هل تنجح أوروبا في بناء صناعة مستقلة للطاقة النظيفة، أم تجد نفسها أمام منافسة صينية تهدد مستقبل شركاتها في هذا القطاع؟
تواجه أوروبا معركة جديدة حول مستقبل قطاع الطاقة النظيفة، في ظل سعيها إلى بناء صناعة قوية ومستقلة للطاقة، بينما تدخل الشركات الصينية السوق الأوروبية بعروض أقل سعرًا واستثمارات ومصانع محلية.
وتبرز شركة مينغ يانغ الصينية في سوق توربينات الرياح الأوروبية، مقدمة توربينات بأسعار تقل بنحو 20% عن نظيراتها الأوروبية، مع استعدادها للتصنيع داخل أوروبا وتوظيف عمال أوروبيين، إلى جانب تعهدات بإبقاء بيانات التوربينات تحت إدارة أوروبية.
لكن الطريق أمام الشركات الصينية ليس سهلًا، إذ لم يستحوذ المصنعون الصينيون خلال العام الماضي على أكثر من 3% من السوق الأوروبية، فيما رفعت بريطانيا اعتبارات الأمن القومي وعرقلت بعض المشاريع، وفتح الاتحاد الأوروبي تحقيقات للحد مما يصفه بالمزايا التنافسية غير العادلة وحماية شركات محلية، من بينها سيمنس للطاقة وفيستاس.
وتبدو المواقف الأوروبية غير موحدة حيال دخول الشركات الصينية إلى سوق توربينات الرياح، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل صناعة الطاقة النظيفة في القارة، وما إذا كانت أوروبا ستكرر مع توربينات الرياح ما حدث مع الألواح الشمسية الصينية.
التكنولوجيا والأسعار
وضمن هذا السياق، قالت الصحفية والخبيرة الاقتصادية ليو تشاو إن ما يحدث حاليًا في سوق توربينات الرياح الأوروبية يشبه إلى حد كبير ما حدث سابقًا مع الألواح الشمسية الصينية.
وأضافت في حديث إلى التلفزيون العربي من بكين أن الصين حققت تقدمًا كبيرًا وملموسًا في مجالات الطاقة النظيفة، سواء في إنتاج الطاقة الشمسية أو استخدام طاقة الرياح وتصنيع توربيناتها، مشيرة إلى أن هذه المزايا التقنية والتكنولوجية تدفع المنتجات الصينية إلى دخول الأسواق الأوروبية بصورة متزايدة.
ورفضت ليو تشاو الربط بين انخفاض أسعار التوربينات الصينية والدعم الحكومي، معتبرة أن الأسعار التنافسية تعود بصورة أساسية إلى التطور التكنولوجي والقدرات التصنيعية التي طورتها الصين في هذا المجال.
وأوضحت أن الصين طورت خلال العام الماضي أحد أكبر توربينات الرياح في العالم، بقدرة تصل إلى نحو 26 ميغاواط للتوربين الواحد، مشيرة إلى أن قطاع صناعة توربينات الرياح الصيني حقق اختراقات تكنولوجية متتالية، ورفع نسبة المكونات المصنعة محليًا إلى أكثر من 90%.
مخاوف أمنية
وبشأن المخاوف الأمنية الأوروبية من استخدام التوربينات الصينية، قالت ليو تشاو إن بعض الدول الغربية تستخدم قضايا الأمن الدولي والأمن الوطني، وفق تعبيرها، للحد من نمو الشركات الصينية ومنع المنتجات الصينية من دخول أسواقها.
وأضافت أن هذه المخاوف لا تمثل، في رأيها، الخيار الصحيح أمام الدول الأوروبية، خصوصًا في ظل حاجتها إلى توسيع قنوات الحصول على الطاقة.
وأشارت إلى أن المخاوف الأمنية ليست مشتركة أو بالمستوى نفسه بين جميع دول الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن إسبانيا وإيطاليا قد تكونان من بين الدول الأوروبية الأكثر استعدادًا للتعاون مع الجانب الصيني في هذا المجال.
تعاون أوروبي صيني
واقترحت ليو تشاو إنشاء مراكز بحث علمي مشتركة بين الصين والدول الأوروبية داخل أوروبا، بهدف تطوير التكنولوجيا وتبادل المعلومات والخبرات، معتبرة أن هذا النوع من التعاون يمكن أن يحقق منفعة متبادلة للطرفين ويخفف المخاوف الأمنية.
وأضافت أن أوروبا يمكنها وضع شروطها المتعلقة بتخزين البيانات والصيانة والبرمجيات، مع ضرورة إجراء مفاوضات وحوارات مع الشركات الصينية بشأن كيفية تنفيذ التعاون، بدلًا من الاكتفاء بفرض العقوبات والقيود عليها.
وفي المقابل، أشارت إلى أن هناك معلومات حساسة وحقوق ملكية فكرية تحتاج الشركات الصينية إلى حمايتها، لكنها رأت أن جزءًا من البيانات والمعلومات يمكن مشاركته مع الجانب الأوروبي ضمن أطر واضحة ومتفق عليها.
وحذرت من أن الإجراءات الحمائية التجارية التي قد يتخذها الاتحاد الأوروبي ضد المنتجات الصينية يمكن أن تؤدي، في رأيها، إلى خسارة فرص تقاسم التكنولوجيا المتقدمة والتعاون في مجالات متعددة، لا تقتصر على الطاقة النظيفة وطاقة الرياح.