إيران وسيناريوهات الحرب والسلام.. ماذا لو ضربها ترمب؟
منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير/ كانون الثاني، عاد الحديث بقوة عن سيناريو عسكري يستهدف برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية، رغم المؤشّرات عن حوار بين الجانبين، لم تنضج صورته بعد، وإن كان السقف الأميركي محدّدًا له، وهو منع طهران من امتلاك سلاح نووي.
ويقول المسؤولون الأميركيون إنّ ترمب يهدف إلى تفكيك نفوذ إيران في المنطقة الذي تأثر بالفعل بسقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، والضربات التي تعرّض لها حزب الله في لبنان التي كانت ذروتها اغتيال أمينه العام حسن نصر الله في 27 سبتمبر/ أيلول الماضي.
ويأتي الحديث عن ضربات شاملة لإيران في سياق ما يسميه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "تغيير الشرق الأوسط" كله، وليس هزيمة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فقط، أي تغيير الخرائط ومراكز القوة والنفوذ في المنطقة، بما يضمن لإسرائيل اليد الطولى فيها.
تعتبر إيران مرجعية ما سُمّي بمحور المقاومة في المنطقة، وبرحيل نصر الله والأسد والضربات المتتالية لحماس وجماعة الحوثي، فإن إستراتيجية نتنياهو في إخراج إيران من معادلة القوة في المشرق العربي تؤتي ثمارها، وربما تتقدّم خطوة حاسمة إلى الأمام في حال تقاطعت رؤيتا نتنياهو وترمب بخصوص إيران، التي قد تكون الصيد الأثمن لإسرائيل في هذا العقد.
بالمفاوضات أو القوة
تتراوح رؤية ترمب إزاء إيران ما بين مفاوضات تسلبها كل عناصر القوة التي تمنحها النفوذ في المنطقة، والضربات العسكرية التي من شأنها تدمير قدراتها العسكرية وربما تغيير نظام الحكم فيها.
ويدفع نتنياهو في اتجاه الخيار الثاني، معتقدًا أن دعم ترمب غير المحدود لإسرائيل في قطاع غزة يمنحه فرصة نادرة قد لا تتكرر أبدًا، لإنفاذ خطط شبيهة في إيران نفسها، عبر ضربات عسكرية أميركية، أو إسرائيلية-أميركية مشتركة أو منفصلة، مع دعم لوجيستي فعّال.
أعاد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض فرض سياسة "الضغوط القصوى" على إيران بما في ذلك منع صادراتها النفطية تمامًا، كما هدّد باللجوء إلى القوة العسكرية في التعامل معها إذا لم تستجب لدعوته لمفاوضات يأمل أن ينجز من خلالها ما قد يحققه بالحرب أو الضربات العسكرية المؤلمة.
هل تفعلها إسرائيل؟
ونقلت صحيفتا واشنطن بوست ووول ستريت جورنال في فبراير/شباط الماضي عن معلومات استخباراتية أميركية أن إسرائيل "ستحاول على الأرجح توجيه ضربة إلى منشأتي فوردو ونطنز النوويتين الإيرانيتين في الأشهر الستة الأولى من عام 2025".
وأوردت الصحيفتان خيارين محتملين للضربة، يتضمن كل منهما قيام الولايات المتحدة بتوفير الدعم في شكل تزويد بالوقود جوًا، إضافة إلى المعلومات الاستخبارية والمراقبة والاستطلاع.
وعزّز من هذا السيناريو تصريحات لترامب في حينه قال فيها إنه يود "التوصل إلى اتفاق مع إيران، وأفضّل ذلك على قصفها بشدة"، وأنه "إذا توصلنا إلى اتفاق، فإن إسرائيل لن تقصفهم".
على أن هذا الخيار تراجع قليلًا على ما يبدو لصالح آخر يتمثل بقيام الولايات المتحدة نفسها بالعبء الأكبر للضربات العسكرية.
وصلنا لآخر المطاف مع إيران
وبعث الرئيس الأميركي في 5 مارس/آذار رسالة إلى القيادة الإيرانية يقترح عقد محادثات معها. وقال ترامب في مقابلة مع قناة فوكس بيزنس بعد يومين من ذلك: "آمل أن تتفاوضوا، لأن الأمر سيكون أفضل بكثير بالنسبة لإيران".
وقال في تصريحات أخرى للصحفيين في البيت الأبيض في اليوم نفسه :"وصلنا لآخر المطاف مع إيران. سيكون ذلك وقتا مثيرًا للاهتمام. وسنرى ما سيحدث. لكننا وصلنا للحظات الأخيرة. لا يمكن أن نسمح لهم بامتلاك سلاح نووي"، وأضاف: "يوجد وضع مع إيران حيث سيحدث شيء ما قريبًا جدًا. نأمل أن نتمكن من التوصل إلى اتفاق سلام. كما تعلمون، أنا لا أتحدث من منطلق القوة أو الضعف. أنا فقط أقول إنني أفضل أن أرى اتفاق سلام بدلًا من حل آخر، لكن الآخر سيحل المشكلة".
وقال ترمب: "هناك طريقتان للتعامل مع إيران: عسكريا أو إبرام اتفاق.. أفضّل إبرام اتفاق لأنني لا أسعى لإيذاء إيران. إنهم شعب رائع".
تهديد إيران بقصف لم تره من قبل
وبعد ذلك زاد ترمب من حدة تهديداته لإيران في مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز"، في نهاية الشهر الماضي، بـ"قصف لم تره من قبل" في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وتزامنت هذه التهديدات مع استعدادات عسكرية على الأرض تقوم بها الولايات المتحدة، وبحسب تقارير إعلامية قامت الولايات المتحدة أخيرًا بنشر بطارية ثانية من نظام الدفاع الجوي (ثاد) في إسرائيل، إضافة إلى بطاريتي دفاع جوي من طراز باتريوت كما أرسلت حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط.
ونشرت قاذفات بي-2 المعروفة باسم قاذفات الشبح في قاعدة دييغو غارسيا البريطانية-الأميركية بالمحيط الهندي، وهي طائرات قادرة على شن ضربات نووية دقيقة من دون إنذار مسبق.
ولم تترك طهران هذه التحركات من دون رد، فقد هددت بضرب القاعدة إذا تعرضت لهجوم، ونقلت صحيفة "تليغراف" البريطانية عن مسؤول عسكري إيراني أن طهران سترد بحزم على أي اعتداء على أراضيها، مشيرًا إلى أن إيران تمتلك القدرة على استهداف القاعدة باستخدام صواريخ متوسطة المدى، وطائرات مسيّرة انتحارية يصل مداها أربعة آلاف كلم.
قاعدة دييغو غارسيا
وتقع جزيرة دييغو غارسيا على بعد 1600 كم إلى الجنوب من الساحل الجنوبي للهند وسريلانكا، وتستخدمها الولايات المتحدة وبريطانيا قاعدة لهما منذ تفريغها من سكانها بالقوة في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته.
ولعبت القاعدة دورًا كبيرًا في حقبة الحرب الباردة، وفي غزو أفغانستان عام 2001، وحرب الخليج الثانية وغزو العراق عام 2003.
ولا تزال تتمتع بدور مهم في العمليات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.
ويعتبر التهديد الإيراني باستهداف القوات الأميركية في دييغو غارسيا مؤشرًا إلى أن طهران قد توسّع نطاق ردودها العسكرية في حال هوجمت، ليشمل أهدافًا بعيدة عن المنطقة المباشرة للخليج العربي، مما يعزّز المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية أكثر اتساعًا من حدود المنطقة.
شرارة في مستودع بارود
وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف هدّد في 28 مارس/آذار الماضي بأن طهران ستضرب قواعد الولايات المتحدة وقواعد حلفائها في المنطقة إذا نفذّت واشنطن تهديدها بضرب إيران، وقال قاليباف: "إذا تعرض الأميركيون لحرمة إيران فسيكون ذلك مثل شرارة في مستودع بارود قد تفجر المنطقة بأكملها".
وأوضح قاليباف في كلمة ألقاها في يوم القدس السنوي الذي يصادف آخر جمعة من شهر رمضان: "في ذلك الوقت، لن تكون قواعدهم وقواعد حلفائهم في مأمن".
من جهتها نقلت وكالة رويترز في 6 أبريل/نيسان عن مسؤول إيراني كبير طلب عدم نشر اسمه إن بلاده أرسلت تحذيرات للعراق والكويت والإمارات وقطر وتركيا والبحرين من أن أي دعم لهجوم أميركي على إيران، بما في ذلك استخدام الجيش الأميركي المجال الجوي أو أراضي هذه الدول أثناء الهجوم، سيعد عملًا عدائيًا.
وأوضح المسؤول أنه ستكون هناك "عواقب وخيمة عليهم" إذا فعلوا، مشيرًا إلى أن مرشد الجمهورية علي خامنئي وضع القوات المسلحة في حالة تأهب قصوى.
بترايوس: الخطة موجودة منذ 15 عامًا
وتوقع الجنرال ديفيد بترايوس، القائد السابق للمنطقة المركزية الأميركية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق، ألا تقتصر أي عملية عسكرية أميركية محتملة على استهداف المنشآت النووية، بل ستشمل أيضًا الدفاعات الجوية والقواعد الصاروخية.
وقال بترايوس في مقابلة مع “إيران إنترناشيونال” قبل أيام إن الجيش الأميركي يمتلك منذ نحو 15 عامًا خطة شاملة للهجوم على المنشآت النووية، وقال إن الخطة خضعت لتحديثات مستمرة، وإن القوات الأميركية سبق أن أجرت محاكاة عملية لتنفيذها داخل الأراضي الأميركية.
ويوضح بترايوس أن نشر قاذفات الشبح الاستراتيجية “B-2” في قاعدة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، وتنفيذها رحلات متكررة إلى المنطقة، لا يُعد فقط رسالة ردع، بل هو جزء من “الاستعدادات المحتملة” لتنفيذ هجوم عسكري.
وبمقدور هذه القاذفات حمل نوعين على الأقل من القنابل الخارقة للتحصينات، وهما القنبلة الخارقة العملاقة (MOP) التي تزن نحو 14 طنًا، والمخصصة لضرب المنشآت المحصنة بشدة في أعماق الأرض. والثانية، قنبلة أصغر تزن قرابة 2.5 طن، مخصصة لاستهداف المنشآت الواقعة على أعماق أقل.
وبحسب بترايوس فإن إسرائيل لا تملك مثل هذه القنابل، ولا الطائرات القادرة على حملها، قائلاً إنها مدمّرة للغاية ولديها القدرة على إلحاق أضرار هائلة، خاصة وأن كثيرًا من المنشآت النووية الإيرانية تقع في مناطق نائية”.
تهديدات تفاوضية
ورغم زيادة حدة التهديدات المتبادلة بين الإدارة الأميركية وإيران إلا أن كثيرين يرونها تفاوضية، وجزءًا مما يمكن اعتباره "أسلوب ترمب" في التفاوض، للحصول على أكبر قدر من التنازلات من الطرف الآخر قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وفي هذا السياق يرى المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف أن رسالة ترمب إلى خامنئي للتفاوض حول اتفاق نووي جديد هي محاولة لتجنّب العمل العسكري.
وقال ويتكوف لقناة فوكس نيوز في 23 مارس/ آذار: "لسنا بحاجة إلى حل كل شيء عسكريًا"، و"رسالتنا لإيران هي: دعونا نجلس معًا ونرى ما إذا كان بإمكاننا، من خلال الحوار والدبلوماسية، الوصول إلى الحل الصحيح. إذا استطعنا، فنحن مستعدون لذلك. وإذا لم نستطع، فإن البديل ليس خيارًا جيدًا".
هل تكرّر إيران خطأ حزب الله؟
وعلى خلاف ذلك يرى بعض المحللين أن الأمر مختلف هذه المرة، وأن إيران التي نجحت بالنجاة من ضربات عسكرية أميركية محتملة في الماضي، قد لا تنجو هذه المرة، وأن من الأفضل لها ألا تكرر خطأ حليفها في المنطقة حزب الله الذي ظل يقارب التهديدات الإسرائيلية ويُدرجها ضمن المعادلات القديمة للصراع مع تل أبيب، من دون أخذ المستجدات وتغيّر الإستراتيجيات الإسرائيلية في الحسبان، ما انتهى به إلى تلقّي ضربات ساحقة كان منها اغتيال اأينه العام حسن نصر الله.
وتراهن إيران على ما يمكن اعتبارها "معادلة سليماني" القائمة على ضربات متناسبة ومتفق عليها بين الجانبين، وهي معادلة يُظن أنها أصبحت خارج التداول.
ففي الثالث من يناير/ انون الثاني 2020، استهدفت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس قاسم سليماني بغارة بطائرة مسيرة بالقرب من مطار بغداد الدولي، أسفرت عن مقتله و9 آخرين منهم نائب قائد قوات الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس.
وردت إيران في الثامن من الشهر نفسه بهجوم بعشرات الصواريخ الباليستية استهدف قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، وقاعدة أخرى في أربيل تتمركز فيهما قوات أميركية، وتلك معادلة أتاحت للجانبين ادّعاء النصر لكن من دون قتال حقيقي، وهو ما قد لا يتكرّر في مقبل الأيام.