في منطقة قشتالة وليون شمال غرب العاصمة الإسبانية، وداخل سورٍ عالٍ من العصور الوسطى، مُحاطةٍ بسهولٍ شاسعة من كروم العنب وحقول القمح، تقع مدينة مُكرَّسة للقراءة والكتابة تُعرف باسم أوروينيا.
وعلى الرغم من جمالها الطبيعي الخلّاب، عانت أوروينيا، كغيرها من قرى الريف الإسباني، خلال العقود الأخيرة من شيخوخة سكانها وتناقص عددهم؛ إذ يعيش فيها حاليًا أقلّ من 200 نسمة، وفقًا لتعداد عام 2014.
لكنّ مجلسها قرّر مواجهة نزيف الهجرة عبر إعادة ابتكار هوية المدينة كمركزٍ أدبي وثقافي؛ فاتُّخِذ في عام 2007 قرارٌ بأن تصبح أوروينيا "مدينة الكتب". وانضمّت إلى المنظمة الدولية لمدن الكتب (IOBT)، وصُمّمت هويتها التجارية الجديدة على غرار مدنٍ مثل هاي أون واي في ويلز وبريفيدور في هولندا، حيث يقصدها عشرات الآلاف من السيّاح سنويًا لحضور المهرجانات الأدبية أو لزيارة متاجر السلع المستعملة.
وتُعَدّ أوروينيا "مدينة الكتب" الوحيدة المعترف بها دوليًا في إسبانيا، وفقًا لموقع allthatsinteresting.
وباعتبارها مركزًا للعلم ومدينة تاريخية، تجذب أوروينيا نحو 40 ألفًا من محبّي الكتب إلى شوارعها الضيّقة المرصوفة بالحصى ومنازلها بزخارف العصور الوسطى؛ يعبرون سهول قشتالة الشاسعة باحثين في الكتب القديمة، ويستمعون إلى محاضراتٍ في الكتابة، ويتلقّون دروسًا في الخط.
وفي أبريل/ نيسان من كل عام، يجذب يوم الكتاب العالمي حشودًا غفيرة، كما تتكثّف الاحتفالات في ذكرى تأسيس المدينة في مارس/ آذار سنويًا.
مكتبة ساحرة
على مدى العقد الماضي تقريبًا، تحوّلت أوروينيا إلى مكتبة مفتوحة؛ إذ تضمّ 12 مكتبة مختلفة، بعضها عام، وبعضها الآخر متخصّص بالكتب القديمة والنادرة، وفقًا للموقع الالكتروني لحكومة منطقة قشتالة وليون.
كما تحتضن أوروينيا معهدًا للخط القديم يقدّم دورات حول تقنيات الكتابة التي استُخدمت في المخطوطات اليدوية في العصور الوسطى. أما ورشة تجليد الكتب الحرفية فتقدّم ندواتٍ حول كيفية إنشاء ظهر الكتب وأغلفتها وصفحاتها وتوحيدها.
وتفتخر أوروينيا بوجود عددٍ من المتاحف التاريخية المهمّة، منها متحف الكتاب والكتابة، ومتحف القصة، والمتحف الإثنوغرافي الذي يديره باحثٌ محلي في التراث الشعبي الإقليمي ويقع في قصرٍ يعود إلى القرن الثامن عشر.
كما يضمّ متحف الموسيقى قرابة ألف آلة موسيقية قديمة وقيّمة من مختلف أنحاء أوروبا والعالم.
أما متحف الأجراس فيشمل مجموعة من 20 جرسًا من سالدانا (بالنسيا)، يُعرض بعضها في صناديق زجاجية، مع لوحاتٍ تعريفية تشرح كيفية صنع الأجراس، ومعنى كلّ جرس، وأسباب وكيفية استخدامه.
من العصور الوسطى إلى القوطية
يعود تاريخ أوروينيا إلى العصور الوسطى، حيث تمتّعت بأهميةٍ كبيرة وكانت مسرحًا للمعارك بين مملكتي ليون وقشتالة. ويذكر موقع fascinatingspain أنّ اسمها مشتقّ من كلمة "أورونا" السائدة قبل العصر الروماني، وتعني "جدول الماء"؛ في إشارة إلى النبع الواقع أسفل التلّ في المدينة، والذي ظلّ يزوّد السكان بالمياه حتى عام 1954.
ويبرز السور، الذي يعود تاريخه إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر، باعتباره أحد أهمّ معالمها الدفاعية. أما قلعة أوروينيا فكانت موطنًا لامرأتين تعرّضتا للإساءة من قِبَل زوجيهما الملكيَّين، وفقًا للمصدر ذاته، وتُستخدم القلعة حاليًا كمقبرة.
وعند سفحها، يقع دير الأنونسيادا الذي أمرت ببنائه الأميرة سانشا رايمونديز في القرن الثاني عشر، وهو المثال الوحيد على العمارة الرومانية اللومباردية المحفوظة في قشتالة وليون.
وتضمّ أوروينيا كنيسة سانتا ماريا ديل أزوجو، وهي مزيج رائع من الأساليب القوطية وعصر النهضة والباروكية. ويعكس هذا المزيج التغيّرات الفنية التي اجتاحت إسبانيا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وهي الفترة التي شُيّدت فيها الكنيسة وجُدّدت.
نجا جزء كبير من تاريخ المدينة بعد أن دمّر حريق حوالي نصف المدينة ومعظم أرشيفها عام 1876، ولكن من بين الرماد، وُلدت أوروينيا من جديد لتكتسب شهرتها كمركز ثقافي ومجتمع أدبي نابض بالحياة.