كشف أطباء ومتطوّعون من الولايات المتحدة وأوروبا عملوا في مستشفيات غزة، الأوضاع المأسوية التي يعيشها القطاع الصحي الذي يُواجه على مدار الساعة سيلًا من الضحايا المدنيين من أطفال ونساء أُصيبوا بطلقات نارية في الرأس والصدر والظهر والأطراف.
ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية شهادات 7 من العاملين الطبيين الأجانب، الذين زاروا غزة كجزء من بعثات طبية تطوّعية بين مايو/ أيار الماضي والأسبوع الأول من الشهر الحالي، حيث وثّقوا كيف أصبح إطلاق النار على الحشود الجائعة مشهدًا يوميًا ضمن حرب الإبادة الجماعية التي ينتهجها جيش الاحتلال الإسرائيلي في القطاع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وأجمع هؤلاء على أنّ قصف الاحتلال الإسرائيلي للمرافق الطبية في غزة خلال الحرب، بالإضافة إلى الحصار شبه الكامل للقطاع منذ الشتاء، حال في كثير من الأحيان دون قدرة الأطباء على تقديم العلاج المناسب والكافي للمرضى.
وأوضحوا أنّ العاملين الطبيين اضطروا لاعتماد سياسة التفاضل في علاج المرضى نظرًا للنقص في أسطوانات الأكسجين، كما أنّ ندرة الكراسي المتحركة والعكازات تُجبر العائلات في بعض الأحيان على حمل أقاربهم المعوّقين على أذرعهم.
في مجمع ناصر الطبي، لطالما استيقظ الأطباء والممرّضون على صوت صافرات إنذار تُنبِّه إلى وصول موجة كبيرة من الإصابات الجماعية.
وقال عزيز الرحمن، أخصائي العناية المركّزة الأميركي للصحيفة: "في كل مرة تُفتح فيها مراكز توزيع المساعدات، كنا نشهد إطلاق نار على منتظري المساعدات".
إصابات قاتلة
كما أشار ثلاثة أطباء عملوا في قسم الطوارئ في مستشفى ناصر، إلى أنّ إصابات مرضاهم بطلقات نارية كانت في الغالب في الرأس أو القلب أو الرئتين.
واستذكر عزيز الرحمن تاريخ 24 يونيو/ حزيران الماضي. حينها كان أحد مرضاه صبيًا في التاسعة من عمره أصيب برصاصة في العمود الفقري.
وفي عيادة الهلال الأحمر جنوب غزة، قالت ريكي هايز وهي أخصائية علاج طبيعي من أيرلندا، إنّ مرضاها أُصيبوا بطلقات نارية في أرجلهم وأذرعهم، وأحيانًا في ظهورهم.
وأضافت أنّ بعض الضحايا كانوا فتيانًا مراهقين أُطلقت عليهم النار أثناء مغادرتهم مواقع توزيع المساعدات، بعد نفاد جميع المواد الغذائية.
وقالت هايز التي عملت في غزة خلال الأسابيع الخمسة الأولى من بدء عمل "مؤسسة غزة الإنسانية" في مايو/ أيار الماضي، إنّ حوادث إطلاق نار جماعي وقعت تقريبًا في كل يوم من أيام مهمتها الطبية.
وفي بعض الأيام، تجاوز عدد الإصابات نتيجة إطلاق الاحتلال النار على منتظري المساعدات الـ 100 حالة في المستشفى الواحد.
علاج المرضى وسط برك الدماء
واستذكر عزيز الرحمن أنّه في 17 يونيو/ حزيران الماضي، شهد المستشفى أحد أسوأ الأيام حيث استمرّ توافد الإصابات لأكثر من خمس ساعات متواصلة.
وأشار إلى أنّ الأطباء اضطروا إلى معالجة الجرحى على الأرض وسط برك الدماء.
أما هايز فتستذكر أنّها عالجت شابًا عمره 18 سنة يُدعى أحمد، كان قد أُصيب بجروح بالغة في انفجار قبل أسابيع، فقد على إثرها القدرة على استخدام جميع أطرافه باستثناء طرف واحد. وكان يرافقه يوميًا شقيقه محمد البالغ 20 عامًا، والذي أصبح مقدم رعايته.
وأضافت أنّه بعد فترة وصل محمد إلى العيادة مصابًا برصاصة في رقبته وكتفه، بعد أن خرج لإحضار المساعدات.
بدوره، يتذكّر مارك براونر الجرّاح الأميركي من ولاية أوريغون صدمته ممّا رآه في أحد الأيام، في قسم الطوارئ بمجمع ناصر، قائلًا: "كانت هناك صفوف من الجثث والأشخاص المصابين بجروح بالغة"، مضيفًا: "عندما يتوقّف تدفّق المُصابين تغسل الدماء، وتجلس هناك لبضع لحظات مذهولًا، قبل أن يتكرّر الأمر مجددًا".
"كنت أستطيع تحسّس عظام الجرحى"
وبالنسبة لنور شرف طبيبة طوارئ من مدينة دالاس، كان أسوأ يوم هو 20 يوليو/ تموز الماضي. في ذلك اليوم، استقبل مستشفى الشفاء في مدينة غزة حيث كانت تعمل، 1024 جريحًا.
وأضافت: "لا يوجد لديك وقت كاف لرؤية هذا العدد الكبير من الجرحى، وكان الكثير منهم يُعانون من سوء التغذية، وكنت أستطيع تحسّس عظام كل مريض منهم".
في ذلك اليوم، وصل معظم هؤلاء الجرحى من مركز المساعدات قرب معبر زيكيم الحدودي، حيث أفاد شهود عيان بأنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت النار على حشود غفيرة حاولت الحصول على المساعدات المقدمة من الأمم المتحدة.
في اليوم التالي، استقبل المستشفى صبيًا صغيرًا مصابًا برصاصة في الرأس قرب زيكيم، وكان على وشك الموت.
وقالت شرف: "لم يعرف أحد من هو، حتى وصلت عائلته مذعورة بعد يومين"، مضيفة أنّ الفتى فُقد بعد أن ذهب لجلب الماء".
وأضافت: "كان يحمل جرّة الماء عندما تعرّض لإطلاق النار".