توعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأربعاء، إيران بضربات أقوى من تلك التي تعرضت لها خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في حال عدم التوصل إلى اتفاق يضع حدًا نهائيًا للحرب.
وقال ترمب، في منشور على منصته "تروث سوشال": "بافتراض أن إيران وافقت على الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وهو افتراض كبير، ستنتهي عملية "ملحمة الغضب" الأسطورية بالفعل، وسيسمح الحصار الفعّال بفتح مضيق هرمز أمام الجميع، بمن فيهم إيران".
"المرور الآمن" من مضيق هرمز بعد انتهاء التهديدات
وأضاف ترمب: "إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون، للأسف، على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من قبل"، حسب قوله.
كما نقلت صحيفة "نيويورك بوست" عن ترمب قوله إنه من السابق لأوانه البدء بالتفكير في محادثات مباشرة مع إيران، وذلك بعد أن أفاد موقع "أكسيوس" بأن واشنطن وطهران تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب.
من جهتها، نقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن بحرية الحرس الثوري الإيراني، أن المرور الآمن عبر مضيق هرمز سيحدث مع انتهاء التهديدات الأميركية وتطبيق إجراءات جديدة، وذلك في أول رد فعل من طهران على تعليق الولايات المتحدة عملياتها لمساعدة السفن العالقة على عبور المضيق.
ولم يحدد بيان الحرس الثوري طبيعة الإجراءات الجديدة، واكتفى بتوجيه الشكر لأصحاب السفن وأطقمها لالتزامهم باللوائح الإيرانية في أثناء عبورهم المضيق.
مسار تفاوضي وآخر عسكري
وفي هذا الإطار، يرى مدير وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي للأبحاث، مروان قبلان، في حديث للتلفزيون العربي من الدوحة، أن التطورات الأخيرة في الملف الإيراني لا تعكس تحولًا مفاجئًا أو "انقلابًا" من التصعيد العسكري إلى التهدئة السياسية، بقدر ما تعبّر عن ديناميكية قائمة منذ البداية على مسارين متوازيين: مسار تفاوضي مستمر بين الولايات المتحدة وإيران، ومسار عسكري يُستخدم كوسيلة ضغط لدفع المفاوضات إلى الأمام.
وخلال الفترة الماضية، شهدت الاتصالات بين الطرفين تبادلًا مكثفًا للمقترحات والردود. وقدّمت إيران عرضًا متكاملًا يتضمن 14 نقطة، جاء ردًا على مقترح أميركي سابق مؤلف من 10 نقاط.
ويتضمن العرض الإيراني بنودًا أساسية، من بينها تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة تصل إلى 15 عامًا، وإيجاد صيغة لمعالجة مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، سواء عبر خفض مستوى التخصيب أو نقل هذا المخزون إلى خارج البلاد، وذلك بالتوازي مع مطلب فتح مضيق هرمز ورفع الحصار المفروض عليها.
صعوبة الحسم العسكري
ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رفضه لهذه النقاط، فإن هذا الموقف لم يُترجم إلى رفض رسمي من قبل الإدارة الأميركية، ما يشير إلى أن قنوات التفاوض بقيت مفتوحة، وأن النقاش استمر حول النقاط الخلافية.
وفي موازاة ذلك، جاءت التحركات العسكرية الأميركية، ومنها ما سُمّي بـ"مشروع الحرية" في مضيق هرمز، لتُفسَّر في إطار الضغط التفاوضي أكثر من كونها محاولة لحسم عسكري مباشر.
فبحسب قبلان، تدرك واشنطن صعوبة فتح المضيق بالقوة العسكرية، نظرًا لتعقيدات الجغرافيا وطبيعة الأدوات التي تستخدمها إيران، مثل الألغام والزوارق السريعة. لذلك، كان الهدف الأقرب هو إنشاء ممرات آمنة تسمح بمرور السفن العالقة، وليس بالضرورة كسر السيطرة الإيرانية بشكل كامل.
ويشير قبلان إلى أن الساعات الأخيرة شهدت ما يشبه "حلحلة" في بعض القضايا العالقة، وهو ما قد يفسر قرار تعليق العملية العسكرية مؤقتًا، بهدف عدم عرقلة التقدم الذي تحقق في المسار التفاوضي. ويؤكد أن هذا التطور لا يعني انتهاء الضغوط، بل يعكس إعادة ترتيب للأدوات المستخدمة بين الضغط العسكري والدبلوماسية.
كما يلفت إلى وجود دور محتمل للوساطات الدولية في هذا التقدم، خاصة التحرك الصيني، في ضوء زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين، والتي يُعتقد أنها حملت رسائل أو مقترحات ساهمت في تقريب وجهات النظر. ويأتي ذلك أيضًا في سياق أوسع من التحركات الدولية المرتقبة، بما في ذلك زيارات دبلوماسية قد تؤثر على مسار التفاوض.
ترتيبات أمنية إقليمية أوسع
أما على صعيد جوهر الخلاف بين الطرفين، فيوضح قبلان أن هناك تباينًا واضحًا في ترتيب الأولويات. فإيران تعتمد مقاربة تدريجية تقوم على مراحل: تبدأ بإنهاء الحرب ورفع الحصار وفتح المضيق، ثم تنتقل لاحقًا إلى مناقشة الملف النووي، وصولًا إلى ترتيبات أمنية إقليمية أوسع. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى قلب هذا الترتيب، من خلال البدء أولًا باتفاق حول البرنامج النووي، مع الإبقاء على الحصار كورقة ضغط رئيسية، ثم الانتقال لاحقًا إلى الملفات الأخرى مثل الملاحة في المضيق ورفع العقوبات.
ويؤكد قبلان أن تمسك واشنطن بورقة الحصار يعود إلى تأثيرها العميق على الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني من معدلات تضخم مرتفعة وتراجع كبير في قيمة العملة، فضلًا عن خسائر تمتد إلى قطاعات متعددة، ما يجعل هذه الأداة فعالة في دفع طهران نحو تقديم تنازلات.
وفي المحصلة، يرى قبلان أن الطرفين يدركان جيدًا كلفة المواجهة العسكرية الشاملة، وأن الخيارات غير التفاوضية تبقى محفوفة بالمخاطر وغير مرغوبة من الجانبين. لذلك، يستمر التوازي بين الضغط العسكري والمسار السياسي، في محاولة للوصول إلى تسوية، وإن كانت هذه العملية تبقى عرضة للتعثر في أي لحظة، نظرًا لتعقيد الملفات المطروحة واعتمادها على مبدأ "الاتفاق الشامل أو لا اتفاق".