الثلاثاء 15 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

إسقاط طائرة سول.. كيف أسهمت المأساة في إتاحة GPS للمدنيين؟

إسقاط طائرة سول.. كيف أسهمت المأساة في إتاحة GPS للمدنيين؟

شارك القصة

ساهم حادث إسقاط طائرة كورية ضلت طريقها في عام 1983 بإتاحة نظام GPS للمدنيين- غيتي
ساهم حادث إسقاط طائرة كورية ضلت طريقها في عام 1983 بإتاحة نظام GPS للمدنيين- غيتي
ساهم حادث إسقاط طائرة كورية ضلت طريقها في عام 1983 بإتاحة نظام GPS للمدنيين- غيتي
الخط
أعلنت إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان عقب إسقاط الطائرة استعداد الولايات المتحدة لجعل نظام "GPS" العسكري متاحًا للطيران المدني عندما يدخل الخدمة.

كانت الطائرة يفترض أن تعبر شمال المحيط الهادئ بعيدًا عن المجال الجوي السوفيتي. لكن خطأ لم يبدُ كارثيًا عند بدايته أخذ يتضخم طوال ساعات، حتى أصبحت طائرة ركاب من طراز بوينغ 747 على مسار يمر فوق واحدة من أكثر المناطق العسكرية حساسية في الاتحاد السوفيتي.

عند بدايته أخذ يتضخم طوال ساعات، حتى أصبحت طائرة ركاب من طراز بوينغ 747 على مسار يمر فوق واحدة من أكثر المناطق العسكرية حساسية في الاتحاد السوفيتي.

مقاتلة سوفيتية تسقط الطائرة

في الساعات الأولى من الأول من سبتمبر/ أيلول 1983، كانت رحلة الخطوط الجوية الكورية KAL 007 في طريقها إلى سول بعدما توقفت في أنكوراج بألاسكا للتزود بالوقود.
كان داخل الطائرة 269 شخصًا. لم يكن الركاب يعرفون أن مسار الرحلة أخذ ينفصل تدريجيًا عن الطريق المرسوم، ولا أن المقاتلات السوفيتية بدأت تراقب الطائرة التي دخلت مجالًا جويًا كان محاطًا بأعلى درجات التوتر في الحرب الباردة. 
انتهت الرحلة بصاروخين أطلقتهما مقاتلة سوفيتية وبسقوط الطائرة قرب جزيرة سخالين، ومقتل جميع من كانوا على متنها. 

رحلة عبر أطراف الحرب الباردة


انطلقت الرحلة من نيويورك في 31 أغسطس/ آب 1983، متجهة إلى العاصمة الكورية الجنوبية سول، مع محطة في أنكوراج. وبعد التوقف في ألاسكا، بدأت المرحلة الطويلة عبر شمال المحيط الهادئ.

كان المسار المقرر يمر بالقرب من الأراضي السوفيتية، لكنه مصمم للبقاء خارج مجالها الجوي. كان هذا فارق بالغ الحساسية آنذاك.

فالرحلة تمر بمحاذاة شبه جزيرة كامتشاتكا وجزيرة سخالين، حيث توجد منشآت عسكرية سوفيتية مهمة، في وقت كانت فيه العلاقات بين واشنطن وموسكو تمر بواحدة من أشد مراحل الحرب الباردة توترًا. لكن طائرة الـ747 بدأت، بعد دقائق من مغادرة أنكوراج، تتحرك شمال المسار الذي كان يفترض أن تتبعه.

طائرة سوفييتية تبحث عن حطام الطائرة الكورية- غيتي
طائرة سوفيتية تبحث عن حطام الطائرة الكورية- غيتي

لم تنحرف فجأة عشرات أو مئات الكيلومترات. بدأ الأمر بفارق صغير، ثم أخذ يكبر كلما استمرت الطائرة في الاتجاه نفسه. وبعد ساعات، أصبحت الرحلة في مكان مختلف تمامًا عن المكان الذي يعتقد طاقمها أنه يحلق فيه. وهنا كان أصل المأساة.


نظام الملاحة بالقصور الذاتي


كانت الطائرات العابرة للمحيطات في ذلك الوقت تعتمد بدرجة كبيرة على نظام الملاحة بالقصور الذاتي "INS" وعلى خلاف "GPS"، لا يحتاج النظام إلى استقبال إشارة من أقمار صناعية كي يعرف موقع الطائرة. فهو يبدأ من موقع معروف، ثم يستخدم أجهزة استشعار وحسابات متواصلة لتقدير الحركة والاتجاه وموقع الطائرة أثناء الرحلة.

