لا تكتب الفرنسية آني إرنو، الحائزة جائزة نوبل للآداب عام 2022، سيرتها بالمعنى التقليدي، كما قد يذهب الظن بقارئها للوهلة الأولى.
إنها تنقّب في ذاكرتها، كأنّ شيئًا ما يعيدها دائمًا إلى هناك: إلى نورماندي، شمال غرب فرنسا، حيث عاشت طفولتها ويفاعتها.
ثمّة ما يُعيدها إلى تلك الفتاة التي كانتها عندما حاول والدها، صاحب المقهى والبقالة، قتل والدتها.
كانت آنذاك في الثانية عشرة من عمرها، حين رأت والدها يمسك بأمها من كتفها بيد، ويحمل بالأخرى ساطورًا ويهمّ بقتلها
لا يفعل ذلك في نهاية الأمر، لكنّ ذلك الأحد، 15 يونيو/ حزيران 1952، سيصبح مفصليًا في حياتها: ذكرى ترغب في تجنّبها أو القفز فوقها، فتفشل كلما حاولت.
حين تتحول الذاكرة إلى كتابة
تقرّر إرنو لاحقًا أن تحكي لتتحرّر من ثقل الذكرى، ومن ذلك العار الذي ظلت تتجنّبه.
تقول في روايتها "العار"، الصادرة عام 1997:
"لعل الحكي يحيل أي فعل، حتى الأكثر مأساوية، إلى حدث عادي".
لكن ذلك لا يحدث تمامًا. فثمة "خزائن فارغة" في الماضي تعود إليها باستمرار، أي إلى تلك الفتاة التي عاشت في بلدة صغيرة في نورماندي، حيث يعرف الجميع بعضهم، ولا حيلة لدفن الأسرار إلا في اللاوعي، في ذاكرة تستعيد الماضي كلما استدعاه الحاضر.
آني إرنو تتوشّح بالكوفية الفلسطينية
ظهرت إرنو، التي تصف نفسها بأنها "عالمة إثنولوجيا لذاتها"، قبل أيام وهي تتوشح بالكوفية الفلسطينية، خلال تجمع انتخابي لجان لوك ميلانشون، مرشح حركة "فرنسا الأبية" للرئاسة عام 2027.
وميلانشون من أبرز الأسماء التي أعلنت دخول السباق الرئاسي الفرنسي لعام 2027، إلى جانب شخصيات مثل غابريال أتال، رئيس الوزراء الأسبق والأصغر سنًا في تاريخ فرنسا، وإدوار فيليب، رئيس الوزراء الأسبق.
لكن ما الذي يضع إرنو، في هذا التجمع الانتخابي، داخل هذا الانشغال الفلسطيني الواضح؟ وما الذي يجعل حضورها بالكوفية امتدادًا لمسار سياسي وثقافي طويل، لا مجرد لقطة عابرة؟
خلال العقد الأخير، كثّفت الروائية الفرنسية المثيرة للجدل حضورها في القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط؛ من قطاع غزة قبل العدوان الإسرائيلي الواسع عام 2023 وبعده، إلى دفاعها عن الناشط المصري علاء عبد الفتاح، واللبناني جورج عبد الله، الذي كان سجينًا في بلادها (أفرج عنه في يوليو/ تموز 2025) ورأت أنه كان "ضحية قضاء الدولة الذي يُلحق العار بفرنسا".
في روايتها "العار" تعود إرنو إلى مدينتها الصغيرة في نورماندي، حيث نشأت، وتصفها بأنها "مسقط الرأس الذي لا اسم له".
تتحدث إرنو التي تتقصى طبوغرافية المكان، وتقسيماته الطبقية والاجتماعية وسكانه، وعلاقته بالمدينتين الكبيرتين المجاورتين له: لوهافر وروان، عن وسط مدينة دمّره حريق خلال تقدّم القوات الألمانية عام 1940، وهو عام ولادتها، ثم تعرّضه (وسط المدينة) لقصف الحلفاء بعد ذلك عام 1944 أسوة بباقي المنطقة.
في تلك المدينة، ظلّ العار الشخصي الذي تتجنّبه بطلة الرواية حاضرًا في الخلفية، تدور حوله طيلة النص من دون أن تنجو منه تمامًا.
تقول إنّ الناس هناك لا يتوقفون عن الذكريات، وإن "عبارتي قبل الحرب وخلال الحرب كانتا دائمًا مُستَهل الكلام، إذ لا يمكن أن تجتمع العائلة أو الأصدقاء دون الإشارة إلى الهزيمة والاحتلال والقصف".
ولعل هذا الاقتباس يفسّر على نحو أو آخر بعضًا من أهم المشاغل السياسية للروائية الفرنسية التي تقف في طليعة المثقفين الفرنسيين والغربيين المناهضين لإسرائيل، والمندّدين بجرائمها في قطاع غزة والمنطقة.
من 2018 إلى 2025.. مسار طويل من مواقف إرنو الداعمة لفلسطين
إرنو وفلسطين.. مسار طويل من الالتزام السياسي
وقّعت إرنو عام 2018 مع ثمانين شخصية ثقافية بارزة، من بينها جان لوك غودار وآلان داماسيو وناتالي كانتان، بيانًا ضد "الموسم الثقافي الفرنسي الإسرائيلي" الذي كان يهدف إلى إحياء الذكرى السبعين لقيام "دولة إسرائيل".
واتهم البيان إسرائيل باستخدام الأحداث الثقافية لتبييض جرائمها ضد الفلسطينيين، معتبرًا أن هناك واجبًا أخلاقيًا على أصحاب الضمير في رفض تطبيع العلاقات معها.
وفي مايو/ أيار 2019، وقّعت إرنو، إلى جانب أكثر من مئة فنان ومثقف، نداءً لمقاطعة مسابقة "يوروفيجن" التي استضافتها تل أبيب، داعين التلفزيون الفرنسي والوفد الفرنسي إلى عدم منح غطاء رمزي لإسرائيل.
وبعد العدوان الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة في مايو/ أيار 2021، بالتزامن مع أحداث الشيخ جراح في القدس وفي أعقابها، وقّعت إرنو مع نحو ألف وخمسمئة شخصية ثقافية غربية وعربية رسالة طالبت بتفكيك نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال.
وفي يناير/ كانون الثاني 2024، وقّعت إرنو عريضة تدعو إلى مقاطعة مؤسسات ثقافية ألمانية ممولة من الدولة، احتجاجًا على التضييق على التعبير المتضامن مع فلسطين.
أما في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، فتصدّرت إرنو والحائز جائزة نوبل في الآداب عام 2021 عبد الرزاق قرنح قائمة الموقّعين على دعوة واسعة لمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية الثقافية. وقد تجاوز عدد الموقّعين حينها ستة آلاف كاتب وناشط في مجال الكتابة والنشر عبر العالم.
وقال الموقّعون في رسالتهم، إنّهم يلتزمون بعدم التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية، بما في ذلك الناشرون والمهرجانات والوكالات الأدبية والمنشورات "المتواطئة في انتهاك الحقوق الفلسطينية، من خلال السياسات والممارسات التمييزية أو من خلال تبييض وتبرير الاحتلال أو الفصل العنصري أو الإبادة الجماعية".
وشدّد الموقعون على أن "المؤسسات السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا شركاء كاملون في إبادة غزّة".
وفي مايو/ أيار 2025، وقّعت إرنو مع نحو 300 كاتب فرنكوفوني، من بينهم جان ماري غوستاف لو كليزيو، بيانًا يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وفرض عقوبات على إسرائيل.
دفاعًا عن ألبانيز في وجه الضغوط
وأضافت: "نحن الذين لا نتحكم في رؤوس أموال ضخمة، ولا في الخوارزميات، ولا في الأسلحة، ندرك الآن أننا كبشرية لدينا عدو مشترك" سمح بوقوع إبادة جماعية في غزة.
أول فرنسية تنال نوبل للآداب
مُنحت آني إرنو جائزة نوبل للآداب في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، لتصبح أول فرنسية تفوز بالجائزة.
وقالت الأكاديمية السويدية إن اختيارها جاء لما أظهرته من "شجاعة ومقدرة ثاقبة على الملاحظة" في كشف الجذور والقيود الجماعية للذاكرة الشخصية.
وباتت إرنو المرأة السابعة عشرة التي تحصل على الجائزة منذ عام 1901، كما أصبحت الفائزة الفرنسية السادسة عشرة في تاريخ نوبل للآداب.
وفي تصريح أدلت به للتلفزيون السويدي، وصفت إرنو فوزها بأنه "شرف كبير"، وفي الوقت نفسه "مسؤولية كبيرة" أُعطيت لها من أجل مواصلة الشهادة "لشكل من أشكال الإنصاف والعدالة في ما يتعلق بالعالم".
بدأت إرنو الكتابة الأدبية عام 1974 بروايتها "خزائن فارغة"، حيث دشّنت منذ عملها الأول بحثها في خلفيتها النورماندية، قبل أن يحقق كتابها الرابع "المكان" اختراقها الأدبي الأوسع، بحسب ما تقول الأكاديمية السويدية.
وتعتبر إرنو نفسها "مجرد امرأة تكتب"، و"عالمة إثنولوجيا لذاتها" أكثر من كونها كاتبة روائية بالمعنى التقليدي.
ومن خلال أعمالها القصيرة غالبًا، والمستوحاة بصورة أساسية من حياتها، كوّنت إرنو صورة دقيقة لمشاعر المرأة وتحولات الطبقة والذاكرة في فرنسا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وعبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن سعادته بمنحها الجائزة، واصفًا إرنو بأنها "صوت حرية النساء ومنسيّي القرن"، وبأنها تكتب منذ خمسين عامًا "الذاكرة الجماعية والحميمة" لفرنسا.
أما إرنو، فقالت في مقابلة أُجريت معها آنذاك إنها تهدي الجائزة إلى "جميع من يتعذبون، ولكل الذين يناضلون، والذين لا يتم الاعتراف بهم".