Skip to main content

استقالة ناجي عيسى.. من تسوية أزمة مصرف ليبيا المركزي إلى أسئلة الرحيل الغامض

الثلاثاء 11 أغسطس 2026
غادر عيسى منصبه في وقت يواجه الاقتصاد الليبي ضغوطًا متزايدة واختلالات مالية متراكمة - مصرف ليبيا المركزي/ فيسبوك

قدّم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته من منصبه، في خطوة تعيد إلى الواجهة أزمة إدارة المؤسسة النقدية الأهم في البلاد، بعد أقل من عامين على توليه المنصب ضمن تسوية سياسية أنهت مواجهة كادت تعصف بإنتاج النفط وتزيد الانقسام المالي في ليبيا.

وأكد عيسى تقديم استقالته في تصريح لوسيلة إعلام محلية، نافيًا في الوقت نفسه علاقته بتسريب خبر الاستقالة إلى وسائل الإعلام.


"أسباب حساسة"


وأظهرت وثيقتان انتشرتا على مواقع التواصل الاجتماعي أن عيسى وجه طلب الاستقالة إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في 9 أغسطس/ آب، موضحًا أنه يعتذر عن مواصلة مهامه "دون ذكر الأسباب لحساسيتها".

وترك عدم كشف عيسى في خطاب استقالته عن الأسباب التي دفعته إلى طلب مغادرة منصبه مساحة واسعة للتكهنات بشأن طبيعة الخلافات التي سبقَت القرار.

وفي المقابل، دعا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة عيسى إلى مواصلة أداء مهامه مؤقتًا، إلى حين النظر في طلب الاستقالة وفق الإجراءات القانونية.

وبرّر تكالة ذلك بالحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي والسياسي. بينما لم يعلن مجلس النواب موقفًا نهائيًا من طلب الاستقالة.

وتداولت وسائل إعلام محلية قراءات تربط الاستقالة بضغوط تتعلق بالإنفاق العام والإيرادات النفطية والسياسة النقدية، إلا أن هذه التفسيرات لا تمثل حتى الآن سببًا معلنًا من عيسى نفسه.

كما جاءت الاستقالة في وقت يواجه الدينار الليبي ضغوطًا متزايدة في السوق الموازية، إذ تجاوز سعر الدولار 9 دنانير خلال تعاملات الاثنين، واقترب في بعض التعاملات من حاجز 10 دنانير.


من أزمة الكبير إلى عيسى


ويعيد قرار عيسى التذكير بالطريقة التي وصل بها إلى قيادة المصرف في أكتوبر/ تشرين الأول 2024. فقد جاء تعيينه بعد أزمة حادة اندلعت في أغسطس 2024، عندما أقدم المجلس الرئاسي على إقالة المحافظ السابق الصديق الكبير.

وأعقب ذلك تصعيد داخل المصرف ومحاولات للسيطرة على مقره، فيما عيّن المجلس الرئاسي عبد الفتاح عبد الغفار محافظًا مؤقتًا. ووصف مجلس النواب ما يجري آنذاك بـ"محاولة اقتحام" مقر المصرف، وأنها "عمل خارج القانون".

وأجبرت المواجهة الكبير على مغادرة البلاد وسط مخاوف أمنية قبل أن يعود إليها لاحقًا، بينما ردت سلطات الشرق بإيقاف إنتاج النفط وتصديره، ما أدى إلى انخفاض حاد في الإنتاج والصادرات خلال الأزمة.

وانتهت الأزمة باتفاق رعته بعثة الأمم المتحدة، أفضى إلى اختيار ناجي عيسى من غرب البلاد محافظًا ومرعي البرعصي من شرقها نائبًا له.

وبعد ذلك، صوّت مجلس النواب في 30 سبتمبر/ أيلول 2024 بالموافقة على تعيينهما. واعتُبر الاتفاق محاولة لإنهاء الخلاف حول السيطرة على المصرف وإعادة توحيد المؤسسة النقدية.


وعود الإصلاح


دخل عيسى المنصب متعهدًا بمعالجة اختلالات هيكلية في الاقتصاد الليبي، وركز خلال فترة توليه على توحيد الإنفاق والسياسة المالية والنقدية، واستعادة الاستقرار في سعر الصرف.

وفي أبريل/ نيسان الماضي، أعلن المصرف اعتماد أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 13 عامًا، وقال عيسى إن الخطوة تستهدف إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي ودعم الدينار من خلال ضبط الإنفاق.

كما عرض عيسى أمام صندوق النقد الدولي رؤية للإصلاح تقوم على توحيد الإنفاق العام ومراجعة السياسات النقدية والمالية والتجارية، إلى جانب توسيع الشمول المالي ورقمنة الاقتصاد.

لكن هذه الإجراءات تزامنت مع استمرار أزمة السيولة واتساع الفارق بين السعر الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية.

وخلال العام الجاري، لجأ المصرف إلى توسيع قنوات بيع النقد الأجنبي وضخ مليارات الدولارات عبر المصارف بهدف تلبية الطلب والحد من نشاط السوق الموازية.


أزمة تتجاوز حدود المصرف


وتأتي استقالة عيسى في اقتصاد يعاني أصلًا من ازدواجية الإنفاق، والانقسام السياسي، والاعتماد الكبير على النفط، إلى جانب ضغوط سعر الصرف وأزمة توفر السيولة النقدية في المصارف.

ومن اللافت أن الرجل الذي وصل إلى منصب المحافظ بوصفه جزءًا من تسوية أنهت أزمة سياسية كادت توقف صادرات النفط، يغادره في وقت تعود فيه الأسئلة نفسها بشأن قدرة المؤسسات الليبية على إدارة السياسة النقدية والمالية بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

وفي حال قبول استقالة عيسى، تبرز تساؤلات بشأن آلية اختيار محافظ جديد، في ظل حساسية المنصب وتعقيدات التوافق بين المؤسسات السياسية المتنافسة.

فعيسى لم يصل إلى المنصب عبر مسار أحادي من أحد طرفي الانقسام الليبي، وإنما بوصفه مرشحًا توافقيًا اتفق عليه مجلسا النواب والدولة، وهو توافق جاء بعد أزمة عميقة كادت تهدد وحدة المصرف نفسه، ما يزيد تعقيد مسألة تسمية خلف له.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة