عندما نفكر في الاكتئاب الموسمي، غالبًا ما يتبادر إلى أذهاننا ذلك الحزن الذي يتسلل خلال الأيام القصيرة، المظلمة، والباردة من فصل الشتاء. لكن بالنسبة لبعض الأشخاص، فإن أشهر الصيف الحارة هي التي تُثير أعراض اضطراب العاطفة الموسمي. فإذا كانت حرارة الصيف وأيامه المشمسة الساطعة تجعلك تشعر بالحزن، والتقلّب المزاجي، والانزعاج، فقد تكون تعاني مما يُعرف بـ"اكتئاب الصيف".
فاضطراب العاطفة الموسمي لا يُعدّ تشخيصًا مستقلًا في النسخة الحالية من دليل التصنيف التشخيصي والإحصائي الخامس (DSM-5)، بل يُصنّف على أنه اضطراب اكتئابي كبير متكرر يظهر وفق نمط موسمي محدد، حسب موقع "Verywell Mind".
ومع ذلك، لا يزال مصطلح "الاكتئاب الموسمي" يُستخدم بشكل شائع، وغالبًا ما يبدأ هذا النمط في فصل الخريف ويستمر خلال أشهر الشتاء. وعلى الرغم من أن اكتئاب الخريف والشتاء هو الأكثر شيوعًا، فإن اضطراب العاطفة الموسمي قد يؤثر أيضًا على البعض خلال أواخر الربيع وحتى أشهر الصيف.
ما الاضطرابات العاطفية الموسمية؟
حسب الدكتورة ميرنا شوبح، فإن الاضطراب العاطفي الموسمي (Seasonal Affective Disorder – SAD) يُعدّ أحد أشكال الاكتئاب المرتبط بالتغيّرات الفصلية.
وتضيف في حديث لموقع "صحتك"، أن العلامات الشائعة التي يشملها هذا الاضطراب هي:
-
الشعور المستمر بالحزن أو الكآبة طوال اليوم.
-
فقدان الرغبة في ممارسة الأنشطة اليومية.
-
انخفاض مستوى الطاقة وصعوبة التركيز.
-
اضطرابات النوم كالأرق أو النوم المفرط.
-
تغيّرات في الشهية والوزن.
-
الميل إلى العزلة الاجتماعية.
وتوضح الدكتورة شوبح، الأخصائية في علم النفس الإكلينيكي في مركز "ميدكير" فرع جميرا، أن السبب يعود إلى التبدلات في مستويات الضوء الطبيعي، والتي تؤثر بدورها على الساعة البيولوجية للجسم، كما تؤثر على إنتاج بعض الهرمونات مثل السيروتونين والميلاتونين المرتبطتين بتنظيم الحالة المزاجية ودورة النوم.
"اكتئاب الصيف"
توضح الدكتورة شوبح أن الاضطرابات العاطفية الموسمية لا تُعد شائعة في فصل الصيف؛ إذ إن الجزء الأكبر من الحالات يظهر خلال موسمي الخريف والشتاء، ويُشار إليها غالبًا بمصطلح "الاكتئاب الشتوي".
أما تلك الحالات التي تظهر خلال فصل الصيف، فهي أقل انتشارًا، وتُعرف باسم "الاكتئاب الصيفي"، وتشكل نسبة ضئيلة ضمن مجموع الإصابات بالاضطراب العاطفي الموسمي.
وبيّنت الدكتورة شوبح أن الفرق الجوهري بين نوعَي الاكتئاب الموسمي يكمن في العوامل المُسببة لهما؛ إذ يرتبط اكتئاب الشتاء بانخفاض مستويات ضوء الشمس، بينما يرتبط اكتئاب الصيف بعوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة، تغيّرات نمط الحياة، أو الاضطرابات في النوم.
ورغم أن الاضطراب العاطفي الموسمي يُعد أكثر شيوعًا في الشتاء، فإن نسبة صغيرة من الأشخاص قد تظهر لديهم أعراضه خلال الصيف. ففي حين يُسهم الصيف في تحسين المزاج لدى البعض، قد يكون له تأثيرٌ معاكس لدى البعض الآخر، مسبّبًا مشاعر القلق والتوتر والاكتئاب، نتيجة عوامل مثل الحرارة العالية، فوضى الروتين اليومي، أو الضغوط المرتبطة بالمظهر الخارجي.
ما أسباب اكتئاب الصيف؟
أوضحت الدكتورة ميرنا أن الاكتئاب الصيفي يُعد أحد أنواع الاكتئاب المرتبط بالتغيرات المناخية والموسمية، حيث يُحفّز بفعل ظروف فصل الصيف مثل:
-
ارتفاع درجات الحرارة.
-
التعرض المفرط لأشعة الشمس.
-
اضطرابات النوم.
من أبرز أعراض هذا النوع من الاكتئاب:
-
الأرق.
-
التوتر والانفعالات الزائدة.
-
فقدان الشهية.
-
الشعور بالقلق والضيق النفسي.
وتشير إلى أن الاكتئاب الصيفي يندرج ضمن فئة الاضطراب العاطفي الموسمي، لكنه يختلف عن الشكل الأكثر شيوعًا الذي يظهر خلال فصول الخريف والشتاء والمعروف باسم "الاكتئاب الشتوي".
وعلى الرغم من أن انتشاره محدود، إلا أنه اضطراب حقيقي وله تأثيرات واضحة على الصحة النفسية لمن يعانون منه.
ما العلاقة بين الاكتئاب وحرارة الصيف؟
على الرغم من أن الصيف غالبًا ما يُقرن بالحيوية والنشاط، فإن بعض الأفراد قد يشعرون خلاله بمشاعر الاكتئاب لأسباب متعددة، منها:
-
ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة: ما يؤدي إلى الإجهاد الجسدي والتوتر النفسي.
-
التغيّرات في الروتين اليومي: مثل الإجازات الطويلة أو اضطراب مواعيد النوم.
-
القلق المرتبط بالمظهر الخارجي: خلال موسم الشاطئ والعطلات.
-
فرط التعرض لأشعة الشمس: ما يؤثر على الساعة البيولوجية للجسم.
-
العزلة الاجتماعية: التي تفاقم الشعور بالاكتئاب عند غياب العلاقات أو الأنشطة.
طرق الوقاية من اكتئاب الصيف
في حال استمرار الأعراض، يُوصى بالحصول على تقييم نفسي متخصص. وتشمل أبرز أساليب العلاج:
-
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لتعديل أنماط التفكير السلبية.
-
الأدوية المضادة للاكتئاب: تحت إشراف طبي.
-
العلاج بالكلام وجلسات الدعم النفسي.
-
تنظيم نمط الحياة والساعة البيولوجية.
-
الحدّ من التعرض الزائد للضوء أو الحرارة عند الضرورة.
تأثير الصيف على الصحة النفسية
رغم ارتباط الصيف بالبهجة، فإن الحرارة المرتفعة قد تؤثر نفسيًا، خصوصًا عبر:
-
الإجهاد الحراري واضطرابات النوم.
-
العصبية والقلق نتيجة قلة الراحة.
-
احتمالية السلوك الانفعالي أو العدواني.
ومع ذلك، فإن درجات الحرارة المعتدلة ولمدة قصيرة قد تُسهم في تحسين الحالة النفسية، خصوصًا عند قضاء الوقت في أماكن هادئة ومكيّفة.
العامل الفارق هنا هو كيفية التعامل مع الحر، إذ يمكن الحد من التأثيرات السلبية عبر:
-
شرب الماء بانتظام.
-
تجنّب التعرّض المباشر لأشعة الشمس.
-
توفير بيئة منزلية مريحة وباردة.
هل الصيف يُحسّن الصحة النفسية؟
تقول الدكتورة ميرنا: "نعم، يمكن لفصل الصيف أن يُعزّز الصحة النفسية لدى كثيرين"، وذلك لعدة أسباب، أبرزها:
-
زيادة التعرّض لأشعة الشمس التي تساعد الجسم على إنتاج فيتامين D، مما يرفع مستوى السيروتونين المرتبط بتحسين المزاج وتنظيم النوم.
-
طول ساعات النهار يمنح الفرصة لقضاء وقت أطول في الهواء الطلق أو على الشواطئ، الأمر الذي يُقلّل التوتر ويعزّز الشعور بالسعادة والراحة النفسية.
هل يؤثر الصيف الحار على مستويات القلق والتوتر؟
بحسب الدكتورة ميرنا، قد تُسهم درجات الحرارة المرتفعة، وخصوصًا في المناطق المزدحمة أو غير المكيّفة، في رفع معدلات الانزعاج الجسدي، ما ينعكس سلبًا على الحالة النفسية لدى بعض الأشخاص. يشعر الفرد حينها بمزيد من التوتر والقلق نتيجة الإرهاق الحراري وصعوبة الحصول على راحة جسدية مناسبة.
وقد كشفت بعض الدراسات أن الحرارة الشديدة ترتبط بزيادة التهيّج والانفعال العصبي، فضلاً عن تقلبات المزاج وارتفاع احتمالية السلوك العدواني.
كما أن اضطرابات النوم الناجمة عن الطقس الحار، إلى جانب الجفاف أو انخفاض الطاقة البدنية، قد تؤدي إلى تفاقم الشعور بالتوتر والقلق.
نصائح لتعزيز الصحة النفسية خلال فصل الصيف
للحفاظ على التوازن النفسي في فصل الصيف، يُوصى باعتماد مجموعة من العادات الصحية التي تُسهم في تحسين المزاج والحد من التوتر، ومنها:
-
شرب كميات كافية من الماء لتفادي الجفاف.
-
تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ لدعم إيقاع الساعة البيولوجية وتوازن الهرمونات المرتبطة بالمزاج.
-
تجنّب التعرّض المفرط لأشعة الشمس والحرارة المرتفعة، خاصة خلال أوقات الذروة.
-
ممارسة الرياضة بانتظام، ويفضّل أن تكون في الصباح الباكر أو داخل أماكن مكيّفة للحفاظ على النشاط دون إجهاد حراري، وارتداء ملابس خفيفة ومريحة تسمح بتهوية الجسم.
-
الاهتمام بالتأمل واليقظة الذهنية كوسائل فعالة لتصفية الذهن والتخفيف من الضغوط النفسية.
-
الحفاظ على العلاقات الاجتماعية الإيجابية لما لها من أثر في تعزيز الدعم النفسي والتغلّب على مشاعر العزلة، خصوصًا خلال فترات الإجازات أو الحرّ الشديد.