الأحد 13 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

اكتشفناه في الشمس قبل أن نجده على الأرض.. كيف كشف كسوف 1868 عن الهيليوم؟

اكتشفناه في الشمس قبل أن نجده على الأرض.. كيف كشف كسوف 1868 عن الهيليوم؟

شارك القصة

قيمة كسوف عام 1868 كانت في التفاصيل التي جعل ذلك الظلام مرئية - غيتي
قيمة كسوف عام 1868 كانت في التفاصيل التي جعل ذلك الظلام مرئية - غيتي
قيمة كسوف عام 1868 كانت في التفاصيل التي جعل ذلك الظلام مرئية - غيتي
الخط
لم تكن قيمة كسوف 18 أغسطس/آب 1868 في الظلام الذي أحدثه، وإنما في التفاصيل التي جعل ذلك الظلام مرئية.

في 18 أغسطس/آب 1868، اختفى قرص الشمس خلف القمر لدقائق، وامتدّ مسار كسوف كلي من منطقة البحر الأحمر عبر الهند وصولًا إلى جنوب شرقي آسيا. وبالنسبة إلى معظم من شاهدوا الكسوف، كان المشهد ظاهرة سماوية نادرة.

أما عالم الفلك الفرنسي بيير جول سيزار جانسن، الذي سافر إلى الهند خصيصًا لرصده، فقد رأى شيئًا آخر: خطًا أصفر في ضوء الشمس لا ينتمي إلى أي عنصر معروف آنذاك على الأرض.

لم يمسك جانسن ذرة من العنصر الجديد، ولم يضع غازًا في قارورة. كل ما امتلكه كان الضوء. ومع ذلك، قاد ذلك الخط الأصفر إلى اكتشاف الهيليوم، العنصر الذي حصل على اسمه من الشمس قبل أن يتأكد وجوده على كوكبنا. ولهذا تحمل قصة 18 أغسطس مفارقة علمية نادرة:

عرف البشر أن مادة ما موجودة على بعد نحو 150 مليون كيلومتر قبل أن يعرفوا أنها موجودة تحت أقدامهم.

حين أصبح الضوء بطاقة هوية

يطرح السؤال التالي: كيف يستطيع شعاع ضوء أن يخبرنا مما تتكون نجمة لا يمكن الوصول إليها؟

وقد كان مفتاح القصة جهازًا بدأ يغير علم الفلك في القرن التاسع عشر: المطياف.

وعندما يُفصل الضوء إلى أطواله الموجية، لا يظهر مجرد شريط مستمر من الألوان. إذ تستطيع الذرات، بحسب نوعها وحالتها، أن تنتج خطوطًا طيفية في مواقع محددة. ولهذا يمكن التعامل مع نمط الخطوط كما لو كان "بصمة" خاصة بالعنصر: للهيدروجين خطوطه، وللصوديوم خطوطه، ولعناصر أخرى أنماط مختلفة.

ومن خلال مقارنة ضوء جرم سماوي بما عُرف في المختبر، أصبح من الممكن معرفة مكوناته من بعيد.

عام 1868 اختفى قرص الشمس خلف القمر لدقائق - غيتي
عام 1868 اختفى قرص الشمس خلف القمر لدقائق - غيتي

وكانت المشكلة أن وهج قرص الشمس يجعل دراسة بعض طبقاتها الخارجية صعبة. وهنا منح الكسوف علماء الفلك فرصة استثنائية: عندما حجب القمر القسم الأشد سطوعًا من الشمس، أصبح من الأسهل تحليل ضوء البروزات والطبقات المحيطة بها باستخدام المطياف. وتقول ناسا إن كسوف 18 أغسطس/آب 1868 كان محطة مبكرة وحاسمة في استخدام المطياف لدراسة هذه البروزات ومكوناتها.

خط أصفر لا يشبه ما في المختبر

راقب جانسن الكسوف من الهند. ظهر الهيدروجين في الطيف كما كان متوقعًا، لكن عينه التقطت كذلك خطًا أصفر شديد السطوع قرب الموضع الذي تظهر فيه خطوط الصوديوم.

كانت المشكلة أن موقعه لم يكن مطابقًا للصوديوم. وكان الاختلاف صغيرًا للغاية في الطول الموجي، لكنه كبير في لغة التحليل الطيفي: الخط ليس في المكان الصحيح، إذًا قد لا يكون العنصر هو نفسه.

والأكثر إثارة أن جانسن أدرك أن الخط ساطع إلى درجة تسمح ربما بمراقبته حتى من دون انتظار كسوف آخر. وبعد تعديل أدواته، استطاع مواصلة دراسة البروزات الشمسية في ضوء النهار، وهي خطوة جعلت الكسوف نقطة انطلاق لطريقة جديدة في مراقبة الشمس، لا مجرد حدث عابر، لكنه لم يكن وحده.

جانسن في الهند ولوكير في لندن

بعد أشهر قليلة، رصد عالم الفلك البريطاني نورمان لوكير الخط الأصفر نفسه بصورة مستقلة. وتقول الجمعية الملكية للكيمياء إن جانسن شاهد الخط الجديد خلال الكسوف في الهند، بينما سجله لوكير أيضًا عند دراسة طيف الشمس من بريطانيا.

كان الاستنتاج جريئًا: إذا لم يتطابق الخط مع العناصر المعروفة في المختبرات، فقد يكون دليلًا على عنصر لم يُكتشف بعد على الأرض.

وحصل العنصر على اسم "هيليوم"، المشتق من "هيليوس"، أي الشمس في اليونانية. وكان الاسم مناسبًا لعنصر لم يعرفه البشر أولًا من صخرة أو معدن أو غاز أرضي، وإنما من توقيع ضوئي في الشمس.

ومن المهم هنا ضبط الرواية التاريخية الشائعة: جانسن لم يستخرج الهيليوم من الشمس في 18 أغسطس/آب 1868. الذي حدث في ذلك اليوم هو رصد الخط الطيفي الغريب الذي فتح الطريق إلى التعرف إلى عنصر جديد، ثم جاءت ملاحظات لوكير والتفسير اللاحق، قبل أن يثبت وجود الهيليوم على الأرض بعد سنوات.

عنصر سماوي يبحث عنه العلماء على الأرض

ظل الهيليوم فترة عنصرًا معروفًا من الشمس أساسًا. وفي نهاية القرن التاسع عشر، بدأت ملاحظات أرضية تربط الخط نفسه بغازات منبعثة من مواد ومعادن أرضية. وفي 1895، صار وجود الهيليوم على الأرض مثبتًا مخبريًا، وتقدمت قياسات خواصه ووزنه الذري.

كانت المفارقة هائلة: المادة موجودة على الأرض منذ البداية، لكن البشر احتاجوا أولًا إلى النظر نحو الشمس كي يعرفوا ما الذي ينبغي البحث عنه.

ونعرف اليوم أن الهيليوم ليس عنصرًا نادرًا كونيًا على الإطلاق. فهو، بعد الهيدروجين، ثاني أكثر العناصر وفرة في الكون، ويوجد بكثرة في النجوم. أما على الأرض فهو أقل وفرة بكثير، ويأتي جزء منه من التحلل الإشعاعي لعناصر ثقيلة قبل أن يتسرب تدريجيًا إلى الغلاف الجوي والفضاء بسبب خفته.

لماذا كان الاكتشاف أكبر من الهيليوم؟

تكمن الأهمية الكبرى للقصة في أنّ العلماء لم يكتشفوا عنصرًا جديدًا فحسب، بل كانوا يبرهنون عمليًا على فكرة ستغير علم الفلك: يمكن معرفة كيمياء الأجرام السماوية من الضوء وحده.

قبل التحليل الطيفي، كان من الممكن قياس موقع نجم أو حركته أو سطوعه، لكن معرفة مادته كانت تبدو مشكلة مختلفة تمامًا. فلا يمكن أخذ عينة من الشمس ووضعها في مختبر.

وألغى الطيف الحاجة إلى ذلك: فالضوء الذي يصل إلينا يحمل معلومات عن المادة التي أنتجته أو امتصته.

مشاهدة كسوف الشمس الجزئي غرب ألمانيا - غيتي
مشاهدة كسوف الشمس الجزئي غرب ألمانيا - غيتي

ومن هنا أصبح التحليل الطيفي لاحقًا أحد أهم الأدوات لفهم النجوم والسدم والمجرات. وكان الخط الأصفر الذي ظهر في كسوف 1868 دليلًا مبكرًا مدهشًا على قوة هذه الفكرة. وتضع ناسا اكتشاف الهيليوم ضمن المحطات الأساسية في تاريخ العلم الشمسي، لأن عنصرًا غير معروف على الأرض كشف عن نفسه أولًا في ضوء نجمنا.

الكسوف الذي أطفأ الشمس كي نقرأها

لهذا لم تكن قيمة كسوف 18 أغسطس/آب 1868 في الظلام الذي أحدثه، وإنما في التفاصيل التي جعل ذلك الظلام مرئية.

وحجب القمر ضوءًا كثيرًا لبضع دقائق، فاستطاع العلماء تفكيك الضوء الباقي إلى خطوط دقيقة. وبين تلك الخطوط ظهر لون أصفر صغير لم يكن له اسم.

وبعد عقود، صار الهيليوم جزءًا عاديًا من الجدول الدوري، وعنصرًا نعرف وجوده في النجوم وفي الأرض ونستخدمه في تطبيقات علمية وتقنية متعددة.

إنها واحدة من أجمل مفارقات تاريخ العلم: لم نذهب إلى الشمس كي نأخذ منها عينة، ولم تكن لدينا مركبات فضائية أو مختبرات مدارية. اكتفينا بأن ترك القمر الشمس تختفي للحظات، ثم قرأنا الضوء الذي بقي.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي