إدلب كنز الآثار الذي دمّر أجزاء منه نظام الأسد.. تعرف على أبرز معالمها
على مرّ العصور، كانت مدينة إدلب وريفها مسرحًا لغزوات متلاحقة؛ من الفرنجة في الحملة الصليبية الأولى، الذين ارتكبوا مجزرة مروعة بحق أهلها، إلى غزوات التتار والفرنسيين.
لكنّ الدمار الأكبر الذي عرفته المدينة لم يكن في تلك العصور البعيدة، بل مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين تحوّلت إدلب من متحف مفتوح للحضارات إلى أرض مثقلة بركام الحرب وقصف النظام السابق وحلفائه الروس.
إدلب.. متحف الحضارات القديمة
وتُعدّ إدلب الواقعة في شمال غرب سوريا من أغنى المحافظات السورية بالآثار، إذ يُقدّر عدد المواقع الأثرية فيها بما يتراوح بين 700 و800 موقع أثري، إلى جانب نحو 200 تل أثري.
وقد تناوبت على أرضها حضارات عظيمة منذ فجر التاريخ، ومن أبرز مواقعها القديمة تل الكرخ الذي عملت فيه بعثة يابانية أثرية، ومدينة إيبلا في تل مرديخ، التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد (2400 – 2250 ق.م).
وفي إيبلا، اكتُشفت المكتبة الملكية الشهيرة التي ضمّت أكثر من 16 ألف رقيم فخاري مكتوب بالكتابة المسمارية، لتكون من أهم الاكتشافات الأثرية في الشرق القديم.
الكتلة الكلسية والمدن المنسية
تُعرف إدلب بأنها قلب ما يُسمى بـالكتلة الكلسية أو المدن المنسية، وهي مجموعة من القرى والمواقع الأثرية الفريدة المنتشرة بين محافظتَي إدلب وحلب.
ونظرًا لأهميتها التاريخية والمعمارية، سُجّلَت خمس محميات أثرية منها على قائمة التراث العالمي عام 2011، وهي:
- محمية جبل الزاوية التي تضم 10 مواقع أثرية، أبرزها البارة، سيرجيلا، شنشراح، رويحة، وجرادة.
- محمية الجبل الأوسط، ومحمية الجبل الأعلى، ومحمية جبل باريشا. ويبلغ عدد القرى الأثرية المسجّلة في إدلب وحدها 23 قرية، من أصل 8 محميات أثرية سُجلت في شمال سوريا، خمس منها في إدلب وثلاث في حلب.
من معبد وثني إلى معلم إسلامي
يُعدّ الجامع الكبير في معرة النعمان من أبرز المعالم التاريخية في إدلب، إذ كان في بداياته معبدًا وثنيًا تحوّل لاحقًا إلى كاتدرائية مسيحية، ثم إلى مسجد في عهد الصحابي أبي عبيدة بن الجراح.
ويُظهر بناء الجامع مزيجًا من الطرازين الأيوبي والمملوكي، ما يعكس التنوع الحضاري الذي ميّز المدينة عبر العصور.
الآثار تحت نيران الحرب
وتعرّضت المواقع الأثرية في إدلب منذ عام 2011 إلى موجة دمار غير مسبوقة. كان القصف الجوي العشوائي لنظام الأسد والطيران الروسي السبب الأكبر في تدمير العديد من المواقع الأثرية، مثل سيرجيلا وقلعة سمعان التي استُهدفت بأكثر من 11 غارة جوية.
كما تعرّض متحف إدلب لغارة روسية بعد تحرير المدينة بأربعة أيام فقط، أصابت سقفه وجدرانه وأدت إلى نهب وسرقة بعض القطع الأثرية.
سرقة وتخريب الحجارة الأثرية في إدلب
ولم تتوقف الأخطار عند القصف، بل امتدت إلى عمليات التنقيب غير الشرعي عن الكنوز الأثرية من قبل بعض السكان، وبيعها لتجار آثار.
كما جرى تكسير الحجارة الأثرية في كثير من القرى، خصوصًا في منطقة الكتلة الكلسية الممتدة من جنوب إدلب إلى شمالها، لاستخدامها في البناء بسبب غياب الرقابة والحماية.
ذاكرة سوريا التي تنزف
إدلب ليست مجرد محافظة سورية، بل ذاكرة وطنية وإنسانية تختصر تاريخ الشرق القديم.
واليوم، وبين أنقاض معرة النعمان والمدن المنسية، تقف الحجارة الشاهدة على مجدٍ مضى وجرحٍ ما زال ينزف.
ففي كل رقيم فخاري، وفي كل جدار محطم، قصة حضارة قاومت النسيان.. وصرخة تطالب العالم بإنقاذ ما تبقّى من كنز الآثار السوري الذي دمّرته الحروب ونظام بشار الأسد.