إسرائيل تقصف قلب سوريا.. ما دلالات تدخلها بعد أحداث السويداء؟
في لحظة تتجاوز التكتيك وتلامس عقيدة عسكرية إسرائيلية جديدة، أطلقت تل أبيب ما أسمته بإستراتيجية "الضربات المؤلمة"، مستهدفة مركز الثقل السيادي والعسكري في قلب العاصمة السورية دمشق وأطرافها وتضرب أيضًا السويداء ودرعا.
ويحمل الاستهداف المباشر لمراكز السيادة رسائل لا تقل كثافة عن الصواريخ، حيث تلوّح تل أبيب بورقة الدروز، وتقول إن العشرات عبروا الحدود من الجولان إلى الأراضي السورية. كما تفرض معادلة جديدة في ما تقول إنه ميزان ردع. وهذا يتقدم على أي ملامح سورية لاستعادة السيادة.
اتفاق لوقف إطلاق النار
وأعلنت دمشق عن توقيع اتفاق مفصلي من 14 بندًا مع مرجعيات دينية في السويداء يكرّس اندماج المحافظة ضمن الدولة ويقضي بنشر قوات الأمن الداخلي والشرطة من أبناء المنطقة، وتنظيم السلاح، ووقف الهجمات على الحواجز، لكن البيان لم يلبث أن واجه رفضًا صريحًا من الشيخ حكمت الهجري الذي نفى التوقيع، ودعا إلى ما وصفه بمواجهة القوات الحكومية.
ولم تعلّق الحكومة على هذا الموقف، لكن الرئاسة تعهّدت بمحاسبة المسؤولين عن كل الانتهاكات. وأدانت الخارجية السورية الضربات الإسرائيلية، داعية المجتمع الدولي إلى وضع حد للعدوان.
وقد ترددت أصداء الحدث في واشنطن، وتقول الخارجية الأميركية إنها قلقة من التصعيد. وفي لغة إدارة دونالد ترمب، فإن القلق لا يعني الرفض الحقيقي، إذ يذهب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى مساحة جديدة من التصريح السياسي خلال الاشتباكات، فهناك "سوء فهم" بين الجانب السوري والإسرائيلي، وفق رؤية روبيو، الذي عبّر عن أمله في أن ترى واشنطن تقدمًا نحو خفض التوتر.
أمّا موقع "أكسيوس" فقد ذهب إلى أكثر من هذا في نقله عن مصدر أميركي، حين قال إن إدارة ترمب قريبة من التوصل إلى إعلان اتفاق لخفض التصعيد بين سوريا وإسرائيل.
دور الشيخ حكمت الهجري
وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي بسام سليمان أن الاختراق الذي حققه اتفاق وقف إطلاق النار اليوم يتمثّل في تحديد مصدر "الفتنة" في السويداء.
ويقول في حديث إلى التلفزيون العربي من دمشق: "إن السوريين تفاءلوا يوم أمس بإعلان اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، انقلب على الاتفاق بالتزامن مع هجمات إسرائيلية على السويداء".
ويلفت سليمان إلى أن الهجري طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التدخّل لحماية الطائفة الدرزية.
وبحسب سليمان، فمن الواضح أن "الهجري يريد أن يسيطر على القرار في السويداء"، موضحًا أن هذا الأخير أقام مظلّة مستقلة بعد تحرير سوريا، مستغلًا مرجعيته الدينية، وجمع تحتها فصائل مختلفة تتضمّن فلولًا من النظام وأشخاصًا أقاموا علاقات مع إسرائيل و(قسد).
ويضيف "أن الهجري يريد أن يكون رجل السويداء الأول من الناحية الدينية والسياسية والعسكرية، ثم يفاوض الحكومة السورية على مكاسب قد تكون شخصية".
ويلفت سليمان إلى أن الحكومة السورية حاولت، خلال الأشهر السبعة الماضية، التوصل إلى صيغة اتفاق مع الشيخ الهجري، مؤكدًا أنه لا توجد مشكلة بين المجتمع في السويداء والدولة السورية.
كما يرى أن إسرائيل تُدرك أن سوريا لا تزال في مرحلة إعادة بناء ذاتها عسكريًا واقتصاديًا وعلى مختلف الأصعدة، وتحاول استغلال ذلك لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية داخل الأراضي السورية.
أهداف إسرائيل في سوريا
من جهته، يلفت أستاذ إدارة النزاع في معهد الدوحة للدراسات العليا، إبراهيم الخطيب، إلى أن إسرائيل تسعى إلى جعل سوريا "دولة ضعيفة"، بما يتيح لها السيطرة على الأجواء السورية والدخول والخروج منها متى شاءت.
كما يشير إلى أن إسرائيل تريد أن يكون لها موطئ قدم في سوريا، من خلال تعاملها مع ملف الدروز وكأنها وصية عليهم، وكأنهم ليسوا مكوّنًا أصيلًا من الشعب السوري يتفاعل ويتعامل مع دولته، بحسب تعبير الخطيب.
ويقول في حديث إلى التلفزيون العربي من الجليل: "إن إسرائيل تُصوّر نفسها كقوة إقليمية، وتتصرف وكأنها شرطي المنطقة، فتفعل ما يحلو لها وفقًا لمصالحها".
ويُضيف أستاذ إدارة النزاع في معهد الدوحة للدراسات العليا أن إسرائيل تريد لسوريا أن تكون إما دولة ضعيفة أو مطبّعة، موضحًا أن تل أبيب تسعى في الوقت نفسه لأن تكون سوريا ذات سيادة، فقط بالقدر الذي يجنب المنطقة فوضى قد تُؤثّر سلبًا عليها، لكنها تريدها في الوقت ذاته دولة موالية لها، لا تعارض ممارساتها في غزة أو الضفة الغربية أو سائر المنطقة.
كما يرى أن نجاح إسرائيل في دفع الحكومة السورية إلى التراجع وتلبية مطالبها، سيجعل تل أبيب تستخدم الآلية نفسها لاحقًا، متذرعة بالدروز أو غيرهم من مكوّنات المجتمع السوري لتحقيق أهدافها.
ويؤكد الخطيب في ختام حديثه على ضرورة وجود توافق داخلي سوري لرفض التدخلات الخارجية.
جهود أميركية لتحقيق السلام
وفي قراءة للدور الأميركي، ترى مستشارة التحالف السوري الأميركي للسلام، ياسمين نعمو، أن الإدارة الأميركية تنظر إلى تحقيق السلام والاستقرار في سوريا كأولوية، حسب قولها.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من واشنطن، تعتبر نعمو أن أي نوع من العنف ضد سوريا أمر مرفوض، مؤكدة في الوقت نفسه أن القنوات بين سوريا وإسرائيل لا تزال مفتوحة.
وتلفت مستشارة التحالف السوري الأميركي للسلام إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، "يفرض السلام عبر منطق القوة، وبذلك سيفرض الضغط من خلال القنوات الصحيحة لإيقاف القتال في سوريا"، موضحة أنه شدّد على هذا المبدأ في قضايا إقليمية أخرى.
وتضيف: "إن الولايات المتحدة تريد وقف القتال في سوريا، وقد طُلب من إسرائيل التروّي والتفكير في خطواتها قبل الإقدام عليها"، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة ستكون جسرًا للحوار بين إسرائيل وسوريا.