الجمعة 6 مارس / مارس 2026

الاتجار بالبشر.. العبودية الحديثة التي يغذيها الفقر والصراعات

الاتجار بالبشر.. العبودية الحديثة التي يغذيها الفقر والصراعات محدث 30 يوليو 2025

شارك القصة

يعد التسول القسري أحد أشكال الاتجار بالبشر- غيتي
يعد التسول القسري أحد أشكال الاتجار بالبشر- غيتي
الخط
الاتجار بالبشر جريمة عالمية متصاعدة تستغل الفئات الأضعف عبر العمل القسري والاستغلال الجنسي، وتغذّيها الصراعات والفقر والثغرات القانونية.

يشكل الاتجار بالبشر تهديدًا عالميًا متناميًا تغذّيه الجريمة المنظمة. فبين عامي 2020 و2023، تم توثيق أكثر من 200,000 ضحية على مستوى العالم، فيما يُعتقد أن العدد الفعلي للحالات غير المُبلغ عنها يفوق ذلك بكثير، وفقًا للأمم المتحدة.

وتُسهم شبكات الجريمة المنظمة في تعزيز هذه التجارة، مستغلّة تدفقات الهجرة، وسلاسل التوريد العالمية، والثغرات القانونية والاقتصادية، فضلًا عن المنصات الرقمية. وتستفيد هذه الشبكات من العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والإكراه على ممارسة أنشطة إجرامية، مثل الاحتيال عبر الإنترنت وتهريب المخدرات.

وعلى الرغم من بعض التقدم المُحرز، لا تزال استجابات أنظمة العدالة الجنائية غير كافية لمعالجة هذه الجريمة المعقدة.

وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو/ تموز من كل عام يومًا عالميًا لمكافحة الاتجار بالأشخاص، بموجب قرارها رقم A/RES/68/192.

ملايين الضحايا حول العالم

يُعدّ الاتجار بالبشر، بحسب الأمم المتحدة، انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان، ولا يزال يؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم. وقد شهد عدد الضحايا ارتفاعًا مقلقًا منذ جائحة كوفيد-19، مع تسجيل زيادة بنسبة 25% في حالات الكشف عالميًا بين عامي 2019 و2022، بحسب التقرير العالمي حول الاتجار بالبشر لعام 2024.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى تزايد ظهور الضحايا في مختلف المناطق، لا سيما بين الفئات السكانية الضعيفة، مثل النساء والأطفال والمهاجرين، الذين يُستهدفون بشكل غير متناسب، وغالبًا ما يقعون فريسة لشبكات الجريمة المنظمة المتطورة.

وتتصاعد المخاوف مع تنامي عدد ضحايا الاتجار بالأطفال، حيث سجلت نسبة الفتيات المتضررات ارتفاعًا كبيرًا من 31% إلى 38%. ويتجلى هذا الاتجاه بوضوح في الأميركيتين، وكذلك في مناطق أخرى تشمل أوروبا. وتُستهدف الفتيات غالبًا لأغراض الاستغلال الجنسي، بينما يُستغلّ الأولاد في العمل القسري، وأحيانًا في أنشطة إجرامية أو التسوّل، وفق ما أفادت به الأمم المتحدة.

كما أصبحت أنماط الاتجار بالبشر العابرة للحدود أكثر شيوعًا، حيث يُشكّل الضحايا من أصول إفريقية نسبة كبيرة من تدفقات الاتجار الدولية، خصوصًا باتجاه أوروبا والشرق الأوسط.

وقد ساهمت النزاعات المسلحة، والنزوح، وتغير المناخ، في تعميق مواطن الضعف، لا سيما في القارة الإفريقية، حيث لا يزال الاتجار لأغراض العمل والاستغلال الجنسي يمثّل تحديًا بالغ الخطورة.

يشكل النساء والفتيات غالبية ضحايا الاتجار بالبشر بنسبة 61%- غيتي
يشكل النساء والفتيات غالبية ضحايا الاتجار بالبشر بنسبة 61%- غيتي

تحول في طبيعة الاتجار بالبشر

يلفت التقرير الأممي أيضًا إلى تحوّل لافت في طبيعة الاتجار بالبشر. ففي الفترة بين عامي 2019 و2022، ارتفعت حالات الاتجار لأغراض العمل القسري بنسبة 47%، متجاوزة الاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي، الذي كان يُعد الشكل الأكثر شيوعًا.

ولا تزال النساء والفتيات يشكلن غالبية الضحايا، بنسبة تصل إلى 61%. وبينما تُتاجر النساء في الغالب لأغراض الاستغلال الجنسي، فإن كثيرًا منهن يُستغل أيضًا في العمل القسري، لا سيما في العمل المنزلي.

ويشمل الاتجار بالبشر عمليات تجنيد الأفراد، ونقلهم، وإيوائهم، واستقبالهم، ويتم ذلك عبر وسائل قسرية واستغلالية، مثل استخدام القوة أو الإكراه أو الاحتيال أو الخداع. وتتنوع أشكال الاستغلال، وتشمل العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والزواج القسري، والتسوّل القسري، ونزع الأعضاء، وغيرها من التهديدات المختلطة والناشئة.

العمل القسري

يتخذ الاتجار بالبشر أشكالًا متعددة ومتداخلة. ففي عام 2022، عانى نحو 8% من ضحايا الاتجار في أميركا الشمالية من الاستغلال الجنسي والعمل القسري معًا. كما شهدت منطقة جنوب شرق آسيا ارتفاعًا في الاتجار المرتبط بالاحتيال الإلكتروني، مستهدفًا الشباب والبالغين من خلال أساليب خادعة. وتُظهر هذه الاتجاهات قدرة المتاجرين على التكيّف مع المستجدات، ما يستدعي إجراءات وقائية وتطبيقًا صارمًا للقانون، سواء على أرض الواقع أو في الفضاء الرقمي.

ويُعدّ العمل القسري الشكل الأكثر شيوعًا للاتجار بالبشر، حيث مثّل 42% من الضحايا عالميًا في عام 2022. وغالبًا ما يُستهدف الأفراد للاستغلال في قطاعات مثل البناء والزراعة والعمل المنزلي والتعدين وصيد الأسماك. ويشكل الرجال نحو 70% من ضحايا العمل القسري، فيما تتعرض النساء والفتيات للاستغلال أيضًا، لا سيما في العمل المنزلي.

وقد سُجل انتشار كبير للعمل القسري في مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، ما يعكس هشاشة الأوضاع في المناطق منخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات.

ورغم اتساع نطاق هذه الظاهرة، لا يمثل العمل القسري سوى 17% من إجمالي الإدانات القضائية في قضايا الاتجار بالبشر على مستوى العالم، ما يسلّط الضوء على التحديات القانونية القائمة، بحسب الأمم المتحدة.

الاستغلال الجنسي

يُعدّ الاستغلال الجنسي من أبرز أشكال الاتجار بالبشر، حيث شمل 36% من الضحايا في عام 2022. وتُهيمن النساء والفتيات على هذه الفئة، إذ يمثلن أكثر من 90% من الضحايا، وتشكل الفتيات 28% من هذه النسبة. وغالبًا ما يحدث هذا النوع من الاستغلال في المراكز السياحية كالفنادق والمنتجعات، وأيضًا في صالونات التدليك والنوادي الليلية، بالإضافة إلى انتشاره المتزايد عبر الإنترنت.

وتُبلغ دول في أميركا الشمالية وأميركا الوسطى وأوروبا عن أعداد متزايدة من الفتيات اللاتي يُتاجر بهن لأغراض الاستغلال الجنسي، مع ارتفاع حاد في عدد الحالات منذ عام 2019.

يمثل العمل القسري  17% من إدانات الاتجار بالبشر عالميًا- غيتي
يمثل العمل القسري 17% من إدانات الاتجار بالبشر عالميًا- غيتي

وكثيرًا ما تكشف المحاكم عن قضايا تُجبر فيها الضحايا على ممارسة الدعارة أو يُستغلن في إنتاج مواد إباحية. ويعتمد المتاجرون في كثير من الأحيان على استغلال ضعف الضحايا، من خلال وعود كاذبة بوظائف ذات رواتب مجزية، ليدفعوهم لاحقًا إلى ممارسة الجنس تحت الإكراه، مما يُبرز المخاطر الجسيمة الكامنة في هذا النوع من الاستغلال.

الإجرام القسري

يمثّل الاتجار لأغراض الإجرام القسري مصدر قلق متزايد، إذ يُجبر الضحايا على الانخراط في أنشطة غير قانونية مثل الاتجار بالمخدرات، والسرقة، والاحتيال، والنصب الإلكتروني.

ويطال هذا الشكل من الاتجار الفتيان والرجال بشكل رئيسي، حيث سُجلت نسبتهم بنحو 22% من إجمالي الضحايا في غرب وجنوب أوروبا فقط. ويفيد التقرير بأن الأطفال غير المصحوبين بذويهم يُستغلون من قِبل جماعات الجريمة المنظمة لتوزيع المخدرات أو تنفيذ جرائم بسيطة في أوروبا الغربية.

في الوقت نفسه، تشير تقارير من جنوب شرق آسيا إلى ارتفاع ملحوظ في الاتجار المرتبط بالاحتيال الإلكتروني، إذ يُستدرج الضحايا بأساليب مضللة ويُجبرون لاحقًا على المشاركة في عمليات احتيال إلكترونية، ما يُبرز الدور المتنامي للتكنولوجيا الرقمية في تسهيل هذه الجرائم.

الزواج القسري والتسوّل

رغم محدودية توثيقه، لا يزال الزواج القسري يُعد شكلًا خطيرًا من أشكال الاستغلال، ويؤثر بشكل خاص على النساء والفتيات. وتنتشر هذه الحالات على نحو أكبر في جنوب آسيا (بحوالي 200 ضحية) وأجزاء من إفريقيا، حيث تسهم الضغوط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في تفشي هذه الظاهرة. وغالبًا ما تواجه ضحايا الزواج القسري أشكالًا متعددة من الاستغلال، بما في ذلك الاستعباد المنزلي والاعتداء الجنسي، بحسب الأمم المتحدة.

أما التسوّل القسري، فينطوي على استغلال المتاجرين لأشخاص ضعفاء، ولا سيما الأطفال، لإجبارهم على طلب المال في الأماكن العامة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن شمال إفريقيا والشرق الأوسط سجلا أعلى معدلات انتشار لهذا النمط في عام 2022، إذ شكّل الأطفال جميع حالات التسول القسري الموثقة في شمال إفريقيا.

تجارة الأعضاء

تُعدّ تجارة الأعضاء أحد أخطر أشكال الاتجار بالبشر، حيث يُستغلّ الأفراد بغرض الحصول على أعضائهم. ورغم أن بعض الضحايا قد يظهرون بمظهر المتطوّع، فإن وجود الخداع أو الاحتيال أو استغلال وضعية الضعف يُبطل هذه "الموافقة"، ويُدرجهم ضمن ضحايا الاتجار بالبشر.

ويرتبط هذا النوع من الاتجار عادةً بشبكات إجرامية متطورة، تحقق أرباحًا من بيع الأعضاء لأشخاص غير قادرين أو غير راغبين في الانتظار لإجراء عمليات زراعة قانونية.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الطلب على الأعضاء يُعد دافعًا رئيسيًا لتفشي هذه التجارة غير المشروعة، بسبب النقص الحاد في الأعضاء المتاحة قانونيًا. ففي حين تُجرى أكثر من 150 ألف عملية زراعة أعضاء سنويًا حول العالم، فإن هذا العدد لا يغطي سوى أقل من 10% من الطلب العالمي.

ويؤدي اليأس ببعض مرضى الفشل العضوي إلى اللجوء إلى وسائل غير قانونية للحصول على الأعضاء. وتُقدّر قيمة تجارة الأعضاء، بما في ذلك الاتجار بالبشر لإزالتها، بما يتراوح بين 840 مليون و1.7 مليار دولار أميركي سنويًا.

يُجبر ضحايا الاتجار بالبشر على ممارسة أنشطة غير قانونية مثل تجارة المخدرات- غيتي
يُجبر ضحايا الاتجار بالبشر على ممارسة أنشطة غير قانونية مثل تجارة المخدرات- غيتي

حقائق أساسية

يشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى جملة من الحقائق المتصلة بالاتجار بالبشر في القرن الحادي والعشرين، من بينها:

  • يحدث الاتجار بالبشر في جميع أنحاء العالم، مع اتجاه واضح من البلدان منخفضة الدخل نحو البلدان مرتفعة الدخل.

  • تُعدّ هذه الجريمة واسعة الانتشار ومربحة للغاية.

  • يزدهر الاتجار في بيئات يغلب عليها الفقر والصراعات وتغير المناخ.

  • يلجأ المتاجرون إلى وسائل تتراوح من الخداع إلى العنف لاستغلال ضحاياهم.

  • الهروب من هذه الشبكات صعب للغاية.

  • يظل الاستغلال الجنسي والعمل القسري الشكلين الأكثر شيوعًا للاتجار بالبشر.

  • النساء هنّ الفئة الأكثر عرضة لهذا النوع من الجرائم.

  • يمكن أن يكون المتاجرون بأي شخص، من أعضاء جماعات الجريمة المنظمة إلى أقرباء الضحية أنفسهم.

بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص

في مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة، شكّل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لبروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، عام 2000، نقطة تحوّل في الجهود العالمية لمكافحة هذه الجريمة.

ويندرج البروتوكول ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ويؤسس لنهج دولي شامل يركّز على الوقاية، والملاحقة القضائية، وحماية الضحايا.

ورغم الجهود المبذولة، لا يزال ملايين الأشخاص يتعرضون سنويًا للاتجار في معظم دول العالم. ومع تزايد تعقيد أنماط الاتجار، فإن الحلول المُستهدفة باتت ضرورة ملحة، خصوصًا في مواجهة انتشار العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والأشكال الجديدة من الاستغلال، مثل الإجرام القسري والاحتيال الإلكتروني.

ويؤكد التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة بشأن الاتجار بالبشر على الحاجة الملحة لتنسيق الجهود في مجال جمع البيانات وتحليلها بين الدول، وتعزيز التعاون الدولي، والاستثمار في استراتيجيات إنفاذ القانون الاستباقية، مع التركيز على حماية الضحايا.

كما يشدد التقرير على أهمية إدماج تدابير مكافحة الاتجار بالبشر ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الأشمل، خاصة في ظل التحديات المتفاقمة التي تفرضها الصراعات وتغير المناخ، والتي تؤدي إلى تعميق مواطن الضعف والاستغلال في العديد من المناطق حول العالم.

في الخلاصة، يُعدّ الاتجار بالبشر جريمة صامتة تمتد جذورها في هشاشة المجتمعات وفوضى الصراعات وتفاقم الفقر، وتستفيد من عجز السياسات الدولية عن توفير الحماية الكافية للفئات الأضعف. ومع تطوّر أدوات الجريمة وتنامي دور التكنولوجيا، باتت الحاجة إلى تحرك دولي جماعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لحماية الفئات المستضعفة ووقف هذا الشكل الحديث من العبودية.
تابع القراءة

المصادر

ترجمات
المزيد من