لم تعد التحذيرات المتعلقة بأمن الأجهزة الذكية مجرد فرضيات نظرية، بل باتت مدعومة بحوادث متكررة تكشف كيف يمكن أن تتحول التقنيات التي صُممت لتسهيل الحياة اليومية، من الهواتف المحمولة إلى السيارات والأجهزة المنزلية، إلى أدوات مراقبة وتجسس على ملايين المستخدمين حول العالم.
وكان أحدث هذه التطورات واقعة صادمة في إسبانيا، حيث قاد اختبار تقني بسيط إلى كشف خلل أمني واسع النطاق، أعاد تسليط الضوء على هشاشة منظومة الحماية في بعض منتجات "المنزل الذكي" المتصلة بالإنترنت.
فبينما كان الخبير التقني، سامي أزدوفال، يحاول التحكم في مكنسته الذكية الجديدة باستخدام ذراع تحكم "بلايستيشن 5" بدافع التجربة التقنية، كشف دون قصد عن ثغرة أمنية كارثية مكنته خلال دقائق من اختراق بيانات آلاف المنازل حول العالم؛ ما جدد المخاوف من سهولة اختراق الأجهزة المنزلية الذكية وتحويلها إلى "أدوات تجسس".
قدرات تقنية خطيرة
تفاصيل هذه الواقعة كشفها أزدوفال، المقيم في إسبانيا، لموقع "ذا فيرج" الأميركي، وقال إنه كان يقوم ببرمجة تطبيق بسيط، باستخدام أداة الذكاء الاصطناعي Claude Code، لربط المكنسة من طراز"DJI Romo" بذراع التحكم، ليفاجأ بأن خوادم الشركة لم تمنحه الوصول لجهازه الخاص فحسب، بل أتاحت له التحكم والإشراف على أكثر من 7 آلاف جهاز في 24 دولة.
وقد شمل هذا الوصول، غير المصرح به، قدرات تقنية خطيرة، منها الوصول إلى بث مباشر من كاميرات المكنسة وميكروفوناتها، وتجاوز رموز الأمان "PIN" الخاصة بالمستخدمين، والاطلاع على مخططات المنزل ثنائية الأبعاد التي ترسمها الأجهزة لكل غرفة بدقة، والبيانات التشغيلية، وحالة البطارية، كما أمكنه الوصول للمواقع الجغرافي التقريبي عبر عناوين الـ "IP".
إرسال بيانات حساسة
وقال أزدوفال إنه خلال تسع دقائق فقط، تمكن من فهرسة نحو 6,700 جهاز في 24 دولة، حيث كانت الروبوتات ترسل بياناتها الحساسة كل 3 ثوان، لتخبره بـ"أرقامها التسلسلية، والغرف التي تنظفها، وما تراه، والمسافة التي قطعتها، وحتى العقبات التي واجهتها".
ولإثبات أن الثغرة لم تكن مجرد خلل برمجي عابر، نجح أزدوفال في تحديد موقع مكنسة خاصة بأحد الصحفيين بموقع "ذا فيرج" باستخدام رقمها التسلسلي فقط، حيث استعرض مستوى شحن بطاريتها، ومكان تواجدها داخل المنزل، بل وقام باستخراج مخطط هندسي دقيق للغرف.
وقال الموقع أن شركة "DJI" الصينية قامت بإغلاق الثغرة، وأقرت بوجود "مشكلة في التحقق من أذونات الخلفية" تسببت في الثغرة، وقالت إنها لم تجد دليلًا على حدوث اختراقات واسعة النطاق من جهات خبيثة، زاعمة أن معظم النشاط كان من باحثين أمنيين.
وأعادت الواقعة إلى الأذهان ما كشفت عنه تقارير إسرائيلية حديثة عن برمجة إسرائيلية لاختراق السيارات الذكية، بما تحتويه من كاميرات وميكروفونات، ما دفع البعض للاعتقاد بأن كل جهاز ذكي يحمل كاميرا أو ميكروفونًا بات أشبه بـ"حصان طروادة" ومنصات للتجسس والمراقبة.
وأثارت الواقعة تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يرى متفاعلون أن الخصوصية بصيغتها القديمة قد انتهت تمامًا، منتقدين بشدة إصرار الشركات على حشو الأدوات المنزلية بميكروفونات "لا وظيفة لها سوى التنصت".
وحذّر البعض من سهولة وصول الأفراد والشركات الاستخباراتية لهذه البيانات بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي جعلت من "تشفير البيانات" مجرد قشرة وهمية لحماية لا وجود لها، مطالبين الحكومات بإجبار الشركات على بناء منظومات تشفير بيانات أكثر قوة للأجهزة المنزلية المتصلة بالإنترنت.