تتواصل الانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحقّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تكثّفت عمليات التفتيش ومصادرة الهواتف منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في 7 اكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما أدى إلى انتهاكات مباشرة للخصوصية واعتداءات جسدية.
ورصدت جهات مختصّة بالأمن الرقمي تصاعدًا خطيرًا في انتهاكات الاحتلال الرقمية بحقّ الفلسطينيين، خلال الأشهر الأخيرة، وصلت إلى حد الاعتقال بسبب صورة أو منشور، أو حتى تطبيق.ومن بين هؤلاء الأسيرة المُحرّرة لانا فوالحة، التي اعتقلها الاحتلال على أحد حواجزه في رام الله، بسبب نشرها قصة فتاة قصّت شعرها في قطاع غزة لعدم وجود الصابون لغسله.
ولا يقتصر عمل الاحتلال على المراقبة العسكرية للفلسطينيين، بل يتعدّاه إلى فحص هواتفهم خلال إجبارهم على الوقوف عند حواجزه.
حصار رقمي وفكري
وأوضحت فوالحة في حديث إلى "التلفزيون العربي"، أنّ الاحتلال أجبرها على فتح قفل هاتفها وهي مكبّلة اليدين، بينما قام الاحتلال بتصويرها بالفيديو، موضحة أنّ سكان الضفة الغربية يُعانون من القهر والذلّ والعجز، مع استباحة الخصوصية والجسد والنفسية.
وأكدت أنّ الاحتلال لم يكتف بحصار الأرض بالحواجز والجدران والأسلاك الشائكة، بل يفرض حصارًا رقميًا وعقليًا ايضًا، بحيث "بتنا نتحوّل نحو الرقابة الذاتية خوفًا من الاعتقال".
يستخدم يزن حمايل هاتفه في عمله الصحفي من إعداد التقارير أو التقاط الصور الميدانية. لكنّه لم يتوقّع أن تكون المواد الصحفية على هاتفه سببًا لتنكيل جنود الاحتلال به على أحد الحواجز شمال الضفة الغربية المحتلة.
وعلى الرغم من أنّ الاحتلال يُراقب أصلًا عمل الصحفيين في الضفة، إلا أنّه لا يزال يطارد مَن يوثّق اجراءاتها بحقّ الفلسطينيين على الأرض، رغم أنّها لا تخجل منها.
وقال حمايل في حديث إلى التلفزيون العربي، إنّه يستخدم هاتفين، واحد لصوره ومواده الخاصة، والآخر لمواده الصحفية، في حال تعرّض للتفتيش.
واعتبر أنّ اخفاءه لجواله الذي يحمل مواده الصحفية عن جنود الاحتلال، بمثابة قنبلة يدوية في حال اكتشفه الاحتلال.
ما هي طبيعة الانتهاكات الرقمية بحقّ فلسطينيي الضفة؟
وأثناء انتظارهم عند حواجز الاحتلال، يضطر الفلسطينييون إلى حذف صور وتطبيقات من هواتفهم، خوفّا من الملاحقة.
وفي هذا الإطار، أظهرت دراسة أعدّها مركز "صدى سوشال" بناء على استطلاع لآراء فلسطينيين في الضفة الغربية وضواحي القدس، أنّ أكثر من 27% منهم تعرّضوا للضرب من قبل جنود الاحتلال عقب فحص هواتفهم، بينما أشار أكثر من 89% منهم إلى أنّهم يحذفون الصور والتطبيقات خشية اعتقالهم بسببها.
ولا يتوقّف فحص الهواتف عند الحواجز، إذ كشفت الدراسة نفسها أنّ 76% من الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم، أفادوا بأنّ اقتحام جنود الاحتلال لمنازلهم يشمل في معظم الأحيان تفتيش هواتفهم.
ووفقًا للدراسة، توزّعت الانتهاكات بين الضرب (58.2%)، والاحتجاز (71.5%)، وتكسير الهواتف (19.4%)، ومصادرتها (21.2%)، إضافة إلى الاعتقال بعد التفتيش (17%).
وذكرت الدراسة أنّ قوات الاحتلال استهدفت بعد فحص الهواتف صور الشهداء والأسرى (62.9%)، وقادة الفصائل (49.4%)، ومقاطع للمقاومة الفلسطينية (50.9%).
كما ركّز الاحتلال على تطبيق "تلغرام" الذي تعرّض لفحص أو حذف في 90% من الحالات، يليه "فيسبوك" (36.3%)، ثم "واتساب" ((26.9%.
وأكدت نداء بسومي المنسقة الإعلامية في مركز "صدى سوشال للحقوق الرقمية"، أنّ تفتيش الهاتف غير قانوني إلا بقرار من النيابة العامة الاسرائيلية، إضافة إلى فتح الهاتف تحت تهديد السلاح أو الاعتقال.
وما توثّقه مؤسسات الأسرى من خلال شهادات المعتقلين، يُظهر أنّ سلطة الاحتلال تربط اعتقال الفلسطينيين باحتجاز هواتفهم وأجهزتهم الإلكترونية، حيث لم يحصل المئات من المعتقلين على أجهزتهم حتى بعد الإفراج عنهم، وظلت محتجزة لدى سلطات الاحتلال.
وفي هذا الإطار، أكدت أماني سراحنة مديرة العلامة والتوثيق في جمعية "نادي الأسير الفلسطيني"، أنّ الاحتلال يهدف من خلال تفتيش الهواتف والأجهزة الإلكترونية للحصول على معلومات تؤدي إلى اعتقال أشخاص آخرين وتقديم لوائح اتهام ضدهم تحت حجة التحريض.
أين تركّزت النسبة الأكبر من انتهاكات خصوصية الهواتف؟
جغرافيًا، سجّلت النسبة الأكبر من انتهاك خصوصية هواتف الفلسطينيين على حواجز محافظة رام الله والبيرة (37.9%)، تلتها نابلس (24.2%)، ثمّ الخليل (14.9%)، وطولكرم (14.3%)، وجنين (10.6%)، فبيت لحم (8.7%)، وأريحا والأغوار (4.3%)، والقدس (4.3%)، فقلقيلية وسلفيت ((3.1%، وهو ما يشير إلى ارتباط حجم الانتهاكات بكثافة الوجود العسكري والاستيطاني.
حوّل الاحتلال الهواتف المحمولة إلى أدوات قمع وسيطرة، تنتهك أبسط حقوق الفلسطينيين في الخصوصية والتعبير والوصول إلى المعلومات، في تجاوز صارخ لما نصّ عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.