ البطولة بالكامل.
نجت الأرجنتين، ثم سجلت هدفين في الوقت الإضافي، وفازت 3-1.
كان النهائي مجنونًا لأن اللقب وقف حرفيًا على سنتيمترات قليلة من الضياع قبل أن ينقلب مجددًا.
الأرجنتين وألمانيا الغربية 1986..
عشر دقائق قلبت كل شيء
لكن ألمانيا الغربية عادت من بعيد. سجلت هدفًا أول، ثم أتبعتْه بهدف التعادل، لتنتقل المباراة خلال دقائق من شبه حسم أرجنتيني إلى احتمال ألماني كامل بالعودة التاريخية.
عندما بدا أن الزخم صار ألمانيًا، جاءت تمريرة مارادونا الحاسمة إلى خورخي بوروتشاغا، الذي سجل هدف الفوز 3-2.
لهذا بقي نهائي 1986 واحدًا من أكثر النهائيات توترًا وتقلبًا: لأن اللقب بدا محسومًا، ثم تاه، ثم عاد.
إيطاليا وفرنسا 2006..
مباراة انقسمت بين الكرة والصدمة
لكن نهائي برلين لم يُحفظ في الذاكرة بسبب النتيجة فقط، بل بسبب لحظته الأشد غرابة.
في الوقت الإضافي، وجّه زيدان نطحة إلى صدر ماتيراتزي، فنال البطاقة الحمراء في آخر مباراة بمسيرته.
انتقلت المباراة بعد ذلك إلى ركلات الترجيح، حيث حسمتها إيطاليا.
هكذا جمع النهائي بين هدفين، وتوتر نفسي هائل، وطرد أحد أكبر نجوم اللعبة في لحظة لا يمكن فصلها عن تاريخ كأس العالم.
فرنسا وكرواتيا 2018..
نهائي مفتوح على غير عادة النهائيات
تقدمت فرنسا، ثم عادلت كرواتيا، قبل أن تستعيد فرنسا تقدمها وتوسع الفارق إلى 4-1.
ورغم أن النتيجة بدت محسومة، بقيت المباراة نشطة حتى النهاية، خصوصًا بعد هدف كرواتي جديد أعاد بعض التوتر.
انتهى النهائي 4-2، ليصبح من أعلى النهائيات تهديفًا في العصر الحديث، ويؤكد أن المباراة الختامية لا تكون دائمًا سجينة الحذر.
الأرجنتين وفرنسا 2022..
النهائي الذي رفض أن ينتهي
سيطرت الأرجنتين وتقدمت 2-0، وبدا أن المباراة تسير نحو نهاية واضحة.
ثم جاء كيليان مبابي ليقلب المشهد في دقائق قليلة، فسجل هدفين وفرض التعادل 2-2.
في الوقت الإضافي، سجل ليونيل ميسي هدفًا جديدًا، لكن مبابي عاد مرة أخرى وأدرك التعادل 3-3، مكملًا ثلاثيته.
حتى بعد ذلك، لم يتوقف التوتر. أنقذ إيميليانو مارتينيز فرصة فرنسية خطيرة في اللحظات الأخيرة، قبل أن تحسم الأرجنتين اللقب بركلات الترجيح.
ستة أهداف، وتمديد، وركلات ترجيح، وثلاثية في النهائي، وتقلب دائم في الشعور بمن أصبح بطلًا.
كان نهائيًا يرفض أن يمنح أحدًا راحة الأعصاب.
ما الذي يجعل نهائيًا ما "مجنونًا" فعلًا؟
ليست كثرة الأهداف وحدها ما يصنع النهائي الاستثنائي، بل إحساس المشاهد بأن كل شيء قابل للتبدل في أي لحظة. أن يتقدم فريق ثم ينهار تقدمه، أو يقترب من الكأس قبل أن يجد نفسه في التمديد أو أمام ركلات الترجيح.
لهذا تبقى هذه المباريات حيّة في الذاكرة. لم تكن مجرد نهائيات فاز فيها أبطال معروفون، بل ليالٍ دفعت كرة القدم إلى أقصى توترها، حيث لا يبدو أي سيناريو نهائيًا إلا بعد الصافرة الأخيرة.