غداة استهداف القنصلية الأميركية في دبي ليل الثلاثاء الماضي بطائرة مسيّرة، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي في تصريح متلفز أن بلاده لم تستهدف حتى الآن "سفارات الكيان الصهيوني مراعاة لدول العالم".
لكنّ المتحدث أوضح أن هذا الوضع قد يتغيّر في حال استهدفت إسرائيل السفارة الإيرانية في لبنان، قائلًا:
إذا ارتكبت إسرائيل جريمة مماثلة، ستضطرنا لجعل كل السفارات الإسرائيلية في العالم هدفًا مشروعًا لنا.
ومنذ بدء الحرب على إيران التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ السبت الماضي، اقتصر الاستهداف الإيراني على مقارّ البعثات الدبلوماسية الأميركية في دول الخليج العربي، باستثناء حالة وحيدة استُهدفت فيها السفارة الإسرائيلية في العاصمة الإماراتية أبو ظبي.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، مساء الأحد الماضي أن مقر السفارة هناك تعرّض لضرر جراء هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية.
ولإسرائيل سفارتان في أبو ظبي والمنامة اللتين أبرمتا معاهدتي سلام مع تل أبيب عام 2020 برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى، بينما لا توجد علاقات دبلوماسية لإسرائيل مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية وقطر والكويت وسلطنة عُمان).
وافتتحت تل أبيب مكتبًا للتجارة في العاصمة القطرية الدوحة عام 1996، لكن السلطات القطرية أغلقته عام 2000.
وتتسم العلاقة بين الدوحة وتل أبيب بالعداء الذي لم يعد صامتًا، ففي التاسع من سبتمبر/ أيلول 2025 شنّت إسرائيل غارات على العاصمة القطرية استهدفت خلالها مقرًا لقادة من حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وكان الهجوم الإسرائيلي هو الأول الذي يستهدف دولة خليجية.
كما تعرّضت الدوحة في يونيو/ حزيران 2025 لقصف إيراني استهدف قاعدة العديد الأميركية.
وكانت تلك أول مرة تقصف فيها طهران الدوحة رغم أن العلاقات بين البلدين اتسمت بالدفء منذ تسعينيات القرن الماضي.
استهداف السفارات في الخليج
منذ بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على طهران، تتعرّض دول الخليج بالإضافة إلى الأردن والعراق لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يهدّد بقطيعة سياسية على ضفتي الخليج، خاصة أن كثيرًا من هذه الهجمات استهدفت مواقعَ مدنية من بينها فنادق ومباني سكنية، إضافة إلى منشآت الطاقة الحيوية خاصة في السعودية وقطر.
وتقول إيران إنها لا تستهدف دول الجوار الخليجي بل القواعد الأميركية فيها التي تعتبرها "أراض أميركية" وأهدافًا مشروعة.
ويعتبر استهداف السفارات الأميركية أقل ضررًا على إيران من استهداف الإسرائيلية، فهي موجودة في كل دول المنطقة، على خلاف الإسرائيلية التي يُعتقد أنها أخليت من موظفيها قبل الحرب على إيران، وخاصة سفارتي تل أبيب في القاهرة وعمّان، على خلفية العدوان على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
كما أن استهداف أي سفارات إسرائيلية خارج المنطقة تكتنفه كثير من التعقيدات، ويتطلب ترتيبات لوجستية ومخابراتية تحتاج زمنًا أطول من استهداف أي سفارات قريبة.
وحتى لو توافرت هذه الأمور، فإنها قد تضع طهران في مواجهة مع العالم لا دول في منطقة الشرق الأوسط، وتوسّع دائرة العداء لإيران في دول تراهن طهران على دور داعم لها فيها، أو محايد على الأقل أو متحفظًا على الحملة العسكرية الأميركية- الإسرائيلية.
ولجأت إيران من ضمن أسباب أخرى إلى استهداف سفارات وبعثات دبلوماسية أميركية في دول الخليج، كما يُعتقد أنها حاولت ذلك في الأردن والعراق.
فيوم الإثنين الماضي، استهدفت هجمات إيرانية بطائرات مسيّرة سفارة واشنطن في الكويت، وليل الإثنين/ الثلاثاء استهدفت السفارة الأميركية في الرياض بمسيّرتين، وليل الثلاثاء استهدفت القنصلية الأميركية في دبي.
وفي الفترة نفسها، أخلت السفارة الأميركية في العاصمة الأردنية عمّان مقرها مؤقتًا (الاثنين الماضي) بسبب ما قالت إنه تهديد لم توضّح طبيعته.
محطات مفصلية في تاريخ العداء الطويلمن محاصرة السفارة إلى تفجير المارينز
محاصرة السفارة الأميركية في طهران - 1979
بعد سبعة أشهر من إعلان تأسيس الجمهورية الإسلامية، وتحديدًا في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، احتجز طلاب مؤيدون للإمام الخميني ويطالبون بتسليم الشاه المخلوع، دبلوماسيين وموظفين في السفارة الأميركية في طهران.
واستمرت أزمة محاصرة السفارة الأميركية 444 يومًا، احتجز الطلاب خلالها 52 رهينة، وأفرجوا لاحقًا عن عدد منهم لأسباب إنسانية.
وفي أبريل/ نيسان 1989، قطعت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وبعد نحو تسعة أشهر، أطلق سراح آخر الرهائن.
- تفجير مقرّ المارينز في بيروت - 1983
في الثامن عشر من أبريل/ نيسان من العام 1983، هاجم انتحاري بشاحنة محمّلة بالمتفجرات (نحو 900 كيلوغرام) مقر السفارة الأميركية في بيروت، ما أسفر عن مقتل 63 شخصًا، من بينهم17 أميركيًا.
وفي اليوم التالي للهجوم، تحدث السفير الأميركي بلبنان روبرت ديلون الذي نجا بأعجوبة من التفجير، عن أهمية سحب القوات الأجنبية من لبنان لتجنّب تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلًا.
وفي الثالث والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 1983، قام انتحاري آخر بتفجير شاحنة محمّلة بالمتفجرات (نحو 5400 كغم من مادة تي إن تي - TNT) في مقر قوات البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت.
وأسفر التفجير المهول عن مقتل 241 منهم 220 من مشاة البحرية و18 بحارًا وثلاثة جنود، واعتبرت الحصيلة الأسوأ في صفوف القوات الأميركية منذ حرب فيتنام.
وبالتزامن مع هذا التفجير، استهدف تفجير آخر نفذه انتحاري بشاحنة مفخخة مقر القوات الفرنسية في بيروت، ما أسفر عن مقتل 58 مظليًا فرنسيًا، في أكبر خسارة عسكرية فرنسية منذ نهاية حرب الجزائر.
وتسبّب التفجير في اقتلاع المبنى بالكامل من أساساته، ودفعه لمسافة تقارب 6 أمتار من مكانه.
- انسحاب قوات المارينز الأميركية من لبنان - 1984
كان وزير الدفاع آنذاك كاسبار واينبرغر، واحدًا من الذين تبنّوا فكرة عدم تمركز مشاة البحرية الأميركية في الأراضي اللبنانية، وهو ما دفع ريغان في فبراير/ شباط 1984 للأمر بانسحاب قوات المارينز من بيروت، كما انسحبت القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام الدولية من لبنان في العام نفسه.
نفّذت تفجيرات عام 1983 جماعة مجهولة آنذاك تدعى "حركة الجهاد الإسلامي"، وتبيّن لاحقًا أنها تابعة لحزب الله الذي لم يكن قد أعلن عن نفسه رسميًا في ذلك الوقت.
ترمب يتعهد بالانتقام بأثر رجعي
مع بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران السبت الماضي، عادت مهاجمة السفارة الأميركية وتفجير مقر المارينز إلى ذاكرة أطراف الصراع.
فإيران لم تتردّد طويلًا قبل أن تستهدف سفارات وبعثات دبلوماسية أميركية في دول جوارها الخليجي، مراهنة ربما على سابقة تفجيرات بيروت عام 1983 التي أدت إلى الانسحاب الأميركي من لبنان.
ولعلّ طهران افترضت أن ذلك قد يشكّل عامل ضغط على واشنطن لإعادة النظر في حربها عليها، معوّلة في الوقت نفسه على عدم قدرة الرأي العام الأميركي على تحمّل الخسائر البشرية في صفوف قوات بلاده ودبلوماسييها.
على أن الورقة ذاتها (مهاجمة السفارة الأميركية في بيروت وتفجير مقر المارينز) استخدمها ترمب لتبرير الحرب على إيران، مدرجًا إياها في سياق الانتقام بأثر رجعي من طهران التي حمّلها مسؤولية تلك التفجيرات.
ولتجنّب خسائر عام 1983 أغلقت واشنطن سفاراتها في بعض دول المنطقة، فيما أخلت بعضها الآخر ودعت مواطنيها لمغادرة المنطقة، بالتزامن مع استمرار الحرب وتوسّعها وزيادة أهدافها.
وكان ترمب سرد في الكلمة التي أعلن فيها الحرب صباح السبت الماضي ما سمّاها "الأنشطة العدائية للنظام الإيراني"، التي عرّضت وتُعرّض بلاده وقواتها وقواعدها في الخارج للخطر، قائلًا :
من بين أوائل أفعال النظام (الإيراني) دعمه الاستيلاء العنيف على السفارة الأميركية في طهران، واحتجاز عشرات الرهائن الأميركيين لمدة 444 يومًا.
وفي عام 1983 نفّذت أذرع إيران تفجير ثكنات مشاة البحرية في بيروت، الذي أسفر عن مقتل 241 من أفراد الجيش الأميركي.
كما أشار ترمب إلى عمليات أخرى اتهم إيران بتنفيذها، ليخلص إلى أنها كانت "إرهابًا جماعيًا لم نعد نتحمّله".