الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026

الأوديسة بعد هوميروس.. غودار حين يبدو أكثر معاصرة وثورية من كريستوفر نولان

الأوديسة بعد هوميروس.. غودار حين يبدو أكثر معاصرة وثورية من كريستوفر نولان محدث 02 أغسطس 2026

شارك القصة

بعد أوديسة نولان تستعاد الأفلام التي تناولت ملحمة هوميروس- غيتي
يعيد كريستوفر نولان تقديم ملحمة "الأوديسة" في فيلم يقوم على الإنتاج الضخم والمشهديات البصرية - غيتي
يعيد كريستوفر نولان تقديم ملحمة "الأوديسة" في فيلم يقوم على الإنتاج الضخم والمشهديات البصرية - غيتي
الخط
يعيد فيلم كريستوفر نولان "الأوديسة" ملحمة هوميروس إلى الواجهة، لكن مقارنته بفيلم "الاحتقار" تكشف كيف قدّم جان لوك غودار قراءة أكثر معاصرة للأسطورة، تمزج بين الحب والمال والفن.

يفتتح كارل ماركس وفردريك إنجلز "البيان الشيوعي"، الذي نشراه عام 1848، بمقدمة غدت كلاسيكية تقول إن ثمة "شبحًا يحوم في أوروبا". إنه "شبح الشيوعية".

"ضد هذا الشبح اتّحدت في طراد رهيب قوى أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني".

وحّد ذلك الشبح الجميع في مواجهته، بحسب "البيان الشيوعي"، واجتاح أوروبا كالحُمّى التي لا تميّز بين نظام وآخر، أو طبقة وأخرى، أو عرق ولون دون سواهما، فليس ثمة من هو في "منجاة" منها، على الأقل خلال اندفاعتها الأولى، المرعبة والمزلزلة.


آن هاثاواي التي تؤدي دور بنيلوبي في الأوديسة خلال عرض الفيلم في لندن- رويترز
آن هاثاواي، التي تؤدي دور بنيلوبي في "الأوديسة"، خلال العرض الأول للفيلم في لندن - رويترز

وعلى نحو معاصر لا صلة له بالقرن التاسع عشر، ثمة من أطلق شبحًا آخر لا علاقة له بالشيوعية، وإنما بالأساطير، وللدقة بالشعر الملحمي، وأعاده مجددًا إلى الواجهة، فإذا به يكتسح العالم كله تقريبًا، ويوحّده في الفضول لمعرفته أو مشاهدته في دور السينما، أو متابعة مقتطفاته وملخصاته على منصة يوتيوب وسواها، حتى لو كانت المعرفة به مجتزأة أو ملخّصة أو مشوّهة.


حُمّى الأوديسة تجتاح العالم

إنها "الأوديسة"، الملحمة التي تسرد قصة عودة المحارب الإغريقي أوديسيوس، ملك إيثاكا، إلى دياره وزوجته بنيلوبي المخلصة بعد حرب طروادة، والتي كان فيها صاحب حيلة الحصان الخشبي الضخم الذي أصبح لاحقًا واحدة من الاستعارات الإنسانية والشعرية الكبرى.

 

فمن مومباي في الهند إلى العاصمة البريطانية لندن، مرورًا بمئات دور السينما في الشرق الأوسط وآسيا، تتوسّع حُمّى "الأوديسة" للمخرج البريطاني- الأميركي الشهير كريستوفر نولان، ومن المقرر أن يُعرض الفيلم في الصين في منتصف أغسطس/آب.


الأوديسة يتناول عودة المحارب الاغريقي أوديسيوس إلى ايثاكا- مواقع التواصل
يتناول "الأوديسة" رحلة عودة المحارب الإغريقي أوديسيوس إلى إيثاكا بعد حرب طروادة

ارتبطت حرب طروادة بملحمتي الشاعر اليوناني هوميروس، "الإلياذة" و"الأوديسة"، اللتين يُرجّح أنهما دُوّنتا في أواخر القرن الثامن وبدايات القرن السابع قبل الميلاد.

وفي "الإلياذة"، التي تتكون من 24 نشيدًا، يسرد هوميروس جانبًا من أحداث السنة الأخيرة من حرب طروادة وحصارها، بعد ذهاب هيلين، أميرة إسبرطة، مع الأمير باريس، ابن ملك طروادة، سواء بالهرب أو الاختطاف، بحسب الروايات المختلفة للأسطورة.

وتسرد "الإلياذة" أيضًا الصراع بين الملك أغاممنون، قائد الجيوش التي تحاصر طروادة، والمحارب أخيل. أما حيلة الحصان الخشبي، فلا تقع ضمن أحداث الملحمة، التي تنتهي قبل سقوط طروادة، لكنها تحضر في "الأوديسة" من خلال إشارات إلى دور أوديسيوس في ابتكار الحيلة التي مكّنت المحاربين من التسلل إلى المدينة والسيطرة عليها قبل تدميرها.


العودة إلى  إيثاكا.. من الملحمة إلى السينما


في "الأوديسة"، التي يُعتقد أنها كُتبت بعد عقود من "الإلياذة"، يروي هوميروس، في 24 نشيدًا، عودة أوديسيوس بعد الحرب إلى مدينته إيثاكا، والأهوال التي اعترضت طريقه بسبب لعنة الآلهة.

وجعلت هذه الأهوال عودته تستغرق عشر سنوات، قضاها تائهًا في البحر ومطاردًا على اليابسة من مخلوقات ضخمة ووحوش وساحرات، قبل أن يصل إلى مدينته التي كانت تعيش آنذاك صراعًا محتدمًا على زوجته بنيلوبي وعلى العرش.

وبوصوله بعد عشرين عامًا من الحرب والتيه في البحر، يستعيد مُلكه وزوجته، وتتحوّل قصته إلى واحدة من أساطير اليونان الكبرى، وتصبح ثيمة رئيسية في الآداب والفنون عبر القرون والثقافات المختلفة.


بنيلوبي في لوحة فبرناردينو بنتشيشيو (بينتوريكيو) أحد فناني عصر النهضة- غيتي

 بنيلوبي في لوحة لبرناردينو دي بيتو، المعروف باسم بينتوريكيو، أحد فناني عصر النهضة - غيتي

وبصفتها نصًا ملحميًا وميثولوجيًا حمّالًا لدلالات متباينة، كثير منها رمزي ويتجاوز المعاني الأولى للأحداث، حافظت "الأوديسة"، ومثلها "الإلياذة"، على سحر خاص أغرى مئات الفنانين والكتّاب بإعادة إنتاجها ومقاربتها، جزئيًا أو كليًا، برؤى معاصرة أو مختلفة، وربما ثورية تشكّك حتى في صدقية النصين الملحميين ودلالات أحداثهما.

ووصل هذا السحر إلى السينما، التي تناولت "الأوديسة" مرارًا، منذ الفيلم الإيطالي L'Odissea، الذي أُنتج عام 1911 في عصر السينما الصامتة، وانتهاء بـ"الأوديسة" الذي أخرجه كريستوفر نولان.

كما تناولت أفلام يصعب حصرها ثيمات محددة من ملحمة هوميروس، جزئيًا ومن دون أن تُعنون باسمها، مثل فيلم "الاحتقار"، تحفة الفرنسي جان لوك غودار الذي أخرجها عام 1963، وفيلم "العودة" The Return، من إنتاج عام 2024 وإخراج الإيطالي أوبرتو بازوليني وبطولة رالف فاينس وجوليت بينوش.

ومن بينها أيضًا فيلم "يوليسيس" Ulysses، من إنتاج عام 1954 وإخراج ماريو كاميريني وبطولة كيرك دوغلاس والإيطالية سيلفانا مانغانو وأنطوني كوين، إضافة إلى أفلام أخرى.


ظاهرة كريستوفر نولان 


تصدّر "أوديسة" نولان شباك التذاكر في الولايات المتحدة خلال أول أسبوعين من عرضه، محققًا إيرادات عالمية وصلت إلى 640 مليون دولار.

وكانت إيرادات الأسبوع الأول قد تجاوزت الرقم المعلن لميزانية الإنتاج، البالغ 250 مليون دولار، ما يجعل من مخرجه كريستوفر نولان واحدًا من أساطير السينما الأميركية، على صعيد إيرادات أفلامه على الأقل، ومنها "أوبنهايمر"، الذي حقق نحو مليار دولار، و"إنسبشن"، بنحو 840 مليون دولار، و"ذا دارك نايت"، بأكثر من مليار دولار، و"ذا دارك نايت رايزز"، بنحو مليار و85 مليون دولار.


تحوّل نولان الى ظاهرة في السينما بمشهدياته الضخمة وايرادات أفلامه- غيتي
تحوّل كريستوفر نولان إلى ظاهرة سينمائية بفضل إنتاجاته الضخمة والإيرادات التي حققتها أفلامه - غيتي 

 وبالإضافة إلى تصدّر أفلامه قائمة الأعلى إيرادًا، حاز نولان جائزة أوسكار أفضل مخرج عام 2024 عن فيلمه "أوبنهايمر"، للمرة الأولى في مسيرته السينمائية التي تمتد على أكثر من ربع قرن. كما نال الفيلم نفسه ست جوائز أوسكار أخرى، من بينها أفضل فيلم وأفضل ممثل وأفضل تصوير سينمائي.

ويُعد نولان، منذ سنوات، مخرج الإنتاجات والمشهديات الضخمة في السينما الأميركية، ويذكّر صعوده الكبير واكتساح أفلامه دور السينما وتحقيقها أعلى الإيرادات بالأميركي جيمس كاميرون، صاحب "تايتانيك" عام 1997 و"أفاتار" عام 2009، كما يذكّر بالنيوزيلندي بيتر جاكسون، مخرج سلسلة أفلام "سيد الخواتم".



ارتفاع غير مسبوق لمبيعات ملحمة الأوديسة


وكما أعاد "أوديسة" نولان الأضواء إلى عدة أفلام سبقته وتناولت ملحمة هوميروس، أعاد فيلمه أيضًا الاهتمام في أنحاء العالم بنص الملحمة نفسها، المترجم إلى عشرات اللغات.

وبحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، ارتفعت مبيعات كتاب "الأوديسة" في بريطانيا بنسبة 1400% خلال الأسابيع الأربعة الأولى من يوليو/تموز، بالتزامن مع بدء عرض فيلم نولان، وفقًا لبيانات شركة "نيلسن آي كيو".

كما زادت مبيعات النسخة التي ترجمتها إميلي ويلسون عام 2017 من الملحمة لدى سلسلة مكتبات "ووترستونز"، الأكبر في بريطانيا، بنسبة تجاوزت 1000% مقارنة بالعام 2025.


ارتفاع مبيعات كتاب "الأوديسة" في بريطانيا بنسبة 1400%- غيتي
ارتفعت مبيعات كتاب "الأوديسة" في بريطانيا بنسبة 1400% بالتزامن مع عرض فيلم نولان - غيتي 

ووفقًا لتقرير صحيفة "لوس أنجليس تايمز"، تجاوزت مبيعات ترجمة ويلسون للملحمة في الولايات المتحدة مليون نسخة هذا العام.

وشمل الارتفاع الكبير في الاهتمام بـ"الأوديسة" منصة سبوتيفاي، التي أفادت بأن عمليات البحث عن ترجمات أعمال هوميروس زادت بنسبة 310%.

كما جرى الاستماع إلى "الأوديسة" على سبوتيفاي لمدة تعادل أكثر من 43 عامًا من التشغيل المتواصل، عبر 91 إصدارًا صوتيًا بعشر لغات.


"الأوديسة" بين غودار ونولان


على خلاف "أوديسة" نولان بمشهدياته الضخمة ومحاولات مخرجه إضفاء طابع معاصر على فيلمه، فإن فيلم "الاحتقار" الصادر عام 1963 يقارب ملحمة "الأوديسة" على نحو أكثر معاصرة وإبداعًا في الوقت نفسه، لا من حيث الرؤيا فحسب، بل من حيث اللغة السينمائية أيضًا.
غودار اثناء عمله في "الاحتقار" المأخوذ عن رواية للايطالي ألبرتو مورافيا- غيتي
جان لوك غودار أثناء تصوير "الاحتقار"، المأخوذ عن رواية للإيطالي ألبرتو مورافيا - غيتي​​​​​​

صحيح أن نولان يقدم ما "يُبهر"، لكن الفرنسي جان لوك غودار يقدّم ما "يُذهل في عمقه"، رغم بساطته المخاتلة للوهلة الأولى. فبناء الفيلم دراميًا لدى غودار لا يتم عبر "قصته" فحسب، بل عبر تطور دلالات مشاهده الأخّاذة، التي يدور نحو نصفها داخل شقة مغلقة.

قد يبدو ما سبق حكمًا مسبقًا يُلجأ إليه للتبخيس من قيمة الأعمال الضخمة التي تحظى بانتشار واسع وشعبية استثنائية، ويشبه الأحكام النمطية التي تفصل الموهبة عن الوسامة لدى الممثلين، أو عن الجمال لدى الممثلات، بحيث تقلّ حظوظهم في نيل الجوائز، وفق هذه النظرة، كلما كانوا أكثر جمالًا.

لكن هذا ليس صحيحًا دائمًا، خاصة في حالة "الاحتقار" لغودار، الذي تدور أحداثه "القليلة"، خلال يومين، بالتوازي مع عملية إنتاج فيلم مأخوذ عن ملحمة "الأوديسة" لهوميروس، ما يجعل الحدث المعاصر قراءة للملحمة نفسها، وفي حالة حوار وجدل معها، فإذا به فعليًا إعادة تمثيل وإنتاج لها.

وهذا ما يسوّغ أيضًا المقارنة بين الفيلمين...


يقدم فيلم الاحتقار معالجة مضادة للأوديسة (الصورة لبريجيت باردو في الفيلم)- غيتي
يقدّم فيلم "الاحتقار" معالجة معاصرة ومضادة لبعض دلالات "الأوديسة" - غيتي 

يبدأ "الاحتقار" بكاميل، التي تؤدي دورها بريجيت باردو، نائمة على بطنها في السرير بالقرب من زوجها بول، الذي يؤدي دوره ميشال بيكولي، عارية تمامًا، وهي تسأله عما إذا كان يحب قدميها، ثم ركبتيها ونهديها وسائر جسدها، فيجيب مؤكدًا أنه يحبها "تمامًا"، وبرقة، و"بشكل مأساوي".

تبدو كاميل هنا متطلّبة للحب، وتريد أن تتأكد من حبه لها، لكن الأمر سرعان ما يتغيّر عندما يقابلان منتجًا أميركيًا يريد إنتاج فيلم عن "أوديسة" هوميروس، لكنه يريده معاصرًا وأكثر جاذبية، لتحقيق الأرباح.

يطلب المنتج من بول إعادة كتابة سيناريو الفيلم الذي سيخرجه فريتز لانغ، ويؤدي المخرج النمساوي- الألماني الدور بنفسه.

ولا ينتظر المنتج موافقة بول، بل يكتب له شيكًا فيأخذه الأخير. وعندما يلتقيه مع زوجته الجميلة، يقترح المنتج أن يصطحب الزوجة معه إلى بيته الفاخر، فلا يعترض الكاتب بول، بينما يظهر الاستياء على وجهها، خاصة أن سيارة المنتج تتسع لبول أيضًا.

ثمة ما يبدأ بالتغيّر في علاقة كاميل ببول، الذي يوقف سيارة أجرة ويلحق بزوجته إلى بيت المنتج.

يسأل بول عما حدث خلال الوقت القصير الذي قضته كاميل وحدها في بيت المنتج، فتجيبه: لا شيء.

يفشل أدوسيوس المعاصر باسترجاع بنيلوبي فتهجره- غيتي
يفشل أوديسيوس المعاصر في استعادة بنيلوبي، فتختار أن تتركه​​​​​​​ - غيتي

يعودان إلى الشقة التي قبل بول كتابة السيناريو كي يتمكن من شرائها من أجلها. ويمتد بينهما نحو نصف ساعة من الحوارات المتقطعة والمبتورة، إذ ثمة شيء تغيّر، يشعر به بول، فيما تبدو كاميل متقلّبة مثل الطبيعة في فصولها الأربعة.

ترتدي باروكة شعر سوداء، وتستبدل ثيابها بأخرى، وتغتسل في حوض الاستحمام، وتلف المنشفة على جسدها العاري، وتتجادل معه، وتترك غرفة النوم وتطالبه بالنوم على الأريكة، بينما لا يكف هو عن سؤالها عما إذا كانت قد توقفت عن حبه.

تنقلب الصورة تمامًا، فلم تعد هي من يطلب الحب، بل هو، ويتزامن هذا مع جلسات لإنتاج الفيلم الذي يفترض أن يتناول قصة عودة أوديسيوس إلى بنيلوبي.

لغة سينمائية رفيعة لا مشهديات ضخمة


تبدو الصور والمشاهد داخل الشقة حوارًا موازيًا في حد ذاتها، فثمة ما انقطع بين الزوجين، وتنتقل الكاميرا بينهما عبر الفواصل الداخلية للشقة، بين ذهابها إلى الحمّام أو ذهابه هو إلى جزء آخر منها.

وثمة العري ونصف اللباس بينهما؛ فهو يحاورها مرتديًا ملابسه، بينما تخلع هي ثيابها وترتدي غيرها، كأنها أكثر من امرأة في الوقت نفسه. حتى الشعر الأشقر يصبح أسود بارتدائها شعرًا مستعارًا.


تريد بنيلوبي (بريجيت باردو) من أوديسيوس أن يقاتل من أجلها- غيتي
تريد كاميل من بول أن يقاتل من أجلها، كما كان على أوديسيوس أن يقاتل لاستعادة بنيلوبي ​​​​​​​- غيتي

تعبّر هذه المشاهد لا عن المشاعر فحسب، بل عن الأحداث التي لم تُقل في حوار ولم تظهر في أي مشاهد أخرى.

يتشاجران، فتصفعه وتخرج من الشقة غاضبة، وتوقف سيارة أخرى، فيركض خلفها بعد أن يخرج مسدسًا من مكتبه ويضعه في جيبه. يلحق بها ويرافقها إلى المسرح، حيث يدور حوار بينه وبين المنتج والمخرج: ماذا لو كان دافع أوديسيوس إلى الذهاب إلى الحرب أنه لم يكن سعيدًا في زواجه من بنيلوبي؟

وخلال التصوير، يقترح عليها المنتج أن ترافقه مجددًا إلى بيته. تتردد وتسأل بول، فيحثها على الذهاب. تنظر إليه غير مصدّقة، في البداية بعتب غامض في عينيها، ثم باحتقار خجول يزداد حدّة مع مرور الوقت.


يسألها لماذا لم تعد تحبه، فلا تجيب.

يدور حوار مجددًا عن الفيلم: ماذا لو كانت بنيلوبي نفسها غير مخلصة لأوديسيوس؟ ماذا لو أنها كانت تريد ذهابه إلى الحرب لأنها اكتشفت أنه ضعيف، وأن عليه أن يكون قويًا، بل وأن يقتل ليستحقها؟

وماذا لو كان قد استغرق كل هذا الوقت، عشر سنوات في الحرب ومثلها في العودة، لأنه لا يريد العودة إليها أصلًا؟


كانت كل هذه الأسئلة تُطرح بينما علاقة بول بكاميل تتدهور.

ماذا لو كانت بنيلوبي غير مخلصة لأوديسيوس؟ وماذا لو لم يكن يريد العودة إليها؟ - غيتي
ماذا لو لم تكن بنيلوبي مخلصة لأوديسيوس؟ وماذا لو كان هو نفسه لا يريد العودة إليها؟-​​​​​ غيتي

كانت تريده أن يقاتل من أجلها، وأن يستعيدها بالقوة، وأن يرفض إغراء المال الذي جعله يتخلى عن الفن وشروطه ومعاييره.

تحاول إهانته وإثارة غيرته، فتقبّل المنتج وهي تعرف أن بول يراهما، فيدفعه ذلك إلى الحديث عن رغبته في ترك العمل على السيناريو، لكن الأوان يكون قد فات فعلًا.

لم ينجح في أن يكون أوديسيوس. ظل المسدس في جيبه، فتتركه وتذهب مع المنتج إلى روما، قبل أن يموتا معًا في حادث سير.

ما الذي حدث لتحتقره وتكف عن حبه؟

ما حدث هو أنه فشل في أن يدافع عنها وأن يحارب من أجلها. فالحب ليس هبة إلهية وقدرًا لا يتغيّر، بل استحقاق دائم، وعلى المرء أن يحارب دائمًا من أجل الفوز بقلب المرأة، وهو ما لم يفعله بول.

الانتصار لبنيلوبي وللسينما


في حكاية موازية لم تُقَل مباشرة، على المرء أيضًا أن يحارب من أجل "الفن"، وألا يتنازل تحت إغراء الإيرادات المالية لفيلمه.

وفي هذا المعنى، تبدو كاميل بنيلوبي معاصرة، وكذلك السينما نفسها، وقد خُذلتا وفُرّط فيهما من دون قتال يليق بهما.

والحال هذه، فإن بنيلوبي المعاصرة لن تنتظر، ولن تمضي سنواتها في غزل النول ورفض من يتآمر ويتودّد إليها ليستولي عليها وعلى مُلكها، بل ستترك كل شيء خلفها وتنظر إليه باحتقار.


ألبرتو مورافيا أكثر الكتاب الايطاليين شعبية في القرن العشرين- غيتي
ألبرتو مورافيا، أحد أشهر الكتّاب الإيطاليين في القرن العشرين وصاحب رواية "الاحتقار"​​​​​​​ - غيتي

الفيلم مأخوذ عن رواية الإيطالي ألبرتو مورافيا، أحد أشهر الكتّاب الإيطاليين في القرن العشرين، والمعروف بالأجواء الإيروتيكية في أعماله.

وقد تحدّث مخرج الفيلم غودار عنه بازدراء، وعن إنتاجه الروائي باعتباره من ذلك النمط الذي يُقرأ في رحلات القطارات. ورغم ذلك، قال إن بإمكانه أن ينتج فيلمًا أفضل من روايته تلك، وهو ما حدث، مع التحفّظ على رأي غودار في مورافيا.

وما زال فيلم "الاحتقار" يتمتع بأهميته الاستثنائية في مسيرة مخرجه وفي تاريخ السينما العالمية حتى أيامنا هذه، حتى إنه أصبح من المغري أن يُقارن بفيلم نولان الضخم "الأوديسة"، الذي أُنتج بعده بأكثر من ستين عامًا.

ماذا قدّم نولان من رؤيا مختلفة لـ"أوديسة" هوميروس؟ هل تكفي الاستعانة بممثلين وممثلات سود البشرة لتُعد المعالجة ثورية؟ وهل تكفي الدروع وحدها لمنح الفيلم طابعًا معاصرًا؟
يقدم كريستوفر نولان في أفلامه مشهديات ضخمة ومبهرة- غيتي
تقوم أفلام كريستوفر نولان على مشهديات ضخمة وتجارب تقنية مصممة للعرض على الشاشة الكبيرة​​​​​​​ - غيتي 

لم يتجاوز نولان فكرة الشعور بالذنب الناجم عن الحرب والقتل العميم، وهي الفكرة التي اشتغل عليها أيضًا في "أوبنهايمر". لكن هل كان مطلوبًا منه ذلك حقًا ليكون فيلمه بديعًا ومفارقًا للأعمال الأخرى؟ 
ربما لا، فحتى القصص القديمة تحتفظ بسحرها الفريد مع كل معالجة جديدة لها، وربما كان سحر "الأوديسة" الذي قدّمه نولان كامنًا في مشهدياته وتقنياته الجديدة، حتى في التصوير.
وهذه هي السينما والفُرجة في نهاية المطاف.​​​​​​​
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من