الثلاثاء 8 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

اتفاق لم يدخل حيّز التنفيذ لكنه رسم الخليج.. ماذا بقي من معاهدة 1913؟

اتفاق لم يدخل حيّز التنفيذ لكنه رسم الخليج.. ماذا بقي من معاهدة 1913؟

شارك القصة

الفكرة السياسية التي حملتها معاهدة 1913 بقيت جزءًا من الأساس الذي نشأ عليه الخليج الحديث
الفكرة السياسية التي حملتها معاهدة 1913 بقيت جزءًا من الأساس الذي نشأ عليه الخليج الحديث- غيتي
الفكرة السياسية التي حملتها معاهدة 1913 بقيت جزءًا من الأساس الذي نشأ عليه الخليج الحديث- غيتي
الخط
حددت اتفاقية 1913 بين بريطانيا والدولة العثمانية ملامح النفوذ في الخليج، وأسهمت في رسم الأساس السياسي الذي قامت عليه أوضاع الكويت وقطر والبحرين لاحقًا.

في التاسع والعشرين من يوليو/ تموز 1913، جلس وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي والصدر الأعظم العثماني السابق إبراهيم حقي باشا في لندن، ووقّعا اتفاقية تتعلّق بالخليج والأراضي المُحيطة به.

لم يكن بين الموقّعين حاكم من حكّام المنطقة، مع أنّ الاتفاقية تناولت مستقبل الكويت وقطر والبحرين، وحدّدت نطاقات السلطة في صحراء لم تكن تعرف الحدود المستقيمة بمعناها الحديث. حملت الخرائط الملحقة خطوطًا حمراء وخضراء وزرقاء، حاولت تحويل مواطن القبائل ومجالات الحركة والنفوذ إلى وحدات سياسية يمكن إدارتها والاتفاق عليها.

كان يفترض أن تُصدّق الاتفاقية الإنكليزية- العثمانية خلال ثلاثة أشهر. مُدّدت المهلة لاحقًا حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول 1914، لكن الحرب العالمية الأولى وضعت بريطانيا والدولة العثمانية في معسكرين متواجهين، فلم تُستكمل إجراءات التصديق ولم تدخل الاتفاقية رسميًا حيّز التنفيذ.

اتفاقية 1913

مع ذلك، لم تختف خطوطها بانتهاء الورق الذي رُسمت عليه. فقد أرست صيغة للاعتراف بالكويت ككيان مستقل في إدارته، وأخرجت قطر والبحرين من دائرة المطالبة العثمانية، ومنحت بريطانيا إقرارًا بدورها المهيمن في مياه الخليج. تغيّرت الحدود لاحقًا، وسقطت الدولة العثمانية، لكن الفكرة السياسية التي حملتها الاتفاقية بقيت جزءًا من الأساس الذي نشأ عليه الخليج الحديث.

لماذا اجتمعت بريطانيا والدولة العثمانية على خريطة الخليج؟

جاءت الاتفاقية في ذروة التنافس على مستقبل المنطقة. كانت الدولة العثمانية تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها في شرقي الجزيرة العربية، انطلاقًا من البصرة والأحساء ونجد ووجودها العسكري في قطر، فيما كانت بريطانيا تنظر إلى الخليج باعتباره خطًا استراتيجيًا يصلها بالهند.

زاد مشروع سكة حديد بغداد من حساسية الصراع. فقد كان المشروع المدعوم ألمانيًا يهدف إلى مد خط حديدي من الأناضول إلى بغداد، ثم باتجاه البصرة وساحل الخليج. أثار احتمال وصول النفوذ الألماني والعثماني إلى الكويت قلق لندن، التي خشيت أن ينافس ذلك موقعها البحري ويهدد الطريق إلى الهند.

دفعت هذه المخاوف بريطانيا إلى البحث عن تسوية شاملة مع إسطنبول. تعترف لندن بشيء من الارتباط الشكلي بين بعض مشيخات الخليج والدولة العثمانية، مقابل اعتراف عثماني بالوقائع التي صنعتها الاتفاقيات البريطانية مع حكام المنطقة.