وكانت الطائرة مجهزة بثلاث وحدات من هذا النظام، ويمكنها اتباع مجموعة من نقاط الطريق المخزنة مسبقًا.

وبحسب التحقيقات اللاحقة لمنظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو"، كانت المشكلة على الأرجح في العلاقة بين النظام وبين الطيار الآلي.

وبعد الإقلاع، يستطيع الطيار الآلي العمل في وضع يحافظ فيه ببساطة على اتجاه محدد. لكن عند الوصول إلى المسار المطلوب، ينبغي الانتقال إلى وضع يجعل الطائرة تتبع الطريق الذي حدده نظام الملاحة.


نتائج التحقيق في حادث رحلة سول

توصل التحقيق إلى احتمالين أساسيين: إما أن الطاقم لم يحوّل الطيار الآلي من وضع الاتجاه إلى وضع  INS، أو أنه حاول فعل ذلك بعدما أصبحت الطائرة بعيدة أكثر مما يسمح به النظام للالتحاق تلقائيًا بالمسار المبرمج.
وفي الحالتين كانت النتيجة واحدة تقريبًا، إذ استمرت الطائرة في المحافظة على اتجاه بدل أن تتبع خط الرحلة المرسوم.
ولم يكن في معدات الملاحة نفسها، وفق التحقيق، عطل يفسر الانحراف. كانت المشكلة أن الطائرة بقيت ساعات تسير وفق نمط ملاحي غير مناسب من دون أن يكتشف الطاقم مقدار ابتعادها عن الطريق.

بضع درجات تتحول إلى مئات الكيلومترات


ويمكن أن يبدو الفرق بين مسارين صغيرًا على شاشة في الدقائق الأولى من الرحلة، لكنه لا يبقى كذلك بعد ساعات.

فالطائرة التي تستمر في الاتجاه الخاطئ بسرعة مئات الكيلومترات في الساعة تتسع المسافة بينها وبين المسار المفترض باستمرار. وبعد نحو خمس ساعات ونصف الساعة، كان الانحراف قد حمل KAL 007 إلى داخل المجال الجوي السوفيتي.

مرّت الرحلة أولًا فوق منطقة كامتشاتكا، ثم واصلت باتجاه سخالين. وفي الجانب السوفيتي لم تكن طائرة مجهولة تظهر قرب منشآت عسكرية مسألة ملاحة مدنية فحسب. جاء الحادث وسط نشاط استطلاعي أميركي وتوتر عسكري شديد، فتعامل الدفاع الجوي السوفيتي معها باعتبارها اختراقًا أمنيًا.

لم تصل منظومة GPS إلى القدرة التشغيلية الكاملة إلا عام 1995- غيتي
لم تصل منظومة GPS إلى القدرة التشغيلية الكاملة إلا عام 1995- غيتي

أُرسلت مقاتلات لاعتراضها، وانتهى الأمر بمقاتلة سوخوي Su-15  تطلق النار عليها. سقطت البوينغ في البحر، وقُتل ركابها الـ246 وأفراد طاقمها الـ23.

كان بينهم مواطنون من دول عدة، إضافة إلى عضو في مجلس النواب الأميركي، ما جعل الحادث ينتقل خلال ساعات من كارثة طيران إلى أزمة دولية كبيرة.


مأساة تحولت إلى معركة بين واشنطن وموسكو


وصف ريغان إسقاط الطائرة بأنه جريمة، واستُخدمت الحادثة على نطاق واسع في المواجهة الإعلامية والسياسية مع موسكو.

في المقابل، دخلت الرواية السوفيتية في جدل طويل حول طبيعة الطائرة، وما إذا كانت التحذيرات قد وُجهت إليها، وكيف اتُخذ قرار إسقاطها. وزاد الغموض لأن الاتحاد السوفيتي لم يسلّم مسجلات الرحلة للمحققين الدوليين في ذلك الوقت.

أجرت "إيكاو" تحقيقًا أوليًا في 1983، لكن بعض أهم الأدلة ظل مفقودًا. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سلّمت روسيا في 1992 مسجل بيانات الرحلة ومسجل أصوات قمرة القيادة، ما سمح بإعادة فتح التحقيق.

وفي تقريرها الجديد عام 1993، عززت المنظمة فرضية أن الطائرة انحرفت بسبب طريقة تشغيل نظام الطيران الآلي والملاحة، وأن الطاقم لم يكن مدركًا أنه يبتعد تدريجيًا عن الطريق المقرر.

لكن قبل أن تتضح هذه التفاصيل بعقد كامل تقريبًا، كان الحادث قد دفع واشنطن إلى اتخاذ قرار آخر.


نظام عسكري يخبر الطائرة أين هي
لم يولد "GPS" بعد إسقاط الرحلة "007". كانت وزارة الدفاع الأميركية تعمل على النظام منذ السبعينيات باعتباره شبكة عسكرية للملاحة وتحديد المواقع. وأُطلق أول قمر صناعي تجريبي من منظومة "GPS" عام 1978، أي قبل الكارثة بخمس سنوات. 
كانت الفكرة شديدة القوة: بدل أن تحسب الطائرة موقعها انطلاقًا من حركتها السابقة فقط، يمكن لجهاز استقبال أن يستخدم إشارات تأتي من مجموعة أقمار صناعية لتحديد موقعه. 
وبذلك يصبح بالإمكان معرفة خط العرض وخط الطول والارتفاع بصورة مستقلة عن كثير من وسائل الملاحة الأرضية، وعلى نطاق عالمي. وكان المشروع عسكريًا أميركيًا، لكن إمكاناته المدنية أصبحت واضحة مبكرًا. 

15 يومًا بين إسقاط الطائرة وقرار ريغان


في 16 سبتمبر/ أيلول 1983، أي بعد 15 يومًا على إسقاط الطائرة، صدر عن البيت الأبيض إعلان يفيد بأن الولايات المتحدة مستعدة لجعل إمكانات Global Positioning System متاحة للطائرات المدنية عندما يصبح النظام عاملًا.

وبررت القرار صراحة بالرغبة في منع تكرار مأساة مثل الرحلة الكورية. وكان الجدول الزمني المتوقع حينها أن يبدأ "GPS" العمل في 1988، وهو موعد لم يتحقق بالصورة التي كانت متوقعة. لكن القرار السياسي كان قد اتُّخذ: لن يبقى نظام تحديد المواقع حكرًا على الاستخدام العسكري الأميركي.

استغرق الوصول إلى "GPS" الذي نعرفه سنوات لم تصل منظومة "GPS" إلى القدرة التشغيلية الكاملة إلا عام 1995.

دخل GPS السفن والسيارات وأجهزة الملاحة المحمولة والهواتف- غيتي
دخل GPS السفن والسيارات وأجهزة الملاحة المحمولة والهواتف- غيتي

إلغاء التشويش المتعمد


وحتى بعد فتح استخدامها، لم يحصل المدنيون في البداية على المستوى نفسه من الدقة المتاح للمستخدمين العسكريين. فقد استخدمت الولايات المتحدة ما عُرف باسم "Selective Availability"، وهي آلية تخفّض عمدًا دقة الإشارة المدنية لأسباب أمنية.

استمر ذلك حتى مايو/ أيار 2000، عندما أمر الرئيس بيل كلينتون بإيقاف هذه الخاصية، فتحسنت دقة أجهزة "GPS" المدنية بصورة كبيرة.

وبين قرار 1983 وإلغاء التشويش المتعمد عام 2000، كان النظام يغادر تدريجيًا المجال العسكري ليصبح جزءًا من البنية التحتية المدنية للعالم. وتشير الوثائق الأميركية الرسمية اليوم إلى إعلان ريغان باعتباره نقطة أساسية في تاريخ التزام الولايات المتحدة بإتاحة GPS للاستخدام المدني.

"GPS" في كافة القطاعات

دخل GPS السفن والسيارات، ثم أجهزة الملاحة المحمولة والهواتف. وأصبح تحديد الموقع جزءًا من خدمات النقل والخرائط والإنقاذ والزراعة والمسح والهندسة. وحتى الأنظمة التي لا تبدو مرتبطة بالمكان تستفيد من التوقيت الدقيق الذي توفره الأقمار الصناعية، من شبكات الاتصالات إلى قطاعات مالية وتقنية عديدة.

وفي الطيران تحديدًا، أصبحت الملاحة الفضائية جزءًا من منظومة أكثر تعقيدًا بكثير مما كان موجودًا عام 1983. فالطائرة الحديثة لا تحتاج إلى الانتظار ساعات كي يظهر أن خطأ صغيرًا تحوّل إلى انحراف هائل؛ موقعها ومسارها يمكن مقارنتهما باستمرار بخط الرحلة والحدود والنقاط الملاحية.

لم يلغ ذلك احتمال الخطأ، ولم يجعل المجال الجوي العالمي خاليًا من المخاطر العسكرية. لكنه غيّر جذريًا قدرة الطائرة على الإجابة عن سؤال كان قاتلًا في حالة الرحلة 007: أين نحن بالضبط؟
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
The website encountered an unexpected error. Please try again later.