ادعى الاحتلال الإسرائيلي أن تحركات جيشه في بلدة قصرة جنوب شرقي نابلس تهدف إلى "حماية السكان والحفاظ على الأمن"، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات لتحركات المستوطنين الذين يحاصرون منذ أيام منازل فلسطينية في منطقة رأس العين.
وأثار الحصار، الذي طال ثلاث عائلات فلسطينية، انتقادات أميركية لافتة، بعدما وصف سفير واشنطن لدى تل أبيب مايك هاكابي سلوك المستوطنين بأنه "بلطجي" و"مقيت"، مطالبًا بوقف ما اعتبره أعمال ترهيب تستهدف عائلة فلسطينية يحمل أحد أفرادها الجنسية الأميركية.
وبدأ المستوطنون حصار المنازل الأحد، عندما نصبوا خيمة قربها، وسط اتهامات بقطع طرق وصول المياه والكهرباء والإمدادات الغذائية إلى العائلات المحاصرة.
تبريرات إسرائيلية
وزعم الجيش الإسرائيلي أنه تدخل في المنطقة لإزالة تجمعات للمستوطنين و"حماية السكان والحفاظ على الأمن". وكان قد أعلن الأربعاء إرسال قوات إلى المنطقة وإعلانها "منطقة عسكرية مغلقة"، قبل تفكيك خيمة كان المستوطنون يستخدمونها.
وفي اليوم التالي، قال الجيش إنه أرسل قوات إضافية خلال الليل، وفكك تجمعين للمستوطنين قرب المنازل المحاصرة، كما أعلن اعتقال إسرائيلي واحد.
هيئة البث الإسرائيلية: قوات الجيش ستدخل إلى المنازل غير المأهولة فقط في بلدة قصرة بنابلس@WaelTamimi pic.twitter.com/XOmszT0ghI
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 13, 2026
ويقول الجيش إن انتشار قواته يأتي ضمن إجراءات أمنية تستهدف الحد من وجود المستوطنين في المنطقة وحماية السكان، لكن الرواية الإسرائيلية تواجه تشكيكًا فلسطينيًا في ظل استمرار وجود المستوطنين قرب المنازل المحاصرة وانتشار جنود إسرائيليين فوق أسطح منازل فلسطينية، بحسب ما أظهرته مقاطع فيديو متداولة.
وتظهر المشاهد عشرات المستوطنين في محيط المنطقة، في حين يتمركز جنود الاحتلال فوق منازل فلسطينية، وسط تقارير عن إجبار عائلات على مغادرة مساكنها.
وأفادت مصادر محلية بإجبار نحو 20 عائلة فلسطينية على مغادرة منازلها في أنحاء مختلفة من البلدة، كما رصدت مراسلة التلفزيون العربي إخلاء ست عائلات من منازلها، مع احتمال أن يشمل الإخلاء عددًا أكبر من البيوت.
من يحمي من؟
في منطقة رأس العين، تقول العائلات الفلسطينية إن الحصار مستمر منذ أيام، وإن المستوطنين تعمدوا التضييق عليها عبر قطع الكهرباء والمياه ومحاولة منع وصول المواد الغذائية.
طرد الأهالي من منازلهم وحولها إلى ثكنات عسكرية.. رئيس بلدية قُصرة يروي للتلفزيون العربي تفاصيل اقتحام جيش الاحتلال لبلدة قُصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية pic.twitter.com/lB7jyHy3Fr
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 13, 2026
وقالت عائشة حسن، إحدى سكان المنازل المحاصرة، إن إزالة الخيمة لم تنه وجود المستوطنين، مشيرة إلى بقائهم في المناطق القريبة من التلة، مضيفةً أن المنطقة بقيت مغلقة، ما حال دون وصول الطعام والمواد التموينية إلى العائلات.
وقال رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي، في حديثه إلى التلفزيون العربي، إن الواقع الميداني يختلف عن الرواية الإسرائيلية بشأن إخلاء المستوطنين.
وأوضح وادي أن الجيش يتمركز حاليًا في سبعة منازل فلسطينية، بعد إخلاء سكانها، مشيرًا إلى نقل عائلات من منازلها إلى منزل آخر داخل المنطقة، قائلًا إن ثلاث عائلات محاصرة في منطقة رأس العين منذ الأحد، وإن المياه والكهرباء والدواء مقطوعة عنها.
وأضاف أن الجيش أبلغ الجانب الفلسطيني بأنه سيعمل على إخلاء المستوطنين، لكن ما حدث، وفق روايته، هو إخلاء السكان الفلسطينيين والاستيلاء على منازلهم.
واعتبر رئيس البلدية أن استمرار الحصار يفرض ضغوطًا إضافية على السكان، داعيًا إلى تحرك دولي وإعلامي لمساندة العائلات الموجودة في المنطقة، مؤكدًا أن سكان رأس العين يتمسكون بالبقاء في منازلهم وأراضيهم رغم الظروف التي يواجهونها.
انتشار جنود الاحتلال في قصرة
وتبيّن مشاهد أظهرتها مقاطع فيديو انتشار جنود الاحتلال في البلدة، بينما يختبئ عدد من المستوطنين داخل منازل في أطرافها.
كما تظهر المشاهد مستوطنين يواصلون الوجود قرب المنازل المحاصرة، رغم إعلان الجيش تفكيك تجمعات استيطانية وإخلاء المنطقة.
وقالت مراسلة التلفزيون العربي في قصرة كريستين ريناوي إن المستوطنين انتقلوا من السيطرة على التلال والمساحات المفتوحة إلى السيطرة على منازل مأهولة بالسكان.
وأشارت المراسلة إلى أن السيناريو نفسه تكرر الشهر الماضي مع عائلة فلسطينية في قرية جالود، قبل أن يتجدد في قصرة.
وأضافت أن الجيش الإسرائيلي فرض طوقًا أمنيًا وعسكريًا على البلدة، بينما يقول إنه يريد إخلاء البؤر الاستيطانية، لكن المستوطنين لا يزالون موجودين في محيط المنازل المحاصرة.
وتابعت أن الواقع الميداني يُظهر استمرار سيطرة الجيش على منازل فلسطينية وإجبار سكانها على مغادرتها، رغم التصريحات الإسرائيلية بشأن التراجع عن قرارات إخلاء العائلات.
أهمية رأس العين
ويعتبر رئيس بلدية قصرة أن منطقة رأس العين ذات أهمية استراتيجية، بسبب موقعها المرتفع وإطلالتها على مناطق واسعة من الضفة الغربية.
وأوضح أن جبل رأس العين يرتفع نحو 930 مترًا عن سطح البحر، وأن المستوطنين أطلقوا عليه اسم "عرين الأسد" بعد سيطرتهم عليه قبل نحو سبعة أشهر.
وتقع رأس العين ضمن المناطق المصنفة "ب" وفق اتفاق أوسلو، والتي تتولى السلطة الفلسطينية فيها صلاحيات مدنية، بينما تبقى السيطرة الأمنية بيد إسرائيل.
ويرى وادي أن الضغط الأميركي والدولي، إلى جانب اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، أسهما في تسليط الضوء على قضية قصرة.
وتزامنت هذه التطورات مع انتقادات أميركية لافتة من هاكابي، المعروف بمواقفه المؤيدة للاستيطان، والذي قال إنه لا يرى مبررًا لما وصفه بـ"السلوك البلطجي" بحق العائلة الفلسطينية.
كما دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السلطات الإسرائيلية إلى إزالة المستوطنين الذين يمارسون العنف ويتسببون في تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي.
عودة المستوطنات
وبالتزامن مع أحداث قصرة، أعاد الاحتلال الإسرائيلي افتتاح مستوطنة "غانيم" شمالي الضفة الغربية، بعد أكثر من 20 عامًا على إخلائها.
وحضر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس مراسم إعادة افتتاح المستوطنة، وقال إن "هذه أرض إسرائيل"، وإن إسرائيل "ستبقى إلى الأبد".
وتستعد عشرات العائلات الإسرائيلية للإقامة في منازل جاهزة داخل المستوطنة، التي كانت واحدة من أربع مستوطنات أُخليت ضمن خطة "فك الارتباط" التي نفذتها إسرائيل في 2005.
وتأتي إعادة افتتاح "غانيم" في ظل توجه حكومة بنيامين نتنياهو إلى تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول.
وتضع هذه التطورات أحداث قصرة في سياق أوسع من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، في وقت تحاول فيه إسرائيل تقديم تحركات جيشها باعتبارها إجراءات أمنية لضبط المستوطنين وحماية السكان، بينما يقول الفلسطينيون إن الإجراءات على الأرض تنتهي بإبعادهم عن منازلهم وأراضيهم.