انتشر مشهد في ساعات قليلة على شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه شاب ملثّم يضرب بعصا فلسطينية تقطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، ويواصل ضربها بعد سقوطها أرضًا.
وقعت الحادثة مؤخرًا في ترمسعيا قرب رام الله، البلدة التي شكلت هذه السنة بؤرة العنف المتزايد من جانب المستوطنين الإسرائيليين ضد سكان الضفة الغربية المحتلة، وصوّر المشهد متطوّع أجنبي، من المفترض أن وجوده في المكان يردع مثل هذه الهجمات.
يقول ياسر علقم، الموظف في بلدية ترمسعيا الذي كان موجودًا في الموقع، لوكالة فرانس برس: إنّ "الجميع كانوا يهربون لأن المستوطنين هجموا فجأة، ربما كان هناك مئة منهم"، مضيفًا أنّ متطوعًا سويديًا أصيب أيضًا بكسر في ذراعه وساقه.
من جانبه، يقول نائل القوق وهو مزارع من ترمسعيا: إنّ "الرد لن يؤدي سوى إلى تأجيج العنف الذي يحظى ببعض الأحيان بدعم من الجيش". ويوضح علقم أنّ أم صلاح أبو عليا (55 عامًا) التي تعرّضت للاعتداء، كانت تنتظر ابنها لمغادرة الحقل.
مزاعم إسرائيلية
وفي مكان غير بعيد عن موقع الهجوم، يظهر علم إسرائيلي مرفوع فوق مستوطنة قيد الإنشاء. ووفق الوكالة نفسها، وصل الجيش الإسرائيلي إلى المكان وأطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشد.
وكان العديد من المستوطنين المهاجمين ملثمين، كما كان واحد منهم على الأقل وهو الشاب الذي اعتدى على المزارعة، يرتدي الملابس التقليدية لليهود الملتزمين دينيًا. وأمر رئيس الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية موشي بينشي عناصره بالعثور على المعتدي، وفقًا لمزاعم وسائل إعلام إسرائيلية.
كما زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي في إفادة لفرانس برس بأنّه "يعمل بالتنسيق مع الشرطة الإسرائيلية لفرض تطبيق القانون بشأن الإسرائيليين المتورّطين" في مثل هذه الأعمال.
وتشهد مدن الضفة العديد من الحوادث المشابهة، حيث يتم منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، أو تعرضوا لهجوم من قبل مستوطنين أو تكبدوا أضرارًا خلال موسم القطاف منذ بداية عام 2025.
ويتزامن تصاعد العنف هذه السنة مع توسع المستوطنات الإسرائيلية في مناطق مهدّدة بالضم من قبل شريحة من الطبقة السياسية الإسرائيلية.
الحرب على الزيتون
ففي بلدة المغير، يندد عبد اللطيف أبو عليا (55 عامًا) بتدمير بستانه من أشجار الزيتون، بأمر من الجيش بعد إصابة إسرائيلي خلال مشاجرة قرب منزله. ويقول لفرانس برس: "أملك عشر دنمات (هكتارات) من أشجار الزيتون، لكن لم يتبقَ لي سوى تلك الموجودة في حديقتي. لقد اقتلعوا كل شيء".
وبينما باتت أرضه جرداء، تظهر على أطرافها ثلاثة منازل نقالة تشير إلى البدء بإنشاء بؤرة استيطانية جديدة. وتعتبر هذه المستوطنات الناشئة غير قانونية بموجب القانون الدولي.
ويقول وزير الزراعة الفلسطيني رزق سليمية: إنّ "هذا أسوأ موسم (قطاف زيتون) منذ ستين عامًا"، لا سيما وأن إنتاج الزيتون الذي يعتبر من أهم صادرات الضفة الغربية، تأثر هذه السنة أيضًا بسوء الأحوال الجوية. وفي مواجهة النطاق غير المسبوق من الهجمات، دعا المجتمع الدولي إلى حماية المزارعين.
هجمات على المزارعين
ووثقت منظمات غير حكومية العديد من الهجمات التي نفذها مستوطنون إسرائيليون ضدّ فلسطينيين في الضفة الغربية، حيث يعيش أكثر من نصف مليون إسرائيلي في مستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وندد مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أجيت سانغاي بـ"هجمات خطيرة"، معربًا عن أسفه لـ"مستويات خطيرة من الإفلات من العقاب" لمرتكبيها.
من جانبه، أحصى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تعرّض 27 قرية في الضفة الغربية لهجمات مرتبطة بموسم القطاف خلال الأسبوع الممتد من السابع إلى 13 أكتوبر/ تشرين الأول وحده.
وقال المكتب: إنّ "الحوادث شملت هجمات ضدّ جامعي الزيتون، وسرقة محاصيل ومعدات، وأعمال تخريب طالت أشجار الزيتون، ما أسفر عن جرحى أو أضرار مادية أو كليهما".
المستوطنون وانتهاكاتهم
وتوجد في الضفة الغربية أكثر من ثمانية ملايين شجرة زيتون لنحو ثلاثة ملايين نسمة، وفقًا للتعداد الزراعي للعام 2021.
ورغم أنّ مواسم القطاف شهدت في السنوات الأخيرة هجمات وأعمال عنف متزايدة شملت مستوطنين إسرائيليين، وجنود ومزارعين فلسطينيين ومتطوعين أجانب، إلا أنّها تشكّل تقليديًا فترة طيبة في حياة الفلسطينيين تجمع المزارعين وكذلك سكان المدن.
واليوم، أصيب عدد من قاطفي الزيتون، بجروح وحالات اختناق وحروق، إثر اعتداءات نفذها الجيش الإسرائيلي ومستوطنون بمناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة.
ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ مستوطنون أكثر من 7 آلاف اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة على غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بينها 158 هجوماً استهدفت قاطفي الزيتون منذ مطلع الشهر الجاري.
وأوضح رئيس الهيئة مؤيد شعبان، في بيان صدر في 21 أكتوبر الجاري، أن الاعتداءات تسببت منذ بداية الموسم في تخريب نحو 795 شجرة زيتون.
ويُعد موسم الزيتون أحد أهم مواسم الزراعة في فلسطين، إذ تعتمد عليه آلاف العائلات كمصدر رئيسي للدخل والمعيشة.