الجمعة 9 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

الأرجنتين التي لا تستسلم.. كيف صنعت المعاناة عقلية منتخب فولاذي؟

الأرجنتين التي لا تستسلم.. كيف صنعت المعاناة عقلية منتخب فولاذي؟

شارك القصة

تميزت قدرات المنتخب الأرجنتيني بالروح القتالية للاعبيه
تميزت قدرات المنتخب الأرجنتيني بالروح القتالية للاعبيه - غيتي
تميزت قدرات المنتخب الأرجنتيني بالروح القتالية للاعبيه - غيتي
الخط
كشفت انتصارات الأرجنتين المتأخرة في مونديال 2026 عن ذهنية تنافسية ترى في الضغط فرصة للتماسك، وتربط بين شخصية المنتخب وثقافة قائمة على القتال حتى اللحظة الأخيرة.

يخوض المنتخب الأرجنتيني نهائي كأس العالم أمام إسبانيا، غدًا الأحد، وهو يحمل صورة فريق اعتاد النجاة من أصعب المواقف، بعدما كرر العودة في النتائج خلال الأدوار الإقصائية من البطولة.

ويرى مشجعو حامل اللقب أن فريقهم لن يتراجع مهما كان سيناريو المباراة، مستندين إلى سلسلة من الانتصارات التي حسمتها الأرجنتين في اللحظات الأخيرة، وإلى هوية باتت ترتبط بالقدرة على تحمل الضغط ومواصلة القتال.

أفضل اداء عند "المأزق"

وتكررت خلال الأسابيع الماضية عبارة أن المنتخب "يعرف كيف يعاني"، سواء على لسان اللاعبين أو أعضاء الجهاز الفني أو الجماهير.

وقال المدرب ليونيل سكالوني عقب الفوز المتأخر على إنكلترا 2-1 في نصف النهائي: "أعتقد أن هذا المنتخب يقدم أفضل أداء له عندما يكون في مأزق".

ولم تأت تصريحات سكالوني من فراغ، إذ قلبت الأرجنتين أكثر من مباراة خلال مشوارها نحو النهائي، فأمام الرأس الأخضر، احتاج حامل اللقب إلى تسجيل هدفين بعد التمديد للفوز 3-2 والتأهل إلى دور الـ16.

ثم وجد المنتخب نفسه متأخرًا بهدفين دون رد أمام مصر حتى الدقيقة 78، قبل أن يقوده ليونيل ميسي إلى عودة مثيرة انتهت بتسجيل ثلاثة أهداف متأخرة.

وفي ربع النهائي، تجنبت الأرجنتين ركلات الترجيح أمام سويسرا بعدما أحرزت هدفين خلال الشوط الإضافي الثاني، وتكررت الصورة في نصف النهائي أمام إنكلترا، حين تأخر الفريق بهدف قبل أن يقلب النتيجة في الدقائق الأخيرة ويتأهل إلى مواجهة إسبانيا.

"لايستسلمون"

ويرى المحامي الأرجنتيني ماتياس سيريلي أن هذه العودة المتكررة تعكس شخصية جماعية تتجاوز حدود الملعب، وقال: "إنها مجموعة من الأشخاص الذين، رغم المصاعب، لا يستسلمون أبدًا".

وربط سيريلي بين صمود المنتخب وما عاشه المجتمع الأرجنتيني من أزمات خلال العقود الماضية، معتبرًا أن الإيمان بإمكان تغيير النتيجة جزء من المزاج العام في البلاد. وأضاف: "لن يعتبر الأرجنتينيون أبدًا أن المعركة خاسرة، حتى لو كانت التوقعات غير مواتية تمامًا".

ويعتقد خبراء أن سكالوني لعب دورًا أساسيًا في تحويل هذه الروح إلى منظومة مستقرة منذ توليه تدريب المنتخب عام 2018.

وركز المدرب على بناء مجموعة متماسكة حول ميسي، بدل الاكتفاء بالاعتماد على قدراته الفردية، وهو ما منح الفريق شخصية أكثر توازنًا في اللحظات الصعبة.

منتخب الأرجنتين

ذهنية منافسة

وخلال الأعوام التالية، تحولت الأرجنتين إلى منتخب معتاد على الألقاب، بعدما توجت بكوبا أميركا مرتين، وأحرزت كأس العالم في قطر عام 2022، إضافة إلى لقب "فيناليسيما".

ورأى رئيس الجمعية الأرجنتينية لعلم النفس الرياضي بابلو نيغرو أن هذا التحول نتاج عمل طويل، وليس مجرد اندفاع عاطفي مؤقت. وقال: "هذا المنتخب يرى في الضغط فرصة للتطور الذاتي ولتحقيق التميز".

وأضاف أن الذهنية التي يظهرها اللاعبون تعود جزئيًا إلى طبيعة المنافسة في الكرة الأرجنتينية، وإلى مستوى التوقعات المرتفع داخل المجتمع. وتابع: "نحن نعيش في بلد يقوم إلى حد كبير على السعي إلى النجاح، حيث يُتوقع منا الفوز باستمرار منذ سن مبكرة".

"غادروا ورؤوسكم مرفوعة"

بدوره، اعتبر عالم الأنثروبولوجيا فيديريكو سيسلي أن تكوين اللاعبين في الفئات العمرية الصغيرة يسهم في صناعة هذه الشخصية قبل الوصول إلى المنتخب الأول.

وأوضح أن برامج تطوير الناشئين في الأرجنتين تركز على قيم التضحية والتواضع والانضباط، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من اللاعبين ينحدرون من عائلات محدودة الدخل.

وأشار إلى أن كثيرين منهم ينشأون وهم يشعرون بأن النجاح وسيلة لرد الجميل لعائلاتهم ومدربيهم، ما يضاعف إحساسهم بالمسؤولية داخل الملعب.

وقال سيسلي: "ما يقدمه التواضع هو منح اللاعب الأداة الرئيسة لتجاوز الشدائد والمضي قدمًا".

كما تلعب الجماهير دورًا في ترسيخ هذه العقلية، ليس فقط من خلال المطالبة بالفوز، بل عبر رفض التراخي أو الاستسلام. وأضاف: "هم يطالبون لاعب كرة القدم الأرجنتيني ليس بقدر ما هو أداء جيد، بل أن يبذل قصارى جهده... طالما يحدث ذلك، فإنك تغادر ورأسك مرفوعة".

وبين تأثير سكالوني، وخبرة ميسي، وضغط الجماهير، وتقاليد التكوين، تدخل الأرجنتين نهائي إسبانيا وهي تراهن على صفة أثبتتها أكثر من مرة في البطولة: القدرة على البقاء داخل المباراة حتى آخر لحظة.

تابع القراءة

المصادر

أ ف ب