الأحد 17 مايو / مايو 2026
Close

الأشياء الصغيرة التي تختصر الحرب.. من الراديو إلى الشمعة وحقائب النزوح

الأشياء الصغيرة التي تختصر الحرب.. من الراديو إلى الشمعة وحقائب النزوح محدث 17 أبريل 2026

شارك القصة

 بقيت آثار الرصاص في بعض مباني بيروت جزءًا من المشهد الحضري بعد الحرب - غيتي
بقيت آثار الرصاص في بعض مباني بيروت جزءًا من المشهد الحضري بعد الحرب - غيتي
بقيت آثار الرصاص في بعض مباني بيروت جزءًا من المشهد الحضري بعد الحرب - غيتي
الخط
لا تُستعاد الحرب الأهلية اللبنانية بالمعارك وحدها، ولكن أيضًا بالأشياء الصغيرة التي رافقت الناس في البيوت والملاجئ والنزوح، من الراديو إلى الشموع وحقائب الهرب.
كيف بقيت أدوات النجاة اليومية جزءًا من ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية؟
هنا استعادة لأثر الراديو والشمعة والهوية والحقيبة في حياة الناس

تُستعاد الحرب الأهلية اللبنانية في لغة المتحاربين القدامى والساسة عبر مفردات مثل المجازر والمعارك والمذابح، وكثيرًا ما تقترن في الذاكرة بأسماء أنواع من الأسلحة والذخائر، أو بأشخاص عُدّوا رموزًا على متراس، أو في غرفة قيادة، أو حتى بجهات خارجية لعبت أدوارًا في مسارها.

أما الذين عاشوا الحرب في تفاصيل يومياتهم، وبدّلت خططهم أو أفقدتهم أحباءهم، وكانوا يعدّون الأيام ثم الأسابيع قبل أن يمتد الاقتتال إلى أشهر فأعوام، فإنهم يستعيدونها من زاوية أخرى: زاوية الأشياء الصغيرة التي لازمتهم، وتحوّلت في لحظة الخوف إلى أدوات نجاة.

فالحرب، إن لم تكن قد أجبرتهم على النزوح، أعادت ترتيب بيوتهم من الداخل: طريقة استخدام الغرف، وما ينبغي اقتناؤه، وأين يُحفَظ، وعلى أي رفّ يوضع، وما الذي يجب أن يبقى قريبًا من الباب، أو في درج المطبخ، أو في متناول اليد تحسبًا لأي طارئ.

بعض هذه الأدوات صار جزءًا من ألف باء الاستعداد اليومي: الشموع، والمفاتيح المعلّقة قرب الباب، وراديو الجيب، وغلّونات الماء، وبطاقات الهوية، والبطانيات، وحقيبة النزوح، وعبوات الدواء، إلى جانب ما أمكن توضيبُه سريعًا من طعام، وما أمكن حمله من ألعاب الأطفال.

وبعد حرب استمرت 15 عامًا، بقيت هذه الأشياء مرتبطة في الذاكرة اللبنانية بأحداث من زمن المعارك والموت ومحاولات النجاة. إنها ذاكرة ملموسة تستعيد زمنًا كاملًا بالصوت والصورة والإحساس.


  •  الراديو.. صلة الوصل مع العالم الخارجي

في عتمة البيوت والملاجئ، شكّل صوت المذياع خلال الحرب صلة الوصل مع العالم الخارجي.

لم تكن هناك هواتف ذكية ولا رسائل فورية. كانت هناك محطات إذاعية يتابعها الناس لمعرفة أخبار الجبهات، والطرقات السالكة، ومواعيد الهدن، ومناطق الخطر. وفي كثير من الأحيان، لم يكن الراديو وسيلة لمعرفة الأخبار فقط، وإنما جزءًا من تدبير النجاة نفسه.

ويروي كثيرون كيف كان المذياع يرسم ملامح يومهم، وكيف كان سماع نشراته ضرورة لا تقل أهمية عن الطعام أو الماء. وحين تراجع استخدامه في الأعوام الأخيرة، بقي عند كثيرين باعثًا على ذكريات الماضي أكثر مما بقي نافذة على أخبار الحاضر.


  • الشمعة وغلّون الماء.. ضوء النجاة والاستعداد للأسوأ

في الحرب التي أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص، خففت الشموع وحشة الملاجئ والبيوت مع انقطاع الكهرباء، ومنحت الناس الحد الأدنى من الضوء والحياة.

