أصدرت وزارة الحرب الأميركية، يوم أمس الجمعة، استراتيجيتها الدفاعية الجديدة التي تُعطي الأولوية لأمنها الداخلي وردع الصين، مع تقديم دعم “أكثر محدودية” لحلفاء واشنطن في أوروبا ومناطقَ أخرى.
وهذه الوثيقة هي الأولى من نوعها منذ عام 2022، وتُمثّل تحوّلًا واضحًا عن النهج السابق للبنتاغون، سواء لجهة مُطالبة حلفاء الولايات المتحدة بتحمّل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن أنفسهم، أو من حيث اعتماد نبرة أقل حدّة تجاه الخصمين التقليديين لواشنطن، الصين وروسيا.
وتشير الوثيقة، التي نُشرت بعد أسبوع من أزمة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي على خلفية ملف غرينلاند، إلى أن “القوات الأميركية ستركّز على الدفاع عن الأراضي الأميركية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ".
ودعت الاستراتيجية حلفاء واشنطن إلى تحمّل "مسؤولية أمنهم الذاتي"، منتقدةً اعتماد شركائها من أوروبا إلى آسيا على الإدارات الأميركية السابقة في دعم قدراتهم الدفاعية، ومطالبةً إياهم بـ"تحوّل جذري في النهج والأسلوب".
كما أكدت الوثيقة المكونّة من نحو 34 صفحة، أنّه لن يُسمح لإيران مطلقًا بالحصول على أسلحة نووية.
بين الصين وروسيا
ويأتي هذا التحوّل مقارنة بالاستراتيجية الدفاعية السابقة الصادرة في عهد الرئيس الديموقراطي جو بايدن، والتي صنّفت الصين على أنها التحدي الأكبر للولايات المتحدة، واعتبرت روسيا “تهديدًا خطيرًا” للأمن الدولي.
في المقابل، تدعو الوثيقة الجديدة إلى إقامة “علاقات قائمة على الاحترام” مع بكين، من دون أي إشارة إلى تايوان، الحليفة التقليدية لواشنطن والتي تعتبرها الصين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها.
كما تصف التهديد الروسي بأنّه “مستمر لكنّه قابل للاحتواء”، مع الإشارة إلى أنّ تداعياته تطال عددًا من دول حلف شمال الأطلسي.
وعلى الرغم من أن استراتيجيتَي الدفاع في عهدي بايدن ودونالد ترمب تشتركان في التأكيد على أولوية حماية الأمن القومي الأميركي، فإن توصيف التهديدات ومصادر الخطر يختلف بصورة جوهرية بين النهجين.
وتنصّ وثيقة عام 2026 على أنّ البنتاغون “سيعطي الأولوية للجهود الرامية إلى إغلاق حدودنا، وصدّ أي شكل من أشكال الغزو، وترحيل المهاجرين غير النظاميين”، في إشارة واضحة إلى ربط الاستراتيجية الدفاعية بملفات الهجرة والأمن الداخلي.
وفي المقابل، كان بايدن قد ركّز في استراتيجيته على الصين وروسيا، معتبرًا أنهما تشكلان “تحديات أكثر خطورة على الأمن والسلامة الداخلية” من أي تهديد إرهابي، كما صنّفت إدارته تغيّر المناخ على أنه “تهديد ناشئ”، وهو ما تغفله تمامًا استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة.
موقف حازم إزاء إيران
وأكدت الوثيقة أنّ إيران لا تزال تمثل تحديًا استراتيجيًا مستمرًا، مشيرة إلى أنّ طهران عازمة على إعادة بناء قواتها العسكرية التقليدية رغم ما أسمتها "الانتكاسات الشديدة" التي تعرّضت لها خلال الأشهر الأخيرة.
وقالت الوثيقة إنّ قيادة إيران تركت الباب مفتوحًا أمام احتمال سعي طهران مرة أخرى للحصول على سلاح نووي، "ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات أمنية معقدة".
وأكدت أنّه "لن يُسمحَ لإيران مطلقًا بالحصول على أسلحة نووية".
"عقيدة مونرو"
وعلى غرار “استراتيجية الأمن القومي” التي نشرها البيت الأبيض مطلع ديسمبر/ أيلول، تضع الوثيقة الجديدة أميركا اللاتينية في صدارة الأولويات الجيوسياسية والعسكرية للولايات المتحدة.
وجاء في الاستراتيجية أنّ واشنطن “ستُعيد ترسيخ الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة في القارة الأميركية، وستستخدمها لحماية الوطن وضمان الوصول إلى مناطق رئيسية في المنطقة”، ووصفت هذا التوجّه بأنّه “ملحق ترامب لعقيدة مونرو”.
وفي هذا السياق، برر الرئيس الأميركي عملية القبض على نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو بالحاجة إلى استعادة النفوذ الأميركي الكامل في قارة أميركا الجنوبية واللاتينية من دون أي منازع.