تفتح "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي تجمع السعودية وباكستان وتركيا، مرحلة جديدة من التنسيق الدفاعي بين الدول الثلاث، مع تركيزها على تعزيز التعاون العسكري والصناعات الدفاعية وتكريس مبدأ الردع الجماعي.
وتؤكد الأطراف أن الاتفاقية دفاعية وغير موجهة ضد أي طرف، رغم توقيتها المرتبط بالتحولات الأمنية المتسارعة في الشرق الأوسط.
"لا ترتبط بمساع نووية ولا تهدد دول المنطقة"
وفي هذا الإطار، كتب وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة رائد قرملي على منصة إكس: "لا تمثل الاتفاقية أي توجه لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي/مذهبي، وهي ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، بل ببناء قدرات ذاتية مستدامة".
تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك تجسيدًا لعمق العلاقات الاستراتيجية التاريخية بين الدول الثلاث الممتدة لعقود، وتتويجًا لمفاوضات تفصيلية استمرت لسنوات. تتيح اتفاقية مكة للدفاع المشترك للدول الثلاث المؤسسة تطوير القدرات الدفاعية المشتركة والردع الاستراتيجي ورفع الجاهزية، والعمل على…
— AMB Dr. Rayed Krimly (@Rayedkrimly) August 7, 2026
وشدّد على أن الاتفاقية "ليست تهديدًا لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيدًا في التوتر بين أي دولتين".
كما أشار المسؤول السعودي إلى أن الاتفاقية "لا تأتي على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية والقوية خليجيًا وعربيًا ودوليًا"، كما أنها "لا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات".
انضمام تركيا للاتفاقية
من جانبه، قال مراسل التلفزيون العربي في اسطنبول، عدنان جان، إن أبرز ما يميز اتفاقية مكة للدفاع المشترك هو انضمام تركيا إليها، بعدما كانت اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في سبتمبر/ أيلول 2025 مقتصرة على السعودية وباكستان.
وأوضح أن المفاوضات بين الدول الثلاث استمرت أكثر من عام، وكان من المتوقع أن تتواصل للوصول إلى الصيغة النهائية لبنود الاتفاقية، إلا أن التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، ولا سيما تهديدات الجماعات المسلحة في العراق وهجمات الحوثيين، دفعت الجانب السعودي إلى تسريع توقيع الاتفاق.
وأضاف أن الإعلان التركي جاء مفاجئًا، بعدما أعلنت الرئاسة التركية توجه الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السعودية في زيارة غير معلنة مسبقًا للمشاركة في مراسم توقيع الاتفاقية.
التعاون العسكري والردع الجماعي
وأوضح أن تركيا ستسعى من خلال الاتفاقية إلى تعزيز التعاون العسكري مع السعودية وباكستان، مع التركيز على توسيع الشراكة في الصناعات الدفاعية، إذ تنص إحدى مواد الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات التصنيع العسكري ونقل الخبرات الدفاعية بين الدول الثلاث.
وأشار إلى أن أنقرة تنظر أيضًا إلى الاتفاقية باعتبارها إطارًا للردع الجماعي في ظل ما تعتبره تصاعدًا للتهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها التهديدات الإسرائيلية، موضحًا أن تركيا سبق أن حذرت مرارًا من هذه المخاطر ودعت إلى إنشاء تحالف عربي إسلامي لمواجهتها.
وأضاف أن الاتفاقية تنص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على جميع أطرافها، وهو ما يضعها في إطار الدفاع الجماعي وليس العمل الهجومي.
رسائل طمأنة إلى إيران
ولفت مراسل التلفزيون العربي إلى أن أنقرة حرصت على التأكيد بأن الاتفاقية ذات طابع دفاعي ولا تستهدف أي دولة بعينها، في محاولة لتجنب توتر علاقاتها مع إيران، إذ تواصل تركيا إعلان رفضها أي تدخل عسكري ضد طهران أو إسقاط نظامها، والدعوة إلى تسوية سلمية للأزمات الإقليمية.
واختتم جان بالإشارة إلى أن تنفيذ الاتفاقية سيظل خاضعًا لحسابات سياسية وأمنية معقدة، نظرًا لاختلاف التحديات التي تواجهها كل دولة، سواء التوتر بين باكستان والهند، أو بين السعودية وإيران، أو بين تركيا وإسرائيل، ما يجعل الاتفاقية تحمل، إلى جانب بعدها الدفاعي، رسائل سياسية تعكس توجهًا نحو تعزيز الردع والتنسيق المشترك بين أنقرة والرياض وإسلام أباد.
خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الإقليمي
من جهته، اعتبر الدبلوماسي الباكستاني السابق ورئيس مركز إسلام أباد للدراسات السياسية، حفيظ جاويد، أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تمثل خطوة بالغة الأهمية على المستويين السياسي والأمني، مشيرًا إلى أنها جاءت استجابة لتطلعات نحو بناء إطار تعاون بين الدول العربية والإسلامية لمواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة، خاصة إسرائيل.
وأوضح، في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن الاتفاقية تعكس رغبة مشتركة في تعزيز التعاون للدفاع عن الدول المشاركة ومقدساتها، مؤكدًا أن الهدف منها هو الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، ووصفها بأنها "خطوة نوعية" نحو تحقيق السلام في المنطقة.
هل تقلق الولايات المتحدة من الاتفاقية؟
وقال جاويد إنه لا يرى ما يدعو إلى القلق من الاتفاقية، معتبرًا أنها جاءت في سياق التطورات الأمنية الأخيرة التي أظهرت الحاجة إلى تعزيز قدرات دول المنطقة على حماية أمنها.
وأضاف أن الاتفاقية لا تستهدف أي طرف بعينه، وإنما تهدف إلى تعزيز التضامن بين الدول الإسلامية ومنحها قدرة أكبر على الردع في مواجهة أي اعتداء، مشددًا على أن الغاية الأساسية هي حماية المنطقة ومنع اتساع الصراعات.