في تصعيد وصف بأنه غير مسبوق، اقتحم نحو 4000 مستوطن المسجد الأقصى، في ذكرى ما يسمى "خراب الهيكل"، وسط حماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، واعتقال عدد من حراس المسجد.
ورافقت الاقتحامات مشاهد استفزازية وطقوس تلمودية، من بينها رفع العلم الإسرائيلي، وترديد نشيد "هاتيكفا"، وانبطاح مستوطنين عند سلالم قبة الصخرة من جهة البائكة الغربية.
وفيما تؤكد دائرة الأوقاف الإسلامية أن ما يجري يعد انتهاكًا صارخًا للمقدسات، تستمر الحكومة الإسرائيلية في الحديث عن "الحفاظ على الوضع القائم"، رغم الواقع الذي يثبت عكس ذلك تمامًا.
اقتحام المسجد الأقصى
وجاءت الاقتحامات على وقع تصريحات استفزازية من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي لم يكتف باقتحام المسجد، بل استغل لحظة دخوله ليدعو بشكل مباشر إلى احتلال كامل لقطاع غزة، وفرض السيادة الإسرائيلية عليه، متحدثًا بعبارات عنصرية عن الهجرة الطوعية للفلسطينيين، وتصفية المقاومة.
وأكدت شعارات المستوطنين خلال اقتحاماتهم الأقصى، أن ما يسمى "جبل الهيكل" منطقة ذات سيادة يهودية وهو ما وجدت فيه وزارة الخارجية الفلسطينية، تحديًا مباشرًا للمجتمع الدولي، وضربًا بكل القرارات الأممية عرض الحائط.
وكان الموقف العربي حاضرًا، إذ أدانت السعودية هذه الممارسات الاستفزازية، مؤكدة أنها تؤجج الصراع في المنطقة، بينما طالبت الخارجية الأردنية بوقف ما وصفته بالانتهاكات السافرة، مشددة على أن المسجد الأقصى بمساحته الكاملة، هو مكان عبادة خالص للمسلمين.
محاولة تغيير هوية القدس
وفي هذا الإطار، يؤكد المستشار الإعلامي لمحافظ القدس معروف الرفاعي أن قوات الاحتلال تحاول تغيير الهوية العربية الإسلامية المسيحية للقدس، بعد أن أكملت سيطرتها على الأرض، وبعد أن أعلنت عن ضم كتل استيطانية محيطة بالمدينة، وبعد الإعلان عن توسعة ما يعرف بحدود بلدية القدس ومحاولة إجبار المقدسيين على إفراغ المدينة.
وفي حديث للتلفزيون العربي من القدس، يرى الرفاعي أن الاقتحامات التي تشهدها المدينة تُغلف بمظاهر دينية، لكنها في جوهرها ذات أهداف سياسية، تسعى من خلالها سلطات الاحتلال إلى فرض سيطرتها الكاملة على المدينة، وبشكل خاص على المسجد الأقصى.
وبيّن أن محافظة القدس قامت بتوثيق كافة الانتهاكات التي حدثت داخل ساحات المسجد الأقصى، مشيرًا إلى أن الاحتلال بدأ فعليًا بتنفيذ مخطط التقسيم المكاني للمسجد، وهي الخطوة الأولى نحو السيطرة عليه.
ويلفت الرفاعي إلى أن الممارسات داخل المسجد الأقصى تشير إلى أن الجمعيات الاستيطانية، المدعومة من حكومة بنيامين نتنياهو، بدأت تتعامل مع المسجد وكأنه كنيس يهودي.
كما كشف عن وجود كنيس غير معلن في المنطقة الشرقية لقبة الصخرة، قرب مصلى باب الرحمة، وهي منطقة باتت محظورة على المسلمين منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتُعد من أبرز نقاط الاقتحام من قبل المستوطنين.
تجاهل القرارات الدولية وتكريس السيادة الإسرائيلية
من جهته، يشير إبراهيم الخطيب، أستاذ إدارة النزاع في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، إلى أن إيتمار بن غفير، إلى جانب الحكومة الإسرائيلية، يضربون بعرض الحائط كل القرارات الدولية ومحاولات الاعتراف بدولة فلسطين، وعاصمتها القدس.
وفي حديثه للتلفزيون العربي" من الجليل، يوضح الخطيب أن بن غفير بات أكثر وضوحًا في سعيه لفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وفقًا لتصريحاته الأخيرة، مشيرًا إلى وجود ترابط واضح بين ما يجري في القدس وما يحدث في قطاع غزة.
وبيّن أن الرؤية اليمينية المتطرفة التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية تعتبر كامل أرض فلسطين التاريخية جزءًا من "أرض إسرائيل"، وترفض منح الفلسطينيين أي شكل من أشكال السيادة، حتى على ذرة تراب واحدة.
ويضيف الخطيب أن بن غفير لا يسعى إلى تطبيق التقسيم الزماني أو المكاني للمسجد الأقصى فحسب، بل يطمح إلى فرض سيادة إسرائيلية كاملة عليه، وهو ما يُعد رفضًا صريحًا لأي حل دولي يُطرح بشأن القضية الفلسطينية.
ورأى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يعارض توجهات بن غفير، بل يتساوق معها، مما يدل على تقارب كبير في الأيديولوجيا بين الطرفين.
واختتم بالقول إن شعور الإسرائيليين بأن قضية القدس باتت هامشية في الوعي العربي والإسلامي، هو ما يدفعهم إلى المضي قدمًا في تغيير الواقع داخل المدينة.
موقف عربي موحد تجاه إسرائيل والولايات المتحدة
من ناحيته، أعرب نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق، جواد العناني، عن اعتقاده بأن القادة العرب باتوا يتجهون نحو اتخاذ موقف موحد لا يقتصر على إسرائيل فحسب، بل يشمل أيضًا الولايات المتحدة، التي تواصل دعمها لتل أبيب وتتغاضى عن تجاوزاتها.
وفي حديث للتلفزيون العربي من العاصمة الأردنية عمّان، يشدد العناني على ضرورة أن يدرك المسؤولون العرب خطورة أي خطوة إسرائيلية تهدف إلى الاستيلاء على المسجد الأقصى ومحيطه، محذرًا من أن ذلك سيؤدي إلى نتائج كارثية.
ويشير إلى أن الأردن يبذل جهودًا كبيرة في حماية المسجد الأقصى، باعتباره مسؤولًا عن الحراس والأوقاف الإسلامية، ويقوم بذلك ضمن إطار الوصاية الهاشمية، ويستخدم أدواته السياسية لمنع تنفيذ بعض الإجراءات الإسرائيلية.
ويوضح العناني أن المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل يشجع اليمين المتطرف على تصعيد ممارساته، خاصة في ظل غياب ردود فعل عربية حازمة، مؤكدًا أن هذا التيار لا يأبه بالمواقف العربية إلا إذا لمس وجود موقف عربي موحد وثابت.
وشدد على ضرورة أن تدرك الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، أن المساس بحرمة المسجد الأقصى يشكل تهديدًا مباشرًا للعلاقات العربية الإسرائيلية، وأن استمرار هذا النهج لن يمر دون تداعيات.