في الساعات الأولى من العدوان الإسرائيلي الأميركي الواسع على إيران، تصدّر خبر اغتيال المرشد علي خامنئي، ومعه عدد من القادة البارزين.
حينها، بدا اغتيال المرشد وكأنه الضربة القادرة وحدها على كسر العمود الفقري للجمهورية الإسلامية. ومع تصاعد الدخان فوق طهران، برزت المعضلة القديمة المتجددة أمام واشنطن:
في الواقع، يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ما يصفه بـ"ساعة الحرية"، وقد وصل به الأمر لحدّ القول إنّه "يريد المشاركة" في اختيار "خليفة خامنئي"، وهو الذي سبق أن أبدى حماسته للاحتجاجات الشعبية في إيران، قبل أن يوظّفها في مشروعه لضرب النظام.
لكنّ المسافة بين إسقاط القائد وصناعة البديل لا تزال واسعة، بل إنّ السلوك الأميركي نفسه يوحي بأنّ الهدف لم يُحسم بالكامل بين "تغيير النظام" و"تغيير السلوك".
فترمب قال إنّ الحملة كان مقدّرًا لها أن تستمر "أربعة إلى خمسة أسابيع" وقد تطول أكثر، قبل أن يرفع السقف إلى "الاستسلام غير المشروط".
وفي مقابل اندفاعة ترمب هذه، يطلّ التاريخ برأسه ليذكر الولايات المتحدة بسجلها المثقل بالإخفاقات في "هندسة تغيير الأنظمة"، من كاراكاس إلى بغداد، تاركًا العالم أمام سؤال حرج:
ماذا بعد سقوط القائد في دولة صُممت مؤسساتها كي لا تعرف الفراغ؟
صدمة الاغتيال واختبار الشارع
وفقًا لتقرير نشرته "نيويورك تايمز"، جاء اغتيال خامنئي وعدد من كبار شخصيات النظام صباح السبت، في "افتتاحية" العدوان على إيران، وذلك بعد عمليات تتبع دقيقة نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA).
وبحلول صباح الأحد، احتشد آلاف المشيعين في الساحات العامة بطهران، حيث تعالت الهتافات باسم المرشد الراحل، في مشهد يمزج بين الحزن والرغبة في الانتقام.
حكم خامنئي (86 عامًا) إيران لـ36 عامًا بصفة مرشد أعلى، ليكون صاحب أطول فترة حكم في الشرق الأوسط. وفي حين رآه أنصاره كشخصية كاريزمية حوّلت إيران إلى قوة إقليمية صلبة في وجه واشنطن وتل أبيب، اعتبره معارضوه رمزًا لنظام قمع الحريات. لكن الثابت أن مكانته كمرجع ديني منحته سلطة تجاوزت الحدود الجغرافية لإيران.
وبينما يُعد اغتياله بلا شك أهم تطور في الساعات الأولى من العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، فإن ما سيحدث لاحقًا ومن سيخلفه في قيادة البلاد لا يزال غامضًا. فالمسألة لا تتصل بغياب الشخصية الأقوى في البلاد فحسب، بل بقدرة البنية التي صنعت سلطته على امتصاص الضربة وتحويلها إلى مناسبة للتماسك، لا للانهيار.
على الصعيد الميداني، فجّر العدوان ردود فعل فورية، حيث طالت الضربات الإيرانية مواقع في دول الخليج وناقلات نفط في خليج عمان. ولم يبقَ ارتداد الاغتيال داخل الحدود الإيرانية. ففي لبنان، انزلقت الجبهة إلى تصعيد واسع منذ مطلع الأسبوع، بعد إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل، قبل أن تتبع ذلك أوامر إخلاء إسرائيلية غير مسبوقة للضاحية الجنوبية ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع، وما رافقها من موجات نزوح جماعي وغارات عنيفة.
هكذا بدا أنّ اغتيال خامنئي لم يفتح فقط معركة الخلافة في طهران، بل سرّع أيضًا تمدّد الحرب إقليميًا، بما يجعل أيّ اهتزاز في المركز الإيراني أكثر خطورة على الجبهات المرتبطة به.
مؤسسات "الفقيه": آليات الاستمرارية في وجه الفراغ
رغم رمزية خامنئي التي جسدت قيم الثورة الإسلامية عام 1979، وقيم سلفه، روح الله الخميني، فإن اغتياله لا يعني سقوط النظام برمته.
هنا تحديدًا تكمن خصوصية النظام الإيراني. فالجمهورية الإسلامية ليست "نظام الرجل الواحد" بالمعنى الكلاسيكي، رغم الثقل الاستثنائي الذي مثّله خامنئي، بل هو منظومة مؤسسات (الحرس الثوري، مجلس صيانة الدستور، مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الخبراء) تمتلك بروتوكولات واضحة للاستمرارية.
