الثلاثاء 10 مارس / مارس 2026
Close

إيران تحت النار.. لماذا يكتفي الحليفان الروسي والصيني بالتنديد؟

إيران تحت النار.. لماذا يكتفي الحليفان الروسي والصيني بالتنديد؟ محدث 03 مارس 2026

شارك القصة

دعت كل من روسيا والصين لوقف العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران- غيتي
دعت كل من روسيا والصين لوقف العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران- غيتي
الخط
أدانت موسكو وبكين العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران واغتيال القيادة الإيرانية، واصفةً إياه بانتهاك صارخ للقانون الدولي ومحاولة لتغيير النظام بالقوة.

دخل العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران يومه الثالث. تواصل إسرائيل شن غارات متتالية على إيران بعد أن اغتالت عددًا، من قادتها بينهم المرشد الأعلى على خامنئي. وتردّ إيران على الضربات الإسرائيلية بضربات تطال قلب تل أبيب والقواعد الأميركية في دول الخليج، حتى إنها قصفت منشآت نفطية، ومنعت عبور السفن عبر مضيق هرمز.

في المقابل، تبرز مفارقة جيوسياسية حادة: حلفاء إيران المقرّبون، روسيا والصين، يكتفون بالتعليق على الأحداث بعبارات التنديد وشجب العدوان، واقتصرت الخطوات العملية على سلسلة اتصالات ودعوات لوقفه. وهو ما يعزّز الانطباع بأن للشراكة مع موسكو وبكين حدودًا مرسومة لا يبدّلها عدوان بحجم ما تتعرّض له إيران.


استياء روسي.. دبلوماسية "الهاتف"


بعد ساعات من بدء العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اتصالاً بنظيره الإيراني عباس عراقجي، داعيًا للوقف الفوري للعدوان، فيما حثّت موسكو مواطنيها على مغادرة إيران عبر أرمينيا وأذربيجان.

وفي أحدث المواقف، اتهمت وزارة الخارجية الروسية الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة تغيير النظام في إيران، والسعي إلى تخريب ما وصفته بعملية تطبيع العلاقات بين طهران وجيرانها العرب. وقالت الوزارة في بيان:

"صار من الواضح أنه بالإضافة إلى محاولة تغيير النظام في إيران باستخدام أبشع الوسائل، مثل اغتيال قيادة دولة ذات سيادة، فإن واشنطن وتل أبيب تحاولان إفشال عملية تطبيع العلاقات بين إيران وجيرانها العرب".

من جهته، قال الكرملين إن روسيا على اتصال مستمر مع مسؤولي إيران بشأن ما وصفه بأنه "عدوان صريح" على طهران، معبّرًا عن خيبة أمل شديدة من تطور الأحداث.

وكانت وزارة الخارجية الروسية أعلنت في بيان أمس الأحد أن موسكو تلقت نبأ اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وأفراد من عائلته وبعض المسؤولين الإيرانيين الكبار "باستياء وأسف بالغ". واتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بدفع الشرق الأوسط "إلى دوامة تصعيد لا يمكن السيطرة عليها".

كذلك ندد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باغتيال المرشد الأعلى الإيراني ووصفه بأنه "جريمة قتل مغرضة"، وقال:

"في بلدنا، سنتذكر آية الله خامنئي بأنه رجل دولة عظيم قدم مساهمة شخصية كبيرة في تطوير العلاقات الودية بين روسيا وإيران والارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة".

ندّدت روسيا والصين باغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي الخامنئي- الأناضول
ندّدت روسيا والصين باغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي – الأناضول 

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف اليوم الإثنين: "إن روسيا تحلل الوضع وتستخلص استنتاجاتها الخاصة بعد أن قررت واشنطن شن ضربات على إيران"، على الرغم مما اعتبرته موسكو "محادثات واعدة". وأضاف بيسكوف للصحفيين:

"بالنسبة للمفاوضات التي توسطت فيها عمان بين الولايات المتحدة وإيران، يمكننا بالتأكيد أن نعبر عن خيبة أملنا العميقة لأن الوضع تدهور إلى عدوان صريح، على الرغم من التقارير التي تفيد بتقدم كبير في هذه المفاوضات".

وأضاف أن بوتين من المقرر أن يجري مكالمة هاتفية دولية تتعلق بإيران في وقت لاحق اليوم الإثنين، لكنه لم يكشف عن هوية الطرف الآخر. وتابع:

"لا أستطيع إلا أن أقول إننا على اتصال مستمر مع القيادة الإيرانية ونناقش الوضع المحيط بهذا البلد. وفي الوقت نفسه، نواصل حوارنا مع قيادات البلدان المتأثرة بالصراع، بمن فيهم دول الخليج".


الصين تعرض الوساطة


في ما يخص رد الفعل الصيني، قالت الخارجية الصينية إن الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران تنتهك القانون الدولي.

وعلّقت على اغتيال خامنئي بالقول إن "الصين تعارض استخدام القوة في العلاقات الدولية"، مشيرة إلى أن بكين قلقة للغاية إزاء اتساع نطاق الصراع.

وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي أمس الأحد إن الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران "غير مقبولة"، ودعا إلى وقف إطلاق النار فورًا واستئناف المحادثات لمنع اتساع رقعة الصراع.

وذكرت وكالة "شينخوا" أن وانغ قال لنظيره الروسي سيرغي لافروف خلال اتصال هاتفي إن "القتل السافر لقائد ذي سيادة" والتحريض على تغيير النظام أمران "غير مقبولين".

وقال بيان لوزارة الخارجية الروسية بشأن الاتصال إن وانغ ولافروف نددا بالضربات "التي نُفذت رغم انفتاح طهران على الحوار".

ودعا الوزيران إلى وقف الضربات فورًا، "وشددا على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية لجميع المسائل المتعلقة بملف إيران، بما في ذلك ضمان المصالح الأمنية المشروعة لجميع دول الخليج".

كما أوردت وكالة "شينخوا" أن وزير خارجية الصين أجرى اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الإيراني عباس عراقجي اليوم الإثنين. وأكّد دعم إيران في حماية سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها، مشيرًا إلى أن  بكين مستعدة للعب دور بناء في تحقيق السلام ووقف الحرب. وأضاف أنه مستعد للعمل مع المجتمع الدولي لدعم حل القضايا من خلال التفاوض.


طهران تختبر "معنى الشراكة"


جاء في مقال تحليلي نُشر في صحيفة "بوليتيكو":

"هكذا، أصبحت إيران أحدث دولة، بعد سوريا وفنزويلا، تختبر بشكل مباشر ما تعنيه الشراكة مع روسيا، وما لا تعنيه".

وفي السياق نفسه، كتب حساب "نيو تانكين" على مواقع التواصل الاجتماعي، المرتبط بوسائل الإعلام الصينية الرسمية التي تُعتبر على نطاق واسع ناطقةً باسم بكين، أن "إيران ليس لها حليف حقيقي"، مضيفًا أن حتى الدول الأقرب ستُعطي الأولوية لمصالحها الوطنية على حساب انتشال طهران من الأزمة، وفق ما نقل موقع شبكة "سي أن بي سي". 

فمنذ أن شنّت روسيا هجومًا على أوكرانيا قبل أربع سنوات، تحدث الكرملين عمّا يُسمى بالعالم متعدد الأقطاب. لكن هذا لم يترجم عمليًا في اللحظات الحاسمة عندما تعرضت الدول الحليفة للخطر.

ولذلك، لا يبدو أن طهران تفاجأت من موقفي روسيا أو الصين اللذين اقتصرا على "الدعم الرمزي". فوفق موقع "بوليتيكو"، كانت المؤشرات واضحة منذ الصيف الماضي على الأقل، عندما أصدر كبار المسؤولين الروس، خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر 12 يومًا في يونيو/ حزيران 2025 وشمل هجومًا أميركيًا واسع النطاق على مواقع نووية إيرانية، بيانات إدانة مماثلة حخ دون اتخاذ أي إجراء.

مع ذلك، جاء الاختبار الحقيقي لمعنى "الشراكة" صادمًا عند مقارنته بأحداث قريبة جدًا:

  • في سوريا (ديسمبر 2024):
لم يحمِ بوتين نظام بشار الأسد الذي سقط خلال 11 يومًا من بدء العمليات العسكرية ضده.

  • في فنزويلا (يناير 2026):
رغم وعود التضامن الروسي، اعتقلت القوات الأميركية الرئيس نيكولاس مادورو، واكتفت بكين حينها بإدانة "الاستخدام الصارخ للقوة".

اليوم، تسير إيران على خطى سوريا وفنزويلا، لتكتشف أن "العالم متعدد الأقطاب" الذي يبشر به بوتين وشي جينبينغ هو منظومة خطابية لا تترجم إلى "دفاع مشترك" وقت الأزمات الوجودية.


تحالف لا يرقى للدفاع المشترك


هذا الشهر، أجرت البحرية الإيرانية والروسية مناورات مشتركة في خليج عُمان، على الرغم من أن موسكو لم تُشارك، على ما يبدو، إلا بسفينة حربية واحدة. وعلى إثر ذلك، أعلن نيكولاي باتروشيف، مساعد الكرملين، عن إجراء مزيد من التدريبات بمشاركة الصين في مضيق هرمز.

لكن عندما بدأ العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، لم يُطرح أي حديث عن تدخّل موسكو أو حتى الصين عسكريًا لمساعدة طهران. فالقانون لا يُلزم روسيا بذلك رغم أنها وقعت مع إيران معاهدة شراكة استراتيجية في أبريل/ نيسان 2025، إلا أنها لم تتضمن بندًا للدفاع المشترك.

لم تتضمن معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران بندًا للدفاع المشترك- الأناضول
 لم تتضمن معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران بندًا للدفاع المشترك – الأناضول

وبالرغم من توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية في أبريل 2025، حرصت روسيا على توضيح أن المعاهدة "لا تعني إقامة تحالف عسكري أو تقديم مساعدات متبادلة". وهذا يعني بوضوح: موسكو مستعدة لاستلام مسيّرات "شاهد" الإيرانية لدعم حربها في أوكرانيا، لكنها ليست مستعدة لخوض معركة طهران.


الدعم الصيني لإيران


رغم أن بكين وطهران شريكان استراتيجيان شاملان، وقد وقعا اتفاقية استراتيجية مدتها 25 عامًا في عام 2021، إلّا إن موقف الصين المتحفظ في دعم إيران عسكريًا ليس بالأمر الجديد. 

ففي يونيو/ حزيران من العام الماضي، انتقدت بكين العدوان الأميركي والإسرائيلي على إيران، لكنها لم تُقدم أي دعم مادي لطهران، وفقًا لمعهد البحاث البريطاني "تشاتام هاوس".

كما أيدت الصين العقوبات الاقتصادية التي تقودها الأمم المتحدة ضد طهران قبل الاتفاق النووي لعام 2015، ومنذ ذلك الحين تحركت ببطء في توجيه الاستثمارات إلى الاقتصاد الإيراني، وفقًا للمعهد الذي يتخذ من لندن مقرًّا له.

لكن الصين اشترت في عام 2025 أكثر من 80% من النفط الإيراني المُصدَّر، بخصم كبير، ما يمثل 13.5% من إجمالي واردات الصين من النفط بحرًا. ويمنح ذلك بكين نفوذًا للضغط بهدوء من أجل خفض التصعيد، مع الحفاظ على مصالحها طويلة الأجل في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.

وفي السنوات الأخيرة، منحت الصين إيران عضوية مجموعة بريكس+ ومنظمة شنغهاي للتعاون في مسعى لكسر عزلة إيران الدولية.

ورسخت بكين التوجه إلى عالم متعدد الأقطاب في مبادرة الأمن العالمي، ولخصته في شعار "الشرق ينهض والغرب يتراجع". ومع ذلك، يبدو أن بكين، على أرض الواقع، لا تُبدي مبادرة تُذكر لفرض حضورها في الشرق الأوسط أو السعي الجاد لتقليص النفوذ الأميركي هناك، وفق "تشاتام هاوس".


 استخبارات صينية أم رسائل سياسية؟

اللافت في خضم هذا العدوان هو الدور "المعلوماتي" الذي تلعبه الصين؛ حيث نشرت شركة "ميزرفيجن" الصينية صورًا فضائية عالية الدقة كشفت تمركز المقاتلات الأميركية F-22 وبطاريات الباتريوت في إسرائيل.

هذه الخطوة طرحت تساؤلات عما إذا كانت بكين تقدم "دعمًا استخباريًا" لإيران، أم أنها مجرد رسالة لواشنطن لإثبات الحضور المعلوماتي الصيني في المنطقة، دون الانخراط الفعلي في المواجهة.

يُعدّ مضيق هرمز أخطر عامل بالنسبة لبكين  إذ يمر عبره أكثر من 40% من وارداتها النفطية- غيتي
يُعدّ مضيق هرمز أخطر عامل بالنسبة لبكين إذ يمر عبره أكثر من 40% من وارداتها النفطية - غيتي 

وقبل يوم واحد من بدء العدوان الإسرائيلي الأميركي المستمر على إيران، كشفت 6 مصادر مطلعة بينها مسؤولون حكوميون وأمنيون إيرانيون لوكالة "رويترز"، أنّ إيران تقترب من شراء صواريخ نوعية مضادة للسفن من الصين. وذكرت المصادر المفاوضات الإيرانية الصينية لشراء صواريخ كروز "سي إم-302" (CM-302) المضادة للسفن وصلت إلى مراحلها النهائية. 

ورغم أن عدم تدخل روسيا في إيران قد يسيء بسمعتها كحليف، فإنه قد يجلب لها أيضًا بعض المكاسب، إذ تأمل موسكو في صرف الأنظار عنها بتسليط الضوء على ما تصفه بـ"إخفاق الغرب"، وخاصة الولايات المتحدة، في الالتزام بالمعايير الدولية، وقد تستثمر هذه الذريعة في ملف حرب أوكرانيا. فإذا انهارت محادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة في أوكرانيا، فستكون لدى موسكو حججها جاهزة.


مصالح الصين "أولوية"


ومن جهتها،  قد لا ترغب الصين بتوسعة الصراع حماية لاقتصادها. إذ يُعدّ مضيق هرمز أخطر عامل بالنسبة لبكين، فهو يأتي نحو 44% من واردات الصين النفطية من منطقة الشرق الأوسط الأوسع. وأي اضطراب خطير في هذا المضيق الحيوي سيمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من حصة إيران المباشرة من الواردات الصينية، وفق "أن دي تي في". 

كما تسعى الصين إلى تحقيق أهدافها طويلة الأمد من دون إثارة قلق واشنطن أو تقويض الاستقرار النسبي في العلاقات الأميركية الصينية، لا سيما قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس دونالد ترمب إلى الصين في أبريل/ نيسان المقبل.

فقد ناقش ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ قضايا من بينها إيران وتايوان والتجارة خلال مكالمة هاتفية في 4 فبراير/ شباط الماضي. وقد يدلّ ذلك على أن بكين قد تسعى إلى الحصول على تنازلات بشأن قضايا ترتبط بمصالحها بشكل مباشر، مثل تايوان والتجارة، مقابل تخفيف حدة خطابها بشأن إيران.

تثبت التطورات المتلاحقة في طهران أن "العالم متعدد الأقطاب" الذي تبشر به موسكو وبكين هو منظومة قائمة على حسابات الربح والخسارة. وأمام اختبار الميدان المشتعل، يرسم الحلفاء حدود دعمهم بدقة متناهية، تاركين طهران تواجه قدرها وحيدة، في عالم لا يعترف إلا بالمصالح الوطنية أولاً.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي