الجمعة 17 أبريل / أبريل 2026

"أوبن إيه آي" تطلق برنامجًا للسلامة.. تحقيق يُعري قيادة سام ألتمان

"أوبن إيه آي" تطلق برنامجًا للسلامة.. تحقيق يُعري قيادة سام ألتمان

شارك القصة

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" - غيتي
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" - غيتي
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" - غيتي
الخط
نشرت مجلة "ذا نيويوركر" تحقيقًا حول شخصية سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي"، والشكوك بشأن جدارته بالثقة لقيادة الذكاء الاصطناعي.

أعلنت شركة "أوبن إيه آي" المطورة لبرنامج الذكاء الاصطناعي "تشات جي بي تي" عن إطلاق برنامج جديد للباحثين والمهندسين والممارسين الخارجيين، لإجراء بحوث دقيقة ومؤثرة عن سلامة ومواءمة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. 

ووفق بيان الشركة، الذي دعا الباحثين للتقدم للزمالة، يمتد البرنامج من 14 سبتمبر/ أيلول 2026 وحتى 5 فبراير/ شباط 2027.

وتشمل المجالات البحثية ذات الأولوية تقييم السلامة والأخلاقيات والمتانة، والحلول القابلة للتطوير، وأساليب السلامة التي تحافظ على الخصوصية، والرقابة الآلية، ومجالات إساءة الاستخدام الخطيرة، وغيرها. 

تحقيق يكشف جوانب من شخصية سام ألتمان

وجاء الإعلان عن هذا البرنامج بعد أن نشرت مجلة "ذا نيويوركر" تحقيقًا عن شخصية سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة  "أوبن إيه آي"، والشكوك المستمرة حول أمانته وجدارته بالثقة لقيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي. ويورد التحقيق الذي أعده رونان فارو وأندرو مارانتز تفاصيل أحداث تظهر جوانب من شخصية ألتمان. 

وبحسب التحقيق، ففي خريف عام 2023، أرسل إيليا سوتسكيفر، كبير علماء "أوبن إيه آي"، مذكرات سرية إلى ثلاثة من زملائه في مجلس إدارة الشركة. وعلى مدى أسابيع، دارت بينهم نقاشات سرية بشأن مدى كفاءة سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة، وغريغ بروكمان، نائبه، لإدارة الشركة. وكان سوتسكيفر يعتبر الرجلين صديقين له في السابق. 

ففي عام 2019، أشرف على زواج بروكمان في حفل أقيم في مكاتب "أوبن إيه آي"، وتضمن الحفل حامل خاتم على شكل يد آلية.

ولكن مع ازدياد اقتناعه بأن الشركة تقترب من تحقيق هدفها طويل الأمد - وهو ابتكار ذكاء اصطناعي يُضاهي أو يتفوق على القدرات المعرفية للبشر - تزايدت شكوكه حول ألتمان. وكما قال سوتسكيفر لأحد أعضاء مجلس الإدارة آنذاك: "لا أعتقد أن سام هو الشخص المناسب لتولي زمام الأمور".

وثائق تورط ألتمان

وبناءً على طلب زملائه في مجلس الإدارة، تعاون سوتسكيفر مع زملاء ذوي توجهات مماثلة لجمع نحو سبعين صفحة من رسائل سلاك ووثائق الموارد البشرية، مصحوبة بنصوص توضيحية. تضمنت المواد صورًا التُقطت بهاتف محمول، على ما يبدو لتجنب رصدها على أجهزة الشركة.

وأرسل المذكرات النهائية إلى أعضاء مجلس الإدارة الآخرين كرسائل تختفي تلقائيًا، لضمان عدم اطلاع أي شخص آخر عليها.

يتذكر أحد أعضاء مجلس الإدارة الذين استلموها قائلًا: "لقد كان مرعبًا". لم تُنشر المذكرات، التي راجعناها، كاملةً من قبل.

وتزعم المذكرات أن ألتمان قدّم معلومات مضللة للمديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة، وخدعهم بشأن بروتوكولات السلامة الداخلية. تبدأ إحدى المذكرات، المتعلقة بألتمان، بقائمة بعنوان "يُظهر سام نمطًا ثابتًا من..."، وأول بند فيها هو "الكذب".

ووفق التحقيق، تُصدر العديد من شركات التكنولوجيا بيانات مبهمة حول تحسين العالم، ثم تنطلق في سعيها لتحقيق أقصى قدر من الإيرادات، لكنّ الفرضية الأساسية لشركة "أوبن إيه آي" كانت ضرورة التميّز.

فقد أكّد المؤسسون، ومن بينهم ألتمان، وسوتسكيفر، وبروكمان، وإيلون ماسك، أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أقوى اختراع في تاريخ البشرية، وربما أخطرها، وأنه ربما، بالنظر إلى المخاطر الوجودية، سيكون من الضروري وجود هيكل مؤسسي غير مألوف.

تأسست الشركة كمنظمة غير ربحية، وكان على مجلس إدارتها واجب إعطاء الأولوية لسلامة البشرية على نجاح الشركة، أو حتى بقائها. وكان لا بدّ أن يكون الرئيس التنفيذي شخصًا يتمتع بنزاهة استثنائية.

ووفقًا لسوتسكيفر، "يتحمّل أي شخص يعمل على بناء هذه التكنولوجيا التي ستُغيّر وجه الحضارة عبئًا ثقيلًا ويتحمّل مسؤولية غير مسبوقة". لكن "غالبًا ما يكون الأشخاص الذين يشغلون هذه المناصب من نوع معين، شخص مهتم بالسلطة، سياسي، شخص يُحبّها". 

فصل ألتمان

وفي إحدى المذكرات، بدا قلقًا من إسناد التكنولوجيا إلى شخص "يقول للناس ما يريدون سماعه فقط".

فإذا تبيّن أن الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" غير جدير بالثقة، فإن مجلس الإدارة، المؤلف من ستة أعضاء، مخوّل بفصله.

يشير تحقيق إلى حادثة إقالة سام آلتمان المفاجئة من منصبه كرئيس تنفيذي لشركة  "أوبن آي آي"- غيتي
يشير تحقيق إلى حادثة إقالة سام آلتمان المفاجئة من منصبه كرئيس تنفيذي لشركة "أوبن آي آي"- غيتي

وقد تلقى بعض الأعضاء، بمن فيهم هيلين تونر، خبيرة سياسات الذكاء الاصطناعي، وتشا مكولي، رائدة الأعمال، المذكرات كتأكيد لما كانوا يعتقدونه بالفعل: أن دور ألتمان قد أوكل إليه مستقبل البشرية، لكنه لا يمكن الوثوق به.

ويشير التحقيق إلى حادثة إقالة آلتمان المفاجئة من منصبه كرئيس تنفيذي لشركة  "أوبن إيه آي" في عام 2023، بتهمة "غياب الصراحة"، شكلت لحظة فارقة في تاريخ الشركة، إذ أحدثت صدمة في أوساط المستثمرين والشركاء كـ"مايكروسوفت" و"ثرايف كابيتال".  

وفي أعقاب القرار، اتخذ ألتمان من منزله مقرًا لـ"حكومة منفية"، حيث حشد حلفاءه وشنّ حملة اتصالات مكثفة وصلت إلى 12 ساعة يوميًا، للضغط على مجلس الإدارة، مستثمرًا نفوذه الاقتصادي وتهديدات الموظفين بالاستقالة الجماعية. 

عودة ألتمان لرئاسة "أوبن إيه آي"

ولم تدم الأزمة طويلًا، إذ رضخ المجلس تحت وطأة ضغوط الانهيار الوشيك للشركة، ليتم التراجع عن قرار الفصل في غضون خمسة أيام فيما عُرف بـ"الوميض". انتهت هذه المواجهة بعودة ألتمان منتصرًا مع إعادة هيكلة مجلس الإدارة لصالحه، لكنها خلّفت جدلًا عميقًا ومستمرًا حول أمانة ألتمان ومصداقيته كقائد لأكثر التقنيات تحويلية في تاريخ البشرية، خاصة بعد أن تمسك معارضوه بأن أساليبه الخادعة تشكل خطرًا حقيقيًا على مؤسسة بهذا الحجم من النفوذ.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت "أوبن إيه آي" واحدة من أغلى الشركات في العالم، ويُقال إنها تستعد لطرح أسهمها للاكتتاب العام بقيمة سوقية محتملة تصل إلى تريليون دولار. 

ويقود ألتمان عملية بناء بنية تحتية هائلة للذكاء الاصطناعي، يتركز بعضها داخل أنظمة استبدادية أجنبية. كما تحصل الشركة على عقود حكومية واسعة النطاق، وتضع معايير لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ قوانين الهجرة، والمراقبة الداخلية، والأسلحة ذاتية التشغيل في مناطق النزاع.

ففي حين اتهمه مجلس الإدارة بنمط متكرر من الخداع، برر ألتمان سلوكه بمحاولة "تجنب الصراعات" ليكون قوة موحدة للشركة، وهو تبرير يراه منتقدوه اعترافًا ضمنيًا بممارسات مضللة لن يتوقف عنها. ويُعقد االتحقيق مقارنةً رمزية بين انتقال "أوبن إيه آي" لمقر شركة "أوبر" السابق، مُذكّرًا بمصير مؤسسها الذي أُقصي لأسباب أخلاقية.

ويصف ألتمان عمله في "أوبن إيه آي" بأنه الأكثر توترًا، مشيرًا إلى أن المتعة انتهت بإطلاق "تشات جي بي تي"، حيث تحوّل التركيز من الاكتشاف العلمي الخالص إلى اتخاذ قرارات مصيرية ومعقدة أدت لإصابته بإجهاد اتخاذ القرار. 

نشأة ألتمان

ويذكر التحقيق تفاصيل بشأن نشأة ألتمان ويشير إلى أنه نشأ في بيئة ميسورة بميسوري، وكشف عن تعرضه لاعتداء جسدي "رهابي" في مراهقته، وهو حادث يربطه برغبته العميقة في "تجنب الصراعات"، رغم تأكيده على نزعته الطفولية نحو "الفوز والسيطرة على كل شيء".

وقد تميز مشروعه الأول "لوبت" (Loopt) بطموح عالٍ وقدرة على تفسير المواقف الغامضة لصالحه، حيث استغل ثغرات تقنية وقوانين اتحادية خاصة بتتبع الهواتف في حالات الطوارئ لتحويلها إلى ميزة تجارية لمشروعه.

في شركته الأولى "لوبت"، واجه ألتمان محاولتين من كبار الموظفين لإقالته بسبب ضعف القيادة وانعدام الشفافية، إلا أن دعم مجلس الإدارة المطلق له حال دون ذلك. وانتهت الشركة بالاستحواذ عليها عام 2012 في صفقة وُصفت بأنها كانت تهدف أساسًا "لحفظ ماء وجهه".

إدارة شركة "واي كومبينايتور"

كما يعرض التحقيق تجربة ألتمان في إدارة  شركة "واي كومبينايتور" بدءًا من عام 2014، حيث قاد توسعًا هائلًا في الشركة وسيطر على مشهد الشركات الناشئة.

وطاردته اتهامات بازدواجية الولاء؛ حيث زعم مستثمرون أنه كان يستغل منصبه للقيام باستثمارات شخصية في أفضل الشركات مع حجب المستثمرين الآخرين. وأدى ذلك إلى ضغط من مؤسس  الشركة بول غراهام لدفع آلتمان للرحيل.

وفي عام 2015، تواصل ألتمان مع إيلون ماسك محذرًا من هيمنة الشركات الربحية مثل "غوغل" على الذكاء الاصطناعي. واقترح ألتمان إنشاء مشروع ضخم يشبه "مشروع مانهاتن"، تحت مظلة منظمة غير ربحية تضع الأمان كأولوية قصوى.

وأقنع ألتمان "ماسك" بتمويل "أوبن إيه آي" بمليار دولار، وصور الذكاء الاصطناعي الفائق كقوة قادرة على الاستحواذ على كل القيمة المستقبلية في الكون، لكنه حذر في الوقت نفسه من تهديدات وجودية قد تستدعي مستقبلاً تدخل الحكومة الأميركية لتأميم المنظمة ونقل عملياتها إلى مخبأ عسكري آمن.

وضع ألتمان "أوبن إيه آي" في البداية تحت المظلة غير الربحية لشركة "واي كومبينايتور"، وصورها كمشروع خيري داخلي، مع استخدام حسابات وأسهم هذه الشركة لجذب الموظفين، وهو ما أثار لاحقًا تساؤلات حول تداخل مصالحه الشخصية مع تمويل المختبر.

مذكرات داريو أمودي

وكشف التحقيق عن وجود أكثر من 200 صفحة من المذكرات والملاحظات السرية التي كتبها داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك تحت عنوان "تجربتي مع أوبن إيه آي"، والتي وثق فيها سلوك ألتمان وبروكمان، مشيرًا إلى أن ألتمان كان يروج لفكرة مختبر يركز على الأمان "في أقرب وقت ممكن" وليس بالضرورة على الفور.

داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"- غيتي
داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"- غيتي

ووفق التحقيق، فبحلول عام 2017، بدأ التوتر يظهر مع رغبة إيلون ماسك في السيطرة المطلقة مقابل إصرار سام ألتمان على تولي منصب الرئيس التنفيذي في حال تحول المنظمة لشركة ربحية.  

وانتهى النزاع بانسحاب ماسك غاضبًا في 2018، واصفًا نفسه بـ"الأحمق" الذي قدم تمويلاً مجانيًا لإنشاء شركة ناشئة، ليتطور الأمر لاحقًا (في 2024) إلى دعوى قضائية يتهم فيها ألتمان بالاحتيال والتلاعب بمخاوفه لتنفيذ ما قال إنه خديعة طويلة الأمد.

كذلك كشفت الوثائق الداخلية والشهادات عن فترة مضطربة في "أوبن إيه آي" اتسمت بصراعات عميقة على السلطة بين المؤسسين، حيث استخدم سام ألتمان وعودًا متناقضة لمختلف الأطراف لتأمين منصبه كرئيس تنفيذي، مُبرمًا اتفاقات سرية أثارت قلق مجلس الإدارة الذي رأى فيها محاولة لإنشاء مجلس ظل يتجاوز صلاحياته. 

وجاءت لحظة تقنية فارقة عام 2017 حين تبنى إيليا سوتسكيفر معمارية "المُحوّلات" (Transformers) البحثية، وهو الاكتشاف الذي أطلق شرارة تطوير نماذج "جي بي تي" التي قادت لاحقًا لظهور "تشات جي بي تي". 

وأدى سلوك ألتمان، الذي وصفه الموظفون والباحثون بـ"الخداع الممنهج" والإنكار المستمر للالتزامات التعاقدية، إلى حالة من التوجس الداخلي انتهت باستقالة كبار الباحثين مثل "داريو أمودي" وأسس شركة "أنثروبيك" المنافسة. 

تغليب النزعة التجارية 

كما تغلبت النزعة التجارية لألتمان على مخاوف السلامة الوجودية، بعد أن دأب على تضليل مجلس الإدارة بشأن اعتمادات الأمان لمنتجات مثل "جي بي تي4" وتجاهل خرقه للبروتوكولات الأمنية في إطلاق النسخ التجريبية.

وبينما كان كبار الباحثين كإيليا سوتسكيفر يحذرون من أن الشركة أصبحت تعطي الأولوية للربح والانتشار على حساب حماية البشرية، قام ألتمان بتمويل وتحجيم فرق الأمان، ثم أعاد تعريف مخاطر الذكاء الاصطناعي الوجودية لتصبح مجرد إزعاج تقني بسيط بدلاً من تهديد قاتل.

انتهت هذه المواجهة بهيمنة ألتمان المطلقة، وتهميش ميثاق الشركة الأخلاقي، وتكريس سلطة قيادية لا تخضع للقواعد التقليدية. 

ويُصور تحقيق "ذا نيويوركر"سام ألتمان كقائد لا يمكن إيقافه إذ يمتلك قدرة استثنائية على تطويع الواقع عبر شبكة معقدة من المناورات السياسية والمالية.

يُهمش ألتمان المعارضة الداخلية، ويُفرغ الوعود الأخلاقية ومواثيق الأمان من محتواها، ويُسكت الأصوات الناقدة باستخدام أدوات قانونية وترهيبية، محولاً الذكاء الاصطناعي من قضية علمية محفوفة بالمخاطر الوجودية إلى "عملة قوة" جيوسياسية تمنحه نفوذًا يضاهي الدول الكبرى.

كما كشف التحقيق عن صراعات داخل وادي السيليكون، حيث تحولت المنافسة مع إيلون ماسك وشركات أخرى إلى حروب قذرة تضمنت مراقبة لصيقة وحملات تشهير متبادلة، وسط توثيق لمذكرات داخلية تصف سلوك ألتمان بأنه نمط متكرر من التلاعب والخداع الممنهج.

ومع انهيار الالتزام بالسلامة لصالح التسابق نحو الربح والهيمنة العسكرية، باتت "أوبن إيه آي" كيانًا يرى موظفوه والمنتقدون أن أفعاله -مثل إدماج نماذجه في العمليات العسكرية- تمثل مخاطرة وجودية متهورة، مما يرسخ صورة ألتمان كشخصية لا تلتزم بأي قيود تقليدية، وتقود البشرية نحو مستقبل محفوف بالمخاطر تحت ذريعة التطور التقني.

تابع القراءة

المصادر

ترجمات