تحولت المفاوضات بذلك إلى محاولة لترجمة التوازن القائم على الأرض: سيادة عثمانية تتراجع، حضور بريطاني يتوسع، وحكام محليون يديرون مناطقهم باستقلال عملي من دون أن تكون أوضاعهم القانونية قد حُسمت تمامًا.

الكويت.. منطقة واحدة بلونين

شكّلت الكويت أكثر أجزاء اتفاقية 1913 تفصيلًا وتعقيدًا. فقد كانت الدولة العثمانية تعدّها جزءًا من ولاية البصرة، في حين أبرم الشيخ مبارك الصباح اتفاقًا سريًا مع بريطانيا عام 1899 تعهّد فيه بعدم التنازل عن أراضٍ أو إبرام اتفاقيات مع قوى أخرى من دون موافقة لندن.

بحث الطرفان عن صيغة تجمع الموقفين: نصّت الاتفاقية على أن الكويت تشكل "قضاءً مستقلًا إداريًا" ضمن الدولة العثمانية، وأن يرفع حاكمها العلم العثماني، مع إمكان إضافة اسم الكويت إليه.

في المقابل، تعهّدت إسطنبول بعدم التدخل في شؤونها الداخلية أو وراثة الحكم فيها، وبعدم القيام بأي عمل إداري أو عسكري داخل أراضيها.

تجنّب النص استخدام كلمتي "السيادة" و"التبعية"، لأن بريطانيا والدولة العثمانية لم تكونا تفهمان وضع الكويت بالطريقة نفسها. خرجت الاتفاقية نتيجة لذلك بصيغة تسمح لكل طرف بقراءة مختلفة: ارتباط عثماني اسمي من جهة، واستقلال إداري كامل تحت مظلة النفوذ البريطاني من جهة أخرى.

اتفاقية 1913

قسّمت الخريطة المُلحقة الأراضي المُرتبطة بالكويت إلى نطاقين:

  • أحاط الخط الأحمر بالمنطقة التي يتمتع فيها الشيخ باستقلال إداري كامل، ورسم شبه دائرة تمتد من خور الزبير شمالًا إلى منطقة القرين جنوبًا، وتضم جزرًا بينها بوبيان ووربة وفيلكا.

  • أحاط الخط الأخضر بمنطقة أوسع بكثير، تمتد من جنوب أم قصر وصفوان وجبل سنام، مرورًا بحفر الباطن، حتى ساحل الخليج قرب جبل منيفة.

لم تُمنح الكويت في هذا النطاق السيادة نفسها، وإنما اعترفت الاتفاقية بتبعية القبائل المقيمة فيه للشيخ، وبحقه في جمع الرسوم وممارسة صلاحيات إدارية عليها. كما تعهد العثمانيون بعدم إقامة حاميات أو تنفيذ تحركات عسكرية هناك من دون تفاهم مع بريطانيا.

لم يكن الخطان حدّين لدولة بالمعنى الحالي. عبّرا عن درجتين مختلفتين من السلطة: مركز يخضع لإدارة كويتية كاملة، ومجال قبلي أوسع يتمتع فيه الحاكم بالنفوذ وجمع الموارد.

قطر.. خط أزرق ينهي المطالبة العثمانية

في قطر، كانت الدولة العثمانية تحتفظ بحامية في الدوحة وتعدّ شبه الجزيرة جزءًا من نطاقها الإداري في نجد. غير أنّ سلطتها الفعلية بقيت محدودة، فيما رسّخ الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني حكمًا محليًا واسع الاستقلال.

رسمت المادة الحادية عشرة من الاتفاقية خطًا أزرق يبدأ من خليج مقابل جزيرة الزخنونية، ثم يتجه جنوبًا نحو الربع الخالي. كان الهدف تحديد الطرف الشرقي لسنجق نجد العثماني وفصله عن شبه جزيرة قطر.

حملت المادة ما هو أهم من الخط نفسه. فقد تخلّت الدولة العثمانية عن جميع مطالباتها بشبه جزيرة قطر، واعترفت باستمرار حكم الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني وخلفائه. تعهدت بريطانيا في المقابل بمنع حاكم البحرين من التدخل في الشؤون الداخلية لقطر أو المساس باستقلالها الإداري أو ضمها.

لم يرسم الخط الأزرق الحدود الجنوبية لدولة قطر بصورتها الحالية. كان في الأساس حدًا لنطاق المطالبة العثمانية، لا تسوية كاملة بين قطر وجيرانها. لهذا استمرت أسئلة الحدود البرية والبحرية والجزر بعد الاتفاقية عقودًا، وخضعت لاتفاقات وقرارات لاحقة.

بقيت الحامية العثمانية في الدوحة حتى عام 1915، رغم النص على إنهاء الوجود العثماني. أبرمت بريطانيا بعد انسحابها معاهدة منفصلة مع الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني عام 1916، وضعت العلاقة بين الطرفين ضمن إطار الحماية البريطانية.

البحرين.. اعتراف بالاستقلال من دون ضم بريطاني

كانت السيطرة العثمانية على البحرين أضعف من حضورها في قطر، لكنها احتفظت بمطالبات سياسية وتاريخية بالجزر.

حسمت المادة الثالثة عشرة هذه المسألة بنص صريح:

تتخلّى الدولة العثمانية عن جميع مطالباتها بجزر البحرين وتعترف باستقلال البلاد.

قابل ذلك إعلان بريطاني بعدم وجود نيّة لضمّ البحرين إلى أراضي الإمبراطورية البريطانية.

لم يعن هذا انتهاء الهيمنة البريطانية، فقد كانت لندن قد أبرمت سلسلة اتفاقيات مع حكام البحرين منحتها نفوذًا واسعًا في شؤونهم الخارجية. جاء النص ليؤكد نموذجًا استخدمته بريطانيا في الخليج: كيان محلي مستقل من الناحية الاسمية، مرتبط بها باتفاقيات تمنع القوى المنافسة من دخول مجاله. تناولت الاتفاقية أيضًا صيد اللؤلؤ، الذي كان يُمثّل عصب الاقتصاد الخليجي قبل النفط، فضمنت ألا تُفرض على الرعايا العثمانيين رسوم أعلى من تلك المفروضة على بقية العاملين في هذا القطاع.

من يملك البحر؟

لم تقتصر الاتفاقية على اليابسة. فقد اعترفت الدولة العثمانية في مادتها السادسة عشرة بالدور الذي كانت بريطانيا تؤديه في مياه الخليج وعلى السواحل التابعة للمشيخات المستقلة جنوب قطر حتى المحيط الهندي.

شمل هذا الدور إجراء المسوحات البحرية، وتشغيل المنارات، ووضع العوامات، وتنظيم الإرشاد الملاحي، وممارسة الشرطة البحرية، وفرض تدابير الحجر الصحي.

قدمت بريطانيا هذه الأنشطة باعتبارها خدمات للملاحة ومكافحة للقرصنة وحماية للتجارة. حمل النص في جوهره اعترافًا عثمانيًا بأن القوة البحرية صاحبة اليد العليا في الخليج هي بريطانيا.

اتفاقية 1913

لم تكتف لندن بالحصول على ترتيبات تخص الكويت وقطر والبحرين، وإنما حوّلت تفوّقها الفعلي في البحر إلى وضع تقبله القوة الإمبراطورية المنافسة.

هنا تظهر الأهمية الأوسع للاتفاقية. فقد فصلت بين مجال عثماني بري ينحسر باتجاه العراق ونجد، ومجال بحري وساحلي تتصدره بريطانيا وترتبط فيه بالحكام المحليين عبر اتفاقيات منفصلة.

لماذا بقيت الاتفاقية رغم عدم التصديق عليها؟

منعت الحرب العالمية الأولى اتفاقية 1913 من اكتساب قوة المعاهدة النافذة. انضمت الدولة العثمانية إلى القوى المركزية، ودخلت في مواجهة مع بريطانيا، فسقطت التسوية التي كان الطرفان قد توصلا إليها قبل أشهر.

تغيرت الخريطة السياسية بسرعة. انهارت الدولة العثمانية بعد الحرب، وخضعت العراق للانتداب البريطاني، وصعد عبد العزيز آل سعود قوةً حاكمة في وسط الجزيرة العربية، فيما عزّزت بريطانيا شبكة معاهداتها مع مشيخات الخليج.

لم تعد الاتفاقية قابلة للتطبيق بوصفها حزمة متكاملة، لكن أطرافًا لاحقة استعادت بعض خطوطها وأفكارها لأنّها كانت أول محاولة مكتوبة ومفصلة لتحديد نطاقات السلطة في المنطقة.

في الكويت، انتهى الارتباط العثماني نهائيًا مع الحرب، وحل محله اعتراف بريطاني باستقلال الإمارة تحت الحماية. استخدم اتفاق العقير عام 1922 جزءًا من الخط الأحمر الوارد في اتفاقية 1913 عند رسم الحدود بين الكويت ونجد، لكنه اقتطع معظم المنطقة الخارجية التي كانت داخل الخط الأخضر، وأنشأ منطقة محايدة بين الكويت ونجد.

خسرت الكويت بذلك نحو ثلثي المجال الذي كانت الاتفاقية السابقة قد اعترفت بنفوذ حاكمها فيه.

اتفاقية 1913

استمر أثر الخط الأخضر بصورة أوضح في الشمال. فقد أسهم وصفه للمنطقة الواقعة بين الكويت والعراق في التفاهمات التي جرى تثبيتها بالمراسلات المتبادلة عام 1932، ثم في الاتفاق العراقي الكويتي عام 1963.

بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، تولت لجنة تابعة للأمم المتحدة وضع الإحداثيات الدقيقة للحدود استنادًا إلى اتفاقات القرن العشرين اللاحقة، التي حملت بدورها بعضًا من إرث خطوط 1913.

في قطر، بقيت المادة الحادية عشرة دليلًا تاريخيًا على اعتراف بريطانيا والدولة العثمانية بسلطة آل ثاني على شبه الجزيرة.

واستعادت محكمة العدل الدولية الاتفاقية في حكمها الصادر عام 2001 بشأن النزاع بين قطر والبحرين، واعتبرت أن المعاهدات الموقعة غير المصدّق عليها قد تمثل تعبيرًا دقيقًا عن فهم أطرافها للواقع عند توقيعها.

واستخدمت المحكمة نص 1913 بوصفه دليلًا على نظرة القوتين إلى مدى سلطة حاكم قطر، لا بوصفه معاهدة نافذة تحسم وحدها جميع النزاعات.

أما في البحرين، فترسخ المبدأ الذي أعلنته الاتفاقية: انتهاء المطالبة العثمانية وبقاء البلاد كيانًا منفصلًا. تعزز هذا الوضع لاحقًا تحت الحماية البريطانية، حتى نالت البحرين استقلالها عام 1971.

ماذا بقي من خطوط 1913؟

لم تبق الخريطة التي رسمها غراي وحقي باشا على حالها. تقلص المجال الكويتي في الجنوب، ورُسمت حدود قطر والسعودية والإمارات في مسارات تفاوضية أخرى، وظلت جزر ومياه موضع نزاعات امتدت حتى نهاية القرن العشرين.

بقيت، في المقابل، ثلاثة مبادئ صنعتها الاتفاقية أو كرستها:

  • أولها أنّ الكويت ليست امتدادًا إداريًا عاديًا لولاية البصرة، وإنما كيان يتمتع بحكم مستقل وأرض يمكن تعريفها على الخريطة.
  • ثانيها أن قطر والبحرين وحدتان سياسيتان منفصلتان عن المجال العثماني وعن بعضهما بعضًا.
  • ثالثها أن بريطانيا أصبحت القوة التي تدير النظام البحري والعلاقات الخارجية على الساحل العربي للخليج.

لهذا لا يمكن القول إن اتفاقية 1913 رسمت وحدها الحدود الحالية لدول الخليج. الأدق أنها رسمت الهيكل الذي بُنيت داخله تلك الحدود: كيانات محلية منفصلة، خطوط تحل محل مجالات النفوذ المرنة، وقوة استعمارية تتولى الاعتراف والحماية وتحديد من يملك الأرض ومن يتحرك في البحر.

لم تدخل الاتفاقية حيّز التنفيذ، لكن التاريخ احتفظ بما هو أبقى من نفاذها القانوني. فقد تحولت الخريطة غير المصدّق عليها إلى مسودة أولى لنظام إقليمي ما زالت دول الخليج.


المراجع:

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي