Skip to main content

الاقتصاد السوري تحت حكم البعث: ملخص لممارسات وآثار أكثر من ستين عامًا

الجمعة 27 ديسمبر 2024
عند وصول حزب البعث، وضع ياسين الحافظ وثيقة تطبيقية تقر بضرورة تحول الاقتصاد السوري إلى الاشتراكية- غيتي

يشكّل الاقتصاد تحديًا أساسيًا للقوى السياسية الجديدة في سوريا، مع سقوط نظام بشار الأسد، في ضوء التركة الثقيلة التي خلّفها حكم حزب البعث وآل الأسد لسوريا، على امتداد العقود الماضية.

فقد تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 كحزب قومي عربي يهدف إلى تحقيق الوحدة العربية متبنيًا الحرية السياسية والاشتراكية كنهج اقتصادي[1]، إلا أن الحزب لم ينجح في أن يبقى موحّدًا، فحصلت بين جناحيه السوري والعراقي خلافات واسعة أفضت لقطيعة بين البلدين الشقيقين لسنوات طويلة.

بعد سنوات من نجاح البعث في الوصول إلى السلطة في كل من العراق وسوريا، هيمن العسكر على قراره وخرج من البعث كبار مفكريه أو حافظوا على وجودهم شكليًا.

تسلم البعث السلطة في سوريا عام 1963، ليثبت نفسه بوصفه "حزبًا قائدًا"، معزّزًا ذلك بنصوص دستورية، وتسلم حافظ الأسد قيادة الحزب فعليًا في 1970، ثم ورّث ابنه بشار عام 2000 ليتم اقتلاعه بثورة شعبية واسعة استمرت 14 عامًا؛ قبل أن تطيح بنظامه أواخر عام 2024.

أولاً: الاقتصاد السوري عام 1963 وحتى عام 1970

مر الاقتصاد السوري بمرحلة صعبة بعد الاستقلال عام 1946؛ تمثلت باختلاف السياسات الاقتصادية والانقلابات العسكرية، ثم مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر التي أثرت على الصناعة السورية نتيجة لقرارات التأميم والخوف الذي ولّده لدى كبار الصناعيين.

في الثامن من مارس/ آذار عام 1963 وصل حزب البعث إلى حكم سوريا، ودفع إلى إيقاف الإجراءات الاقتصادية التي كانت تعمل عليها حكومة خالد العظم في دمشق[2]، ولا سيما تلك التي تتعلق بإلغاء قرارات التأميم، ليعود القطاع الخاص للتخوف من توسع عمليات التأميم، وتهميش رجال الأعمال.

وبالفعل، في أكتوبر/ تشرين الأول 1963 تبنى حزب البعث العربي الاشتراكي وثيقة ياسين الحافظ[3] التي دعت للانتقال الاشتراكي للدولة عبر عملية تأميم شاملة لوسائل الإنتاج[4]، فعلى سبيل المثال تم تأميم بنك الشرق، والبنك العربي وبنك أصفر وسارة، إضافة لإصدار قانون الإصلاح الزراعي الشهير.

بعد مرحلة الاستقلال؛ مر الاقتصاد السوري بفترة من الاضطرابات المتمثلة بانقلابات سياسية متعددة، لكنه استطاع خلالها أن يكون قطاعاً صناعياً جيداً، مع امتلاكه لبنى تحتية، وهيكلية إدارية، ومؤسسات حكومية جيدة.

ولم تقتصر عملية الانتقال للنظام الاشتراكي على تأميم الشركات بل أخرجت النخب الاقتصادية -المؤمنة بالعمل الاقتصادي الحر- أمثال نعمان الأزهري (وزير المالية في حكومة مأمون الكزبري) وجورج سارة (رجل أعمال ومدير تجارة في حكومة عطا الأيوبي)، مقابل إحلال نخبة عسكرية جديدة غير تقنية سيطرت على الاقتصاد بمفهوم يتناسب مع الفكر المركزي.

ومع مرور الوقت تصاعدت عمليات التأميم لتصل إلى تأميم 120 شركة عام 1965[5]، واحتكرت الحكومة قطاعات استراتيجية مهمة مثل الحبوب والقطن والعقاقير الطبية.

يمكن تلخيص الوجه الاقتصادي لسوريا في الفترة التي أتت فيها ثورة الثامن من آذار 1963 وحتى الحركة التصحيحية في 1970 بثلاث نقاط رئيسية هي:

  1. تبني النهج الاشتراكي المركزي لقيادة اقتصاد الدولة، والاعتماد على التخطيط المركزي المصادق عليه من قبل قيادة الحزب.
  2. إحلال طبقة عسكرية غير متخصصة ومن خلفيات ريفية بدلاً من النخب الاقتصادية الموالية لبرجوازية المدينة، مما ساهم في الصراع بين الحاكمين الجدد للاقتصاد والخبراء القدامى حتى داخل الحزب.
  3. تأميم عدد واسع من المؤسسات، مما دمر عمليات الاستثمار، وأخرج القطاع الخاص من البلاد بأمواله ورجال أعماله.
مع وصوله إلى السلطة عام 1963 عمل حزب البعث على تطبيق الاشتراكية كنهج اقتصادي للدولة، فقمام بتهميش القطاع الخاص - غيتي

ثانياً: الاقتصاد السوري في عهد حافظ الأسد

تسلّم حافظ الأسد السلطة أواخر عام 1970، ليبدأ عهد الرجل الواحد داخل الحزب الواحد الحاكم للبلاد؛ مما عزز المركزية، ليس فقط في الاقتصاد بل في مناحي الحياة كافة. وفي الحقيقة لم يكن لدى حافظ الأسد برنامج اقتصادي خاص به، ولذلك تبنى أفكار الحزب الذي ينتمي إليه، وأقرها دستوريًا، حيث ذكرت المادة 13 من دستور البلاد أن "الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط، يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال"[6].

في الوقت الذي كان حزب البعث إيديولجياً يتبنى الاشتراكية، كان حافظ الأسد برغماتياً جمع بين الاشتراكية والحفاظ على التحالف مع القطاع الخاص المتبقي في سوريا لتثبيت حكمه.

ومع رغبة حافظ الأسد بتثبيت حكمه لفترة أطول وسط عمليات انقلاب عسكرية متعاقبة، سعى لكسب الطبقات السورية الأخرى بما في ذلك ما أطلق عليه اسم (البرجوازية الصغيرة) التي تتمثل بتجار ورجال أعمال من الطبقة الصغيرة والمتوسطة، وأطلق الأسد ما يعرف بالتعددية الاقتصادية التي تقوم على عمل القطاع الخاص بجانب الحكومي، بل وأن تجري شراكات بينهم تحت عنوان القطاع المشترك، وهو ما رسم مشهدًا أكثر تفاؤلاً من قبل القطاع الخاص.

 ويمكن تلخيص المشهد الاقتصادي مع بداية حكم حافظ الأسد وحتى نهاية السبعينات بثلاث نقاط رئيسية هي:

  1. عودة جزء من الاستثمارات الخاصة إلى سوريا، وبدء نشاط اقتصادي واسع للقطاع الخاص، خاصة في حلب ودمشق.
  2. بدء استخراج النفط في سوريا -الذي اكتشف أواخر الستينات- بكميات تجارية قابلة لضخ مبالغ ضخمة للبلاد.
  3. الانفتاح على الدول العربية والخليجية وإقامة مشاريع بنى تحتية ضخمة نسبيًا مثل سد الفرات ومحطات الكهرباء.
مع وصول حافظ الأسد للسلطة تم تقديم ضمانات أكبر للقطاع الخاص الذي حافظ على وجوده - غيتي

في فترة الثمانينات واجه حافظ الأسد تهديدًا سياسيًا كاد أن يطيح به، وانعكس هذا التهديد على الواقع الاقتصادي الذي أدى لتراجع الاقتصاد الوطني، وبدأت الليرة السورية تفقد جزءًا من قيمتها، وارتفعت الأسعار بنسبة كبيرة[7]، كما بدأت آثار الاشتراكية المركزية وتعيين المسؤولين بناءً على الولاء وليس الكفاءة تظهر بوضوح في شكل خسائر متراكمة لمعامل الدولة، كما ساهم الصراع بين حافظ ورفعت الأسد في تفريغ خزينة المصرف المركزي[8]؛ الأمر الذي عزز تراجع قيمة الليرة.

وفي ظل واقع اقتصادي وسياسي صعب يواجهه الأسد، ساند الأخير إيران في حربها ضد العراق، مما وضع سوريا تحت حصار وعقوبات اقتصادية، وتوقفت المساعدات الخليجية التي كانت تأتي إلى سوريا في مقابل مساعدات إيرانية على شكل براميل نفط تتدفق بشكل دوري إلى البلاد، وبدأت سوريا تواجه مشاكل على مستوى تأمين القطع الأجنبي وبالتالي الغذاء، مما جعل الأسد يرفع شعارات مثل الاكتفاء الذاتي والتقشف في ظل فساد مستمر تمثل باستغلال مؤسسات الإنتاج العامة، والاعتماد على مواد مهربة -لكسر الحصار- أدت بالنتيجة لمنافسة الصناعات الخاصة الوطنية، وأضعفتها.

وبالملخص كانت فترة الثمانينات فترة اقتصادية صعبة، تمثلت آثارها بـ:

  1. توقف المساعدات الخليجية والحصار الاقتصادي على البلاد بسبب الاصطفاف السياسي بجانب إيران.
  2. الاعتماد على اقتصاديات التهريب بدلاً من تقوية القطاع الصناعي الخاص الذي كانت أمامه فرصة كبيرة لتقوية نفسه وسد احتياجات السوق.
  3. انهيار سعر الليرة السورية وارتفاع الأسعار وانتشار البطالة، وبدء حصاد سياسة الفساد التي خلفت خسائر كبيرة في المنشآت الإنتاجية التابعة للدولة.
  4. تضخم الجهاز الإداري والفني الحكومي لغرض كسب الولاءات وإرضاء الشارع الساخط، مما رفع من نسب البطالة المقنعة.
في فترة الثمانينات بدأت مظاهر الفشل الإداري، والفساد، وعدم قدرة الاشتراكية على تحقيق أي نتائج حقيقية بالظهور - غيتي

مع مطلع التسعينيات أدرك النظام السوري أنه لا بد من كسب القطاع الخاص، وأن أموال السوريين داخل وخارج البلاد لم تكن مستثمرة في الاقتصاد فعليًا، وبالتالي لو تم استثمارها فإن البلاد ستنتعش بشكل كبير. عمل الأسد على إصدار قانون الاستثمار رقم [9]10، وهو ما ترافق مع انهيار منظومة الاشتراكية العالمية متمثلة بالاتحاد السوفياتي، وبدأت بالفعل الاستثمارات الخاصة تدخل البلاد، ولكنها واجهت منظومة كبيرة من الفساد المنظم المتعطش للرشوة والمحسوبية، كما واجه المستثمرين قوانين معقدة، وعقليات حكومية صعبة[10]، كما أن الهواجس الأمنية[11] لدى النظام السوري والمصالح العسكرية أخرت هذه الاستثمارات وجعلت معظمها تراخيص إدارية بدون تنفيذ.

شهدت فترة الثمانينات عقوبات اقتصادية على سورية نتيجة الموقف المتبع من قبل حافظ الأسد بالاصطفاف مع إيران في الحرب الإيرانية العراقية، وتوقفت المساعدات العربية لتحل محلها مساعدات إيرانية.

وبالملخص يمكن القول إن فترة التسعينات كانت محاولة لإصلاح الاقتصاد السوري عبر ظروف داخلية صعبة، وضغوط خارجية متمثلة بفشل الاشتراكية الدولية، وموجات العولمة والشركات عابرة الجنسية، ورغم تجاوب القطاع الخاص والمستثمرين العرب والسوريين إلا أن الهواجس الأمنية ومنظومة الفساد منعت معظمهم من الاستمرار في العمل.

كانت حصيلة التسعينات هي خسائر كبير في المؤسسات الإنتاجية المملوكة للدولة، واعتماد سوريا على النفط والمساعدات الخارجية - غيتي

ثالثاً: الاقتصاد السوري في عهد بشار الأسد وحتى 2011

تولى بشار الأسد السلطة عام 2000 بعمر 34 عامًا بالاعتماد على البنية الأمنية والسياسية والاقتصادية التي ورثها من والده، ولكن الأسد الابن أتى بخطاب اقتصادي وسياسي منفتح للغاية ويبعث على التفاؤل.

وفي هذا الوقت كانت موارد الاقتصاد السوري الرئيسية تعتمد على مساعدات خارجية (متولدة من استثمار الدور السياسي والأمني السوري في المنطقة) وموارد نفطية تصب في ميزانية الأسرة، مع قطاع خاص ضعيف وبنية اقتصادية عامة ضعيفة مقارنة بدول المنطقة، ومؤسسات إنتاجية حكومية خاسرة[12].

تقدمت نخبة اقتصادية جديدة للواجهة بدعم من بشار الأسد، وارتكزت إلى نفوذ وأموال جمعها مسؤولون سابقون ورجال أعمال في عهد الأسد الأب، وكانت النخبة الجديدة معظمها من "أبناء آبائهم"[13] الذين ورثوا السلطة والمال معاً.

لقد شكلت تلك الطبقة المكونة من أبناء أمراء الفساد صورة واقعية وطبق الأصل لنظيرتها الحاكمة في كