الأربعاء 12 أغسطس / أغسطس 2026
Close

الأجيال الشابة والتغيير السياسي.. لماذا يُتهم كل جيل بأنه الأسوأ؟

الأجيال الشابة والتغيير السياسي.. لماذا يُتهم كل جيل بأنه الأسوأ؟

شارك القصة

جيل زد وحزب الصراصير.. سردية قديمة جديدة عن صراخ الأجيال
جيل زد وحزب الصراصير.. سردية قديمة جديدة عن صراخ الأجيال - غيتي
جيل زد وحزب الصراصير.. سردية قديمة جديدة عن صراخ الأجيال - غيتي
الخط
هل الشباب اليوم أسوأ من الأجيال السابقة؟ رحلة عبر التاريخ تكشف أن انتقاد الأجيال الجديدة ظاهرة قديمة ارتبطت دائمًا بالتحولات الاجتماعية والتغيير.

إن الاعتقاد بأن الأجيال الجديدة أدنى أخلاقيًا ونفسيًا من سابقاتها ليس ظاهرة حديثة، بل سردية تاريخية متكررة. فمنذ العصور القديمة وحتى الوقت الراهن، وصفت الأجيال الأكبر سنًا الشباب بأنهم أقل انضباطًا، وأكثر هشاشة، أو حتى منحرفون اجتماعيًا. في المقابل، سعت الأجيال الجديدة دائمًا إلى إحداث التغيير، سواء عبر انتقاد النظام القائم، أو محاولة إصلاحه من خلال الاحتجاج، أو عبر إشعال الثورات.

ومن هنا يبرز تساؤل أساسي:

هل تعكس الانتقادات المعاصرة للأجيال الجديدة تراجعًا غير مسبوق في مستوياتها الأخلاقية والسلوكية، أم أنها مجرد امتداد لنمط ثقافي قديم قائم على الحكم على الشباب باعتبارهم تهديدًا للقيم السائدة؟

ويزداد هذا التساؤل أهمية عند النظر إلى حركات الاحتجاج التي قادها أبناء الأجيال الشابة في فترات مختلفة، والمطالب التي رفعتها من أجل عدالة اجتماعية أوسع، والمساواة، ومكافحة الفساد، وتحسين الظروف المعيشية. وهي مطالب ظهرت في أزمنة وبلدان متعددة، وتركت تأثيرًا عميقًا في مجتمعاتها.

قليل من الأفكار الاجتماعية استطاعت الاستمرار بالقدر نفسه الذي استمر به الاعتقاد القائل إن "الجيل التالي هو الأسوأ". فما نراه في العديد من المجتمعات العربية، من انتقادات موجهة إلى الشباب، سواء عبر أوصاف من قبيل "جيل شق الأرض وخرج منها" في سياق يحمل دلالات شيطنة، أو عبر اتهامهم بالكسل والتفاهة في عصر الإنترنت والانتشار الرقمي، ليس حالة خاصة بهذه المجتمعات، بل ظاهرة ممتدة في ثقافات مختلفة منذ آلاف السنين.

فمنذ العصور القديمة، ظهر النقد الموجه إلى الأجيال الجديدة خلال فترات التحولات الاجتماعية الكبرى. وقدّم الشاعر الإغريقي هسيودوس في قصيدته "الأعمال والأيام" تصورًا متشائمًا عن "العصر الحديدي"، إذ رأى أن الأجيال اللاحقة ستشهد تراجعًا في القيم الأساسية وانهيارًا في الروابط الأسرية.

وتحدث هسيودوس عن زمن يفقد فيه الأبناء احترامهم لكبار السن، ويتعاملون بقسوة مع آبائهم، وتتراجع فيه قيم الحياء والضمير، إلى درجة أن الأطفال سيولدون بشعر رمادي في علامة على الشيخوخة المبكرة والفساد الداخلي. (1)

لحظات التحول الكبرى في المجتمعات غالبًا ما ترتبط بصعود جيل جديد يدخل المجال العام حاملاً تصورات مختلفة بشأن السلطة والاقتصاد والثقافة
لحظات التحول الكبرى في المجتمعات غالبًا ما ترتبط بصعود جيل جديد يدخل المجال العام حاملاً تصورات مختلفة بشأن السلطة والاقتصاد والثقافة - غيتي 

الشباب في الفلسفة الكلاسيكية
لم يقتصر انتقاد الشباب على الأدب القديم، بل ظهر أيضًا في الفكر الفلسفي. فقد وصف الفيلسوف اليوناني أرسطو الشباب بأنهم أكثر اندفاعًا وتأثرًا بالعواطف، معتبرًا أنهم يميلون إلى اتخاذ القرارات بناء على الرغبات والمشاعر، بسبب محدودية خبرتهم في مواجهة تعقيدات الحياة.
ورأى أرسطو أن الشباب يتسمون بالمبالغة في مشاعرهم، إذ "يحبون بإفراط ويكرهون بإفراط" (2)، كما أشار إلى صعوبة الحكم على الأمور بحكمة قبل اكتساب قدر أكبر من التجربة والنضج. 
وتكررت هذه الصورة في حضارات أخرى، من الفراعنة والبابليين إلى العصور الوسطى وما بعدها، إذ غالبًا ما وُضعت الأجيال الشابة "المختلفة" في دائرة الشك، مع التقليل من قدرتها على الحفاظ على البناء الأخلاقي والاجتماعي
لكن إذا كانت هذه النظرة المتكررة صحيحة، فكيف يمكن تفسير الدور المحوري الذي لعبته الأجيال الشابة في صناعة التحولات الكبرى عبر التاريخ؟

هل تصنع الأجيال الشابة التاريخ؟


منذ القرن التاسع عشر، لاحظ علماء الاجتماع والمؤرخون أن لحظات التحول الكبرى في المجتمعات غالبًا ما ترتبط بصعود جيل جديد يدخل المجال العام حاملاً تصورات مختلفة بشأن السلطة والاقتصاد والثقافة. فالثورات والحركات الاحتجاجية لا تنشأ فقط نتيجة الأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل ترتبط أيضًا بظهور أجيال تشعر بأن المؤسسات القائمة لم تعد تعبّر عن تطلعاتها أو تستجيب لتحديات عصرها.

هذا ما دفع عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم إلى طرح واحدة من أكثر النظريات تأثيرًا في دراسة الأجيال، حين رأى أن الأجيال ليست مجرد فئات عمرية، بل جماعات تاريخية يتشكل وعيها وسلوكها بفعل الأحداث الكبرى التي تعيشها خلال مرحلة الشباب.

فالأفراد الذين يمرون بتجارب تاريخية مشتركة، مثل الحروب أو الثورات أو الأزمات الاقتصادية، يطورون رؤى متقاربة تجاه العالم، تختلف عن رؤى الأجيال السابقة. ومن هذا المنطلق، يمكن، حسب مانهايم، فهم العديد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية عبر التاريخ بوصفها تعبيرًا عن صعود أجيال جديدة تسعى إلى إعادة تعريف علاقتها بالدولة والمجتمع والاقتصاد. (3)


من مانهايم إلى جيل الإنترنت


في مقاله الشهير "مشكلة الأجيال" عام 1928، جادل مانهايم بأن كل جيل يتشكل تحت تأثير ما سماه "الظروف التاريخية التكوينية" التي يعيشها خلال مرحلة الشباب المبكر. وهذه التجارب لا تؤثر فقط في المواقف السياسية للأفراد، بل تمتد إلى منظومة القيم والتصورات التي يحملونها تجاه المجتمع والعالم.

كما رأى أن الأحداث الكبرى تساعد على تشكيل وعي مشترك بين أفراد الجيل الواحد، حتى لو لم ينتموا إلى الخلفيات الاجتماعية أو الثقافية نفسها. ومن هنا يمكن فهم اختلاف تقييم كل جيل وفق المرحلة التاريخية التي نشأ فيها، بما في ذلك الأجيال الشابة المعاصرة.

وفي هذا السياق، يرى باحثون اجتماعيون أن جيل الألفية (المعروف أيضًا بجيل "الميلينيالز" أو الجيل Y) دخل مرحلة البلوغ في ظل الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي ترافقت مع ارتفاع معدلات البطالة وتزايد أعباء الديون، ما أثّر في نظرته إلى العمل والاستقرار الاقتصادي.

ورغم هذه التحديات، يتميز أبناء هذا الجيل بعدد من السمات المشتركة، من بينها ارتفاع مستوى التعليم، والقدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، والبحث عن معنى وقيمة في العمل، وليس الاكتفاء بالعائد المادي فقط.

كما ارتبط هذا الجيل بانفتاح ثقافي واسع نتيجة العولمة، وباهتمام أكبر بالقضايا السياسية والاجتماعية، واستخدام المنصات الرقمية للتعبير عن المواقف والمشاركة في النقاشات العامة.

ويُنظر إلى جيل الألفية بوصفه جيلًا انتقاليًا بين عالمين؛ إذ عاش أفراده طفولتهم في مرحلة ما قبل الانتشار الكامل للإنترنت، ثم دخلوا مرحلة الشباب مع صعود الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي، ما جعلهم أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الرقمية.

أما الجيل الذي تلاه، المعروف باسم الجيل الرقمي أو جيل زد (Gen Z)، فيواجه تحديات مختلفة، من بينها التشبع بالتكنولوجيا الرقمية، والقلق المرتبط بالتغير المناخي، والتحولات المتسارعة في سوق العمل.

ويُطلق مصطلح جيل زد عادة على الأشخاص المولودين بين عامي 1997 و2012 تقريبًا. ويُعد هذا الجيل أول جيل نشأ بالكامل في البيئة الرقمية، حيث تشكلت هويته في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الاعتماد على التقنيات الرقمية جزءًا أساسيًا من حياته اليومية والتعليمية والمهنية.

لكن هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يثير نقاشات واسعة بشأن مستقبل العمل بالنسبة إلى أبناء هذا الجيل، في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي والتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.


تسميات الأجيال وتحولات العصر
شهد القرن الماضي ظهور تسميات اجتماعية عديدة هدفت إلى تصنيف الأجيال وفق ظروفها التاريخية والاجتماعية، ومن بينها الجيل الأعظم، والجيل الصامت، وجيل طفرة المواليد، وجيل إكس، وجيل الألفية، وجيل زد، وصولًا إلى تسميات مرتبطة بسياقات محلية وإقليمية، مثل جيل الربيع العربي.
وبالعودة إلى أفكار كارل مانهايم، فإن الاختلافات بين الأجيال لا ينبغي فهمها باعتبارها انعكاسًا لاختلافات ثابتة في الشخصية أو الأخلاق (4)، بل بوصفها نتاجًا للسياقات التاريخية التي تشكل وعي كل جيل. 
وقد أصبحت طرق تعبير الأجيال الجديدة عن إحباطها من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية عاملًا مؤثرًا في مواجهة البنى القائمة، سواء أدت هذه التحركات إلى تغييرات جذرية أم لم تحقق أهدافها المباشرة
وفي هذا السياق، يمكن استحضار أمثلة عديدة تحولت فيها الأجيال الشابة، التي لطالما وُصفت تقليديًا بأنها غير ناضجة أو متمردة، إلى قوة رئيسية في صناعة التحولات داخل مجتمعاتها.

ثورات 1848: الشباب والقومية والدستور


شهدت أوروبا عام 1848 سلسلة واسعة من الثورات امتدت من فرنسا إلى الإمبراطورية النمساوية والولايات الألمانية والإيطالية. وكان الطلاب والمثقفون الشباب في قلب هذه التحركات، حيث شاركوا في قيادة المظاهرات، ونشر الصحف والمنشورات السياسية التي طالبت بالدساتير والحريات المدنية والتمثيل الشعبي.

ورغم فشل العديد من هذه الثورات على المدى القصير، فإنها أسهمت في ترسيخ أفكار سياسية واجتماعية مهمة، من بينها مفهوم الدولة القومية الحديثة، وتعزيز المطالب المرتبطة بالديمقراطية الدستورية والحقوق المدنية.


أسهمت في ترسيخ أفكار سياسية واجتماعية مهمة، من بينها مفهوم الدولة القومية الحديثة، وتعزيز المطالب المرتبطة بالديمقراطية
ثورات 1848 أسهمت في ترسيخ أفكار سياسية واجتماعية مهمة، من بينها مفهوم الدولة القومية الحديثة، وتعزيز المطالب المرتبطة بالديمقراطية (الصورة: غيتي)

جيل 1968: الثورة الثقافية العالمية


إذا كانت ثورات عام 1848 قد شكلت إحدى أولى موجات الحركات الشبابية الحديثة، فإن عام 1968 شهد إحدى أوسع موجات الاحتجاج الشبابي ذات الطابع العالمي.

ففي فترة زمنية متقاربة، شهدت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وعدد من دول أميركا اللاتينية احتجاجات واسعة قادها الطلاب والشباب. وتميز هذا الجيل برفضه للسلطوية التقليدية، ومعارضته للحروب، ولا سيما حرب فيتنام، إضافة إلى مطالبته بإصلاحات ثقافية وتعليمية عميقة.

ويرى مؤرخون أن تأثير هذه الحركة لم يقتصر على المجال السياسي، بل امتد إلى تغيير عدد من القيم الاجتماعية المرتبطة بالحريات الفردية، والعلاقات الاجتماعية، وحقوق المرأة.

ثورات
تميز الجيل الذي قاد ثورات 1968 برفضه للسلطوية التقليدية، ومعارضته للحروب، ولا سيما حرب فيتنام (الصورة: غيتي) 

تيان آنمن 1989: الشباب في مواجهة الدولة


في الصين، قاد طلاب جامعيون احتجاجات واسعة عام 1989، مطالبين بإصلاحات سياسية ومكافحة الفساد. ورغم النهاية المأساوية لهذه الحركة، فقد تحولت إلى رمز عالمي لقدرة الأجيال الشابة على تحدي الأنظمة السياسية الراسخة والمطالبة بالتغيير.


سقوط الكتلة الشرقية: دور الشباب في نهاية الحرب الباردة


بين عامي 1989 و1991، لعب الطلاب والشباب دورًا بارزًا في الحركات التي أسهمت في إنهاء الأنظمة الشيوعية في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية، وكانت هذه التحركات جزءًا من التحولات السياسية الكبرى التي قادت إلى نهاية الحرب الباردة.


الربيع العربي: جيل الإنترنت الأول


عندما اندلعت الاحتجاجات في عدد من الدول العربية أواخر عام 2010، كان العالم يشهد ظهور نمط جديد من الحركات السياسية والاجتماعية.

فقد برزت تحركات شعبية واسعة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وبدرجات متفاوتة في بعض دول الخليج، وكان للشباب دور مركزي في تنظيم الاحتجاجات وتعبئة الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن نتائج هذه التجارب اختلفت بصورة كبيرة من بلد إلى آخر؛ ففي حين نجحت بعض النماذج في إحداث تغييرات سياسية سلمية، انتهت تجارب أخرى إلى صراعات داخلية وحروب أهلية وانعدام استقرار سياسي وأمني واجتماعي.

الربيع العربي
كان للشباب في ثورات الربيع دور مركزي في تنظيم الاحتجاجات وتعبئة الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي (الصورة: غيتي)

ويمكن القول إن القاسم المشترك بين معظم هذه التجارب، بعد أكثر من عقد على انطلاقها، تمثل أيضًا في محدودية دور الشباب في صياغة مآلاتها النهائية، رغم الدور المحوري الذي لعبوه في إطلاقها واستمرار زخمها في مراحلها الأولى.

ومع ذلك، أثبتت تجربة الربيع العربي أن الإنترنت أصبح أداة أساسية في يد الشباب لتجاوز القيود التقليدية على التنظيم والحشد، وهو ما جعله عنصرًا رئيسيًا في أساليب التعبئة الجديدة التي ارتبطت بالأجيال الرقمية، ولا سيما جيل زد.


جيل زد: السياسة بعد الأيديولوجيا؟


يرى بعض الباحثين أن جيل زد يمثل أول جيل عالمي بالمعنى الواسع، إذ تشكل وعيه في بيئة رقمية مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية.

ويتميز هذا الجيل بما يُعرف بـ"النشأة الرقمية"، إذ لم يعرف كثير من أفراده عالمًا خاليًا من الإنترنت؛ فقد رافقت التكنولوجيا والهواتف الذكية مختلف مراحل حياتهم اليومية، وأسهمت المنصات الرقمية في تشكيل وعيهم الاجتماعي والبيئي، ومنحتهم مساحة للتعبير عن آرائهم والمطالبة بالتغيير.

وعلى خلاف أجيال الستينيات والسبعينيات، أو حتى جيل الربيع العربي، فإن كثيرًا من تحركات هذا الجيل لم تنطلق من أيديولوجيات سياسية كبرى، بل من قضايا مباشرة تمس الحياة اليومية، مثل البطالة، وأزمة السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانتشار الفساد، ولا سيما في المستويات العليا، وضعف جودة الخدمات العامة، وغياب العدالة الاجتماعية.

وكما يرى الباحثان (5) مانويل كاستيلز وزينب توفكتشي (6)، فإن الحركات الاجتماعية المعاصرة باتت تتسم بخصائص جديدة، من أبرزها اللامركزية، وضعف القيادة الهرمية، والقدرة على التعبئة السريعة بالاعتماد على الشبكات الرقمية، إضافة إلى قدرتها على الانتشار خارج الحدود الوطنية.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك احتجاجات الطلاب في بنغلادش عام 2024، حين قاد الطلاب حركة واسعة بدأت اعتراضًا على نظام الحصص في الوظائف الحكومية، قبل أن تتحول إلى احتجاجات ذات طابع سياسي أوسع.

وما ميز الحالة البنغلادشية هو تحول قضية مرتبطة بالتوظيف إلى أزمة ثقة وشرعية سياسية، وهو ما يعكس حساسية الأجيال الشابة تجاه قضايا تكافؤ الفرص والعدالة الاقتصادية.


كينيا: تمرد جيل زد
كينيا - غيتي
في كينيا، ظهرت واحدة من أبرز صور الاحتجاجات الشبابية الرقمية، حيث نظم آلاف الشباب تحركات عبر منصات التواصل الاجتماعي احتجاجًا على الضرائب وارتفاع تكاليف المعيشة.
بدأت في يونيو/ حزيران 2024 اعتراضًا على مشروع قانون المالية، ثم امتدت خلال 2025. وكان اللافت فيها أنها لم تعتمد على الأحزاب السياسية التقليدية، ولم تستند إلى الهويات القبلية المعتادة، كما افتقرت إلى قيادة مركزية واضحة، واعتمدت بدرجة كبيرة على أدوات التعبئة الرقمية. 
واعتبر عدد من الباحثين هذه الاحتجاجات نموذجًا لما يُعرف بـ"السياسة الشبكية"، وهو المفهوم الذي ارتبط بأبحاث عالم الاجتماع مانويل كاستيلز حول تأثير شبكات الاتصال الحديثة في أشكال الحراك الاجتماعي والسياسي.

المغرب: احتجاجات اجتماعية لجيل جديد
جيل زد في المغرب
شهد المغرب بروز موجات احتجاجية ذات مشاركة شبابية ملحوظة، ارتبطت بقضايا مثل البطالة، والتفاوت الاجتماعي، والتعليم، والخدمات الصحية، وأولويات الإنفاق العام. وكان أبرزها حركة "جيل زد" التي بدأت موجتها الأبرز في سبتمبر/ أيلول 2025.
وتعكس هذه التحركات انتقال النقاش السياسي لدى قطاعات من الأجيال الجديدة من الشعارات الأيديولوجية الكبرى إلى مطالب مرتبطة بجودة الحياة، والحكم الرشيد، والعدالة الاجتماعية.

نافذة أرشيفية من برنامج "اقتصادكم" عبر التلفزيون العربي تسلط الضوء على جيل زد في المغرب وأسباب تحركه


انتفاضة "الصراصير": الاحتجاج الساخر في زمن جيل زد


شغلت قصة "حزب الصراصير" وسائل الإعلام خلال الأشهر الماضية، بعدما تحولت قناة ساخرة ردًا على تصريحات مسؤول سياسي إلى منبر رقمي لتيار شعبي واسع، هدد أنماط السياسة التقليدية في بلد شديد التعقيد مثل الهند.

وكما أشارت صحيفة "الغارديان"، يمكن النظر إلى ما عُرف لاحقًا باسم "حزب الصراصير" ليس باعتباره حزبًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل بوصفه أحد أوضح الأمثلة حتى الآن على تحول الاحتجاج الشبابي من السياسة الأيديولوجية إلى السياسة الثقافية الرقمية، وهي سمة تتكرر بصورة متزايدة في عدد من تحركات جيل زد حول العالم. (7)

فما حدث لا يشبه الثورات الطلابية الكلاسيكية، مثل احتجاجات عام 1968، أو حتى موجات الربيع العربي، بل يمثل نموذجًا أكثر حداثة يمكن وصفه بـ"الاحتجاج الساخر" أو "السياسة الميمية"، حيث تتحول السخرية والرموز الرقمية إلى أدوات للتعبئة السياسية. (8)

ونشأت الحركة في الهند عام 2026 عقب تصريحات لرئيس المحكمة العليا الهندية شبّه فيها بعض الشباب العاطلين عن العمل بـ"الصراصير"، ما دفع آلاف الشباب إلى تبني الوصف نفسه بطريقة ساخرة، وتحويله إلى رمز للاحتجاج على البطالة، وتسريب الامتحانات، والفساد، وضعف الفرص الاقتصادية.

ومن الناحية السوسيولوجية، رأى مراقبون أن هذه الظاهرة تتقاطع مع احتجاجات كينيا وبنغلادش في عدد من الخصائص؛ فهي حركة يقودها شباب غاضبون ينتمون في معظمهم إلى جيل زد، ونشأت خارج الأطر الحزبية التقليدية، وهو ما منحها قدرة على جذب المؤيدين أبعادًا تتجاوز الظاهرة نفسها.

كما اعتمدت الحركة بصورة أساسية على منصات التواصل الاجتماعي بدل التنظيمات السياسية التقليدية، وركزت على قضايا يومية تمس حياة المواطنين، مثل المعيشة والبطالة والتعليم، أكثر من تركيزها على الصراعات الأيديولوجية الكبرى.

ومن الناحية الشكلية، استخدمت الحركة خطابًا رمزيًا وأدوات إبداعية لجذب الانتباه الإعلامي، وهو أسلوب أصبح سمة بارزة في عدد من تحركات الشباب خلال العصر الرقمي. (9)

وتكشف هذه الظاهرة عن تحول مهم في أنماط التعبئة السياسية لدى الأجيال الجديدة، حيث أصبحت السخرية والرموز الرقمية والانتشار الفيروسي عبر المنصات الاجتماعية أدوات للتعبير السياسي لا تقل أهمية عن المظاهرات أو التنظيمات التقليدية.

فمن ثورات عام 1848 إلى احتجاجات بنغلادش وكينيا والمغرب، يتكرر نمط تاريخي واضح: عندما تشعر الأجيال الصاعدة بأن المؤسسات السياسية والاقتصادية لم تعد قادرة على تمثيل مصالحها، فإنها تبحث عن وسائل جديدة للتعبير والتغيير.

الهند
 ما يميز المرحلة الراهنة هو أن جيل زد لا يتحرك فقط داخل حدود دوله، بل داخل فضاء رقمي عالمي مشترك - غيتي

ولا يهم كثيرًا كيف يصف الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأجيال الأكبر سنًا أخلاق الأجيال الجديدة؛ إذ إن هذه الأجيال تجسد في النهاية رغبة مستمرة في التغيير، والتمرد على النظام القائم، أو محاولة تجاوز حالة الجمود السياسي والاجتماعي.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو أن جيل زد لا يتحرك فقط داخل حدود دوله، بل داخل فضاء رقمي عالمي مشترك. لذلك فإن الاحتجاجات التي تظهر في دكا أو نيروبي أو الرباط لا يمكن فهمها بوصفها أحداثًا محلية منفصلة فحسب، بل باعتبارها جزءًا من تحول أوسع في العلاقة بين الشباب والسياسة في القرن الحادي والعشرين.

وبينما كان جيل 1968 يحلم بتغيير العالم عبر الثورة الثقافية، وكان جيل الربيع العربي يطمح إلى إعادة تشكيل الدولة، يبدو أن جيل زد يسعى قبل كل شيء إلى جعل الدولة أكثر كفاءة وشفافية وعدالة في تلبية احتياجات الحياة اليومية. وربما تمثل هذه السمة أبرز ما يميز أحدث جيل سياسي في التاريخ المعاصر.



مراجع أساسية:


1- Brill's Companion to Hesiod Boston 2009
2- Plato and Aristotle on youth and politics. Edward fester 2024
3- Mannheim, Karl (1928), The Problem of Generations.
4-  Mannheim, Karl (1928), The Problem of Generations.
5 -Castells, Manuel (2012), Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age.
 6 -Tufekci, Zeynep (2017), Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest.
7 -8 "'What if all cockroaches came together?' The youth movement threatening to shake up India's politics" The Guardian June 2026
9- ‘Cockroach Janta Party’: Top Indian judge’s comment sparks satire, protest Aljazeera English May 2026"
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من