قبل 129 عامًا، اكتشف الفرنسي هنري بيكريل النشاط الإشعاعي. وبينما كان بيكريل يبحث في مختبره في معهد التقنيات العليا في باريس في كيفية تصوير الأشعة السينية وإظهارها على صفائح فوتوغرافية من صنعه، اكتشف انبعاث أشعة غير مرئية من عنصر اليورانيوم تتمتّع بالقدرة على النفاذ من خلال المواد الصلبة، فيما عُرف لاحقًا باسم "النشاط الإشعاعي".
والنشاط الإشعاعي هو ظاهرة تحصل عندما تفقد نواة ذرية غير مستقرّة طاقتها بالإشعاع. وحتى الآن، تم تحديد 118 عنصرًا كيميائيًا، تتميّز بعدد محدد من البروتونات في نواتها. وتحتوي هذه العناصر الـ118 على 2800 نظير كيميائي (Isotope)، من بينها 264 نواة مستقرة فقط.
وتُعرّف الوكالة الدولية للطاقة الذرية النظائر بأنّها نوع من الذرّات، وأصغر وحدة من المادة التي تحمل جميع الخصائص الكيميائية للعناصر.
وبما أنّ الطبيعة لا تُحب عدم الاستقرار، تتطوّر النظائر غير المستقرّة نحو حالة من الاستقرار، وتتحوّل تدريجيًا في عملية تُعرف باسم "التحلّل" أو "التفكك"، وذلك بإصدار جسيم واحد أو أكثر وأشعة كهرومغناطيسية.
ويُشار إلى هذا عادةً بـ"النشاط الإشعاعي". وبعبارة أخرى، النشاط الإشعاعي هو السعي لتحقيق الاستقرار.
ومع تحلّل الذرات، ينخفض النشاط الإشعاعي للعنصر، فيما يُسمّى بـ"الاضمحلال الإشعاعي". ويُعبَّر عنها بنصف العمر، وهو الوقت الذي يستغرقه نصف ذرات العنصر للتحلل. وقد يتراوح نصف العمر بين أجزاء من الثانية وعدة مليارات من السنين.
ظاهرة طبيعية أو اصطناعية؟
تتكوّن جميع المواد في الكون من ذرات مُشعّة بدرجات متفاوتة. ولذلك، نعيش دائمًا في بيئة مشعّة بطبيعتها، وحتى جسم الإنسان مشعّ بدرجة طفيفة (حوالي 150 بيكريل لكل كيلوغرام).
ويأتي النشاط الإشعاعي الطبيعي بشكل رئيسي من الأرض، وخاصة من المناطق الغرانيتية. ويُمكن أن يكون أيضًا ذات أصل كوني نتيجة للتفاعلات النووية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. كما يحتوي الهواء على مواد مُشعّة، وبشكل أساسي من غاز الرادون.
ويأتي أكثر من ثلثي الإشعاع الذي نتعّرض له سنويًا، من مصادر طبيعية. أما الباقي فيعود إلى مصادر من صنع الإنسان، وخاصةً الفحوصات الطبية وعلاج بعض الأمراض (28%)، وبنسبة أقلّ من بعض الأنشطة الصناعية (مثل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، والصناعات النووية وغير النووية)، والأنشطة العسكرية.
ما هي أنواع الإشعاعات الضارّة؟
وفقًا لوكالة حماية البيئة الأميركية، هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الإشعاع الضارّ:
- إشعاع "ألفا" (α): يتكوّن من جسيمات تحتوي على عنصري بروتون وعنصري نيوترون، ويصل مداها الجوي إلى بضعة سنتيمترات. ويمكن إيقاف هذه الجسيمات بورقة عادية.
- إشعاع "بيتا" (β): يتكوّن من إلكترونات، ويقطع مسافات قصيرة في الهواء. يكفي لإيقافه رقاقة من رقائق الألومنيوم، أو لوح زجاجي، أو لوح خشبي.
- إشعاع "غاما" (γ): يتكوّن من أشعة كهرومغناطيسية أكثر اختراقًا من "ألفا" و"بيتا"، ويمكنها قطع مسافات طويلة في الهواء، وهي من نفس طبيعة الأشعة السينية. ويتطلب حجبها طبقات سميكة من الرصاص أو الخرسانة.
كيف نقيس النشاط الإشعاعي؟
حدّد العلماء ثلاثة مقاييس للنشاط الإشعاعي:
تُقاس شدة المصدر المُشعّ بـ"البيكريل" (Bq). ويُعادل البيكريل الواحد تفككًا واحدًا في الثانية (وحدة متناهية الصغر). وقد حلّ البيكريل محل وحدة القياس السابقة، وهي "الكوري" (curie).
أما كمية النشاط الإشعاعي التي تمتصّها المواد الخاملة أو الأنسجة الحية، فتُقاس بـ"الغراي" (Gy). وهذه "الجرعة" من النشاط الإشعاعي هي كمية الطاقة التي يمتصّها كيلوغرام واحد من المادة.
وتُقاس كمية النشاط الإشعاعي التي تمتصّها الأنسجة الحية (نباتية أو حيوانية أو بشرية) بـ "السيفرت" (Sv) بوحداته الفرعية "الميليسيفرت" (mSv) و"الميكروسيفرت" (µSv). وبالنسبة لإشعاعات "بيتا" و"غاما"، يُعادل 1 "سيفرت" 1 "غراي".
أما وحدة قياس الأنسجة الحيّة هي السيفرت (Sv).
ما هو تأثير النشاط الإشعاعي على الإنسان؟
للنشاط الإشعاعي تأثيرات مختلفة على الجسم، اعتمادًا على نوع الإشعاع والجرعة التي يتلقّاها الشخص، وفقًا لموقع " irsn.fr".
وأشعة "غاما" هي أخطر الإشعاعات الخارجية، إذ تستطيع اختراق الجلد جزئيًا، مسببةً حروقًا. أما جسيمات "ألفا"، فلا تستطيع اختراق الجلد السليم. ويُمكن لأشعة "غاما" والأشعة السينية اختراق الجسم، ما يُلحق الضرر بالخلايا في طريقها.
وفي حال التعرّض الحادّ للإشعاع على كامل الجسم، تظهر الآثار الصحية الأولى عند مستوى يتجاوز 5000 ميلليسيفرت، ما يُعرّض حياة المريض للخطر.
وتتولّى هيئات السلامة النووية الوطنية مسؤولية حماية الجمهور والمُشغّلين من الآثار الضارة المحتملة للإشعاع المؤين.
وتُعرّف منظمة الصحة العالمية الإشعاع المؤين بأنّه نوع من الطاقة تطلقه ذرات معينة وينتقل على شكل موجات كهرومغناطيسية (أشعة غاما أو الأشعة السينية) أو على شكل جسيمات (نيترونات بيتا أو ألفا).
ويُمكن أن يتعرّض الناس للإشعاع المؤين في ظل ظروف مختلفة في المنزل أو في الأماكن العامة، أو في أماكن عملهم، أو في بيئة طبية.
ويُمثّل الاستخدام الطبي للإشعاع 98% من العوامل المساهمة في جرعة السكان من جميع المصادر البشرية الصنع، و20% من إجمالي تعرض السكان. ويجرى أكثر من 4200 مليون فحص شعاعي تشخيصي سنويًا في جميع أنحاء العالم ، و40 مليون إجراء طبي نووي، ويُعطى 8.5 مليون علاج إشعاعي.
ويمكن للإشعاع إذا تعدّى حدودًا معينة أن يُضعف وظائف الأنسجة و/ أو الأعضاء، وأن يؤدي إلى آثار حادة مثل احمرار الجلد أو فقدان الشعر أو الحروق الإشعاعية أو متلازمة الإشعاع الحادة.
ما هي الفئات الأكثر تأثرًا؟
كلما ارتفع معدل الجرعات زادت حدة الآثار. وإذا كانت جرعة الإشعاع منخفضة و/أو تمّ تلقيها على مدى فترة زمنية طويلة، فإن الخطر يكون أقلّ بكثير لأنّ احتمال إصلاح التلف أكبر، مع احتمال وجود خطر بحدوث آثار طويلة المدى مثل سد العين أو السرطان، وقد تظهر بعد سنوات أو حتى عقود.
ويرتفع مستوى هذا الخطر لدى الأطفال والمراهقين، لأنّهم أكثر حساسية للتعرّض للإشعاع مقارنة بالبالغين.
وقد يؤدي التعرّض للإشعاع المؤين في مرحلة ما قبل الولادة إلى تلف الدماغ لدى الأجنة بعد التعرض لجرعة حادة في الفترة ما بين الأسبوع الثامن والخامس عشر من الحمل، والأسبوع السادس عشر والخامس والعشرين من الحمل.
وفي هذا الإطار، وضع القانون الفرنسي حدودًا صارمة للإشعاع الناتج عن النشاط البشري عند مللي سيفرت واحد سنويًا. أما بالنسبة للمهنيين، مثل مشغّلي الصناعة النووية أو العاملين في المجال الطبي، حُدِّد الحد الأعلى عند 20 ميللي سيفرت، ولكن من دون تحديد أي مخاطر.