ووفق الآلية الدستورية، تولّى "مجلس قيادة مؤقت" يضم الرئيس مسعود بزشكيان، وعضو مجلس صيانة الدستور رجل الدين البارز علي رضا أعرافي، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ممارسة صلاحيات المرشد موقتًا، ريثما يختار مجلس الخبراء خليفةً دائمًا خلال مهلة تصل إلى ثلاثة أشهر.
صحيح أنّ مجلس الخبراء هو الجهة المخوّلة دستوريًا اختيار المرشد، لكنّ القرار الفعلي لا يُتخذ في فراغ. فالحرس الثوري، والمؤسسة الدينية، والشبكات الأمنية والسياسية المتراكمة خلال عقود، ستلعب جميعها دورًا حاسمًا في ترجيح الاسم المقبل ورسم حدوده.
استراتيجية ترمب ونموذج فنزويلا
على الرغم من حثّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب للإيرانيين على "استعادة بلادهم"، وقوله إن "ساعة حريتهم قد حانت"، إلا أن المؤشرات الميدانية لا توحي بانهيار وشيك للنظام.
وبحسب قناة "سي بي سي"، يرى الخبراء أن القوة الجوية وحدها نادرًا ما تنجح في تغيير الأنظمة من دون تدخل بري أو انشقاق عسكري واسع، وهو ما لم يحدث في إيران؛ حيث لا تزال القوات المسلحة ممسكة بزمام الأمور.
ومنذ بدء العدوان، تتّسم رسائل ترمب بشأن أهدافه من الحرب مع إيران تتّسم بالغموض. فبينما أعلن تدمير البرنامج النووي بفعل الضربات الأميركية في يونيو/ حزيران 2025، عاد ليتحدث عن "تهديد وشيك" استوجب العدوان الحالي الذي قد يمتد لخمسة أسابيع أو أكثر.
وقال ترمب الإثنين إنه أمر الجيش بمهاجمة إيران لعرقلة طموحها النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية، متعهدًا بمواصلة الحرب طالما لزم الأمر. وأضاف أن ما وصفه "التهديد الإيراني" كان وشيكًا عندما اتخذ قراره بشن الهجوم، من دون تقديم أي دليل على ذلك.
كما ألمح ترمب إنه يحاول اتباع النموذج الفنزويلي في إيران. ففي الأسابيع التي سبقت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أوائل يناير/ كانون الثاني الماضي، تحدث ترمب عن تغيير النظام.
مع ذلك، وبمجرد أن أصبح مادورو رهن الاحتجاز الأميركي، أعلن ترمب استعداده للعمل مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، بدلًا من محاولة مساعدة زعيمة المعارضة والحائزة على جائزة نوبل، ماريا كورينا ماتشادو، على تولي زمام الأمور في البلاد.
من جهته، حذّر توماس جونو، خبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة أوتاوا، من أن اغتيال خامنئي قد لا يُحدث التغيير الجذري الذي يأمله البعض، وفق "سي بي سي". وكتب جونو:
"قد نتمنى أن تحلّ ديمقراطية علمانية محلّ خامنئي سريعًا، لكن ثمة حقيقتان قاسيتان يجب التعامل معهما:
لا يوجد بديل، ديمقراطي أو غيره، جاهز لتولي السلطة؛
وسجل الولايات المتحدة في هندسة تغيير الأنظمة سيئ للغاية".
وأضاف: "لا توجد لدينا أي مؤشرات تدل على استعداد القوات المسلحة للانضمام إلى المتظاهرين. وطالما أنهم مسلحون، فسيكون من الصعب جدًا على الناس إسقاط النظام بمفردهم".
تغيير النظام أم تغيير السلوك؟
من كاراكاس إلى بغداد: سجلّ الإخفاقات يطارد "ساعة الحرية"
ليست هذه المرة الأولى التي تعد فيها واشنطن شعوبًا واقعة تحت سلطة أنظمة خصمة بأنّ التدخل العسكري سيفتح باب الحرية.
فمنذ عملية "الشعلة" في شمال إفريقيا عام 1942، التي بدأت بإنزال قوات أميركية وبريطانية في المغرب والجزائر، رافق الخطابَ العسكري وعدٌ تحرّري كبير، لكنّ الوقائع السياسية اللاحقة أثبتت أنّ حسابات النفوذ والاستقرار غالبًا ما تتقدّم على خطاب التحرير نفسه.
وتكرّر الأمر بصورة أوضح في العراق عام 1991، حين شجّع جورج بوش الأب العراقيين على أن "يأخذوا الأمور بأيديهم" لإزاحة صدام حسين. لكنّ الانتفاضة التي اندلعت لاحقًا لم تتلقَّ دعمًا أميركيًا حاسمًا، ووُلد أحد أكثر فصول الخذلان السياسي رسوخًا في الذاكرة العراقية.
ثم جاء غزو العراق عام 2003 بوصفه النموذج الأشهر لفشل "هندسة الحرية" بالقوة. فقد قدّم جورج دبليو بوش الحرب يومها باعتبارها طريقًا إلى عراق "موحّد ومستقر وحر"، لكنّ النتيجة كانت سنوات طويلة من الدماء والانهيار والفوضى وصعود الجماعات المتطرفة.
سجل أميركي سيئ في تغيير الأنظمة
-
1942 (عملية الشعلة):وعد روزفلت سكان شمال إفريقيا بالحرية، لينتهي الأمر بصفقات مع قادة موالين لفرنسا الفيشية أبقت الوضع الراهن لسنوات.
كان فرانكلين د. روزفلت أول رئيس أميركي يعد سكان الشرق الأوسط بأن القوة الأميركية ستحررهم من الاستبداد.
جاء ذلك في سياق عملية الشعلة، عندما أنزلت القوات الأميركية والبريطانية قواتها في المغرب والجزائر في نوفمبر/ تشرين الثاني 1942، وهي أول عملية هجومية كبرى للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وأكبر عملية إنزال برمائي في التاريخ حتى ذلك الحين، وفق "واشنطن بوست".
استكمالاً للغزو، وُزِّعت رسالة باللغة العربية، باسم روزفلت، على سكان المنطقة التي كانت آنذاك تحت سيطرة فرنسا الفيشية، المتعاونة مع ألمانيا النازية. وصف البيان غزو الحلفاء بأنه "جهاد عظيم من أجل الحرية"، ودعا المسلمين المحليين إلى المشاركة في دحر أعدائهم المشتركين:
"لقد جئنا لنحرركم... فسلّموا علينا كما نسلّم عليكم، وأعينونا.
إن كنا عطشى فأرشدونا إلى الماء. وإن ضللنا الطريق فأرشدونا إلى أماكن تخييمنا...
أعينونا كما جئنا لنعينكم".
-
1991 (انتفاضة العراق):دعا بوش الأب العراقيين للثورة، وعندما استجابوا، تخلت واشنطن عنهم، مما مكن النظام من سحق الانتفاضة.
فضّل روزفلت عقد صفقة على غرار صفقة ديلسي رودريغيز في فنزويلا مع أميرال من فيشي للحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة تحت قيادة جديدة. واستغرق الأمر قرابة عقد من الزمن قبل أن تنعم أي دولة في شمال إفريقيا بالحرية من السيطرة الأجنبية.
وبعد 50 عامًا، وتحديدًا في فبراير/ شباط 1991، بعد القصف الذي أشعل فتيل حرب الخليج بقيادة الولايات المتحدة، ولكن قبل الهجوم البري الذي أجبر قوات الرئيس العراقي صدام حسين على الانسحاب من الكويت، دعا الرئيس جورج بوش الأب الشعب العراقي إلى الانتفاضة و"أخذ زمام الأمور بأيديهم"، قائلًا:
"ليس لدينا خلاف مع الشعب العراقي. خلافنا مع ذلك الدكتاتور الوحشي في بغداد".
وبعد أن أجبر الجيش الأميركي قوات صدام حسين على التراجع إلى داخل العراق، استجاب الشعب العراقي لدعوة بوش.
-
2003 (غزو العراق):ادعى بوش الابن "تحرير" العراق، فدخلت البلاد في تسع سنوات من الدماء انتهت بظهور تنظيمات متطرفة وكلفة مادية بلغت تريليونات الدولارات.
في عام 2003، انتهج الرئيس جورج دبليو بوش نهجًا مختلفًا لتحقيق الحرية في العراق.
عشية الحرب، ألقى خطابًا سلط فيه الضوء على تغيير النظام كهدف للحملة جاء فيه:
"إن مساعدة العراقيين على تحقيق دولة موحدة ومستقرة وحرة تتطلب التزامنا المستمر...
ليس لدينا أي طموح في العراق، سوى إزالة تهديد وإعادة السيطرة على هذا البلد إلى شعبه...
سنحقق الحرية للآخرين، وسننتصر".
استمرت ما وصفته واشنطن بأنه "عملية تحرير العراق" تسع سنوات دامية. وبعد ثلاث سنوات من انتهائها، عادت القوات الأميركية إلى العراق لمحاربة تنظيم الدولة، الذي نشأ بدوره من السخط والازدراء اللذين ولّدهما الاحتلال الأميركي بعد سقوط صدام حسين.
وبينما يتمتع العراقيون اليوم بحرية أكبر بكثير مما كانوا يتمتعون به في ظل نظام صدام حسين، لا يزال العراق دولةً ممزقةً ومنقسمة، وقد دفع الشعبان العراقي والأميركي ثمنًا باهظًا حتى لهذا الوضع. فوفقًا لجامعة "هارفرد"، بلغت كلفة الحرب الأميركية على العراق 3 مليار دولار أميركي.
وبحسب موقع رسمي يتبع للأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي، ففي عام 2007 كانت الولايات المتحدة تنفق أكثر من 10 مليارات دولار شهريًا في العراق.
"الضربات الافتتاحية ليست المرحلة الحاسمة، بل ما سيليها.
هل هي مستعدة للفوضى الإقليمية التي ستعقب غياب السلطة المركزية في إيران؟