فلولاها لما أمكن رؤية الوجوه أو تناول الطعام أو تهدئة الأطفال في ليالي القصف الطويلة. ولهذا السبب، ارتبطت الشموع في الذاكرة اللبنانية بالحرب والقلق والتجمعات العائلية القسرية في الملاجئ أو في إحدى الغرف الداخلية، كما ارتبطت بقدرة الناس على احتمال الظلام ريثما يأتي الصباح.

ولهذا أيضًا، كلما تدهورت الأوضاع الأمنية أو الاقتصادية في لبنان، يسارع كثيرون إلى شراء الشموع، كأنهم يستعيدون غريزيًا واحدًا من أقدم دروس الحرب: الاستعداد للعتمة.

ومن ناحيته، شكّل غلّون الماء خلال الحرب الأهلية اللبنانية أحد أساسيات النجاة. فالاحتفاظ به ممتلئًا على الدوام كان ضمانة للوصول إلى المياه متى احتدمت المعارك وتعذر الخروج من الملاجئ أو البيوت.

وأصبح إبقاء الماء جاهزًا جزءًا من تمرين يومي على الاستعداد للسيناريو الأسوأ، لا سيما في بلد يمكن أن تنقطع فيه الخدمات أو تُغلق فيه الطرق فجأة.


  • الهوية.. ورقة قد تنقذ أو تقتل

بطاقة الهوية أيضًا كانت من الأدوات التي لا يمكن الاستغناء عنها. كان لا بد منها للتعريف بحاملها عند الحاجة، ولتسهيل المرور في بعض الأحيان.

لكن الهوية، في بلد منقسم على ذاته ويقتتل أهله باسم الدين والأحزاب والانتماءات، لم تكن دائمًا وسيلة حماية.

في كثير من الحالات، كانت سببًا للخطف أو القتل، وفي حالات أخرى كانت دافعًا لتسهيل المرور أو الاستفادة من خدمات في مناطق دون غيرها.

ومن هنا، عرف اللبنانيون مصطلح "القتل على الهوية"، وردّدوه طويلًا عند استعادة أهوال الحرب، للتذكير بما حملته تلك السنوات من رعب، وللتنبيه إلى ما يمكن أن تفعله الانقسامات حين تتحول الورقة الصغيرة في الجيب إلى مسألة حياة أو موت.


حقيبة النزوح.. فن الاستغناء في لحظة الهرب

إلى جانب ذلك، تختصر حقيبة النزوح واقع الاستعداد للمغادرة في أي وقت، وتكشف ما الذي اضطر الناس إلى التخلي عنه، وما الذي اختاروه ليكون رفيقهم في الرحيل.

كانت ملايين الحقائب، في زمن الحرب، تتشابه في محتواها: وثائق مهمة، بعض الثياب، طعام قليل، أدوية أساسية، وأحيانًا بعض المال أو الذهب إن وُجدا، إضافة إلى أشياء صغيرة ذات قيمة تذكارية لا تحتمل النفس تركها خلفها.

وهكذا كانت الحقيبة، عند لحظة اللجوء إليها، تشير إلى الحد الفاصل بين ما كان وما قد لا يعود متاحًا لاحقًا. بين ما قد تسرقه الحرب وتحوله إلى خراب، وما يمكن إنقاذه ليبقى كل ما يملكه الإنسان في لحظة واحدة.


لماذا بقيت هذه الأشياء الصغيرة حيّة في الذاكرة؟

بقيت هذه الأشياء الصغيرة في الذاكرة أكثر من غيرها، لأن الناس لا يتذكرون الرابح والخاسر في الحرب فقط.

ما يعيش طويلًا في وجدانهم هو كيف عاشوا، وكيف تصرفوا في لحظات الخوف، وكيف تحولت الأدوات البسيطة التي اعتادوا استخدامها إلى قشة نجاة، وإلى دليل يومي على رغبتهم في التكيّف والاستمرار.


لا تختصر الحرب الأهلية اللبنانية نفسها في الخرائط والمتاريس والبيانات العسكرية وحدها. ثمة حرب أخرى تسكن في راديو صغير، وفي شمعة، وفي غلّون ماء، وفي بطاقة هوية، وفي حقيبة بقيت قرب الباب، جاهزة لأن تُحمَل في أي لحظة. هذه الأشياء لا تروي تفاصيل الحرب كلها، لكنها تختصر، في صمتها، كيف حاول الناس أن ينجوا منها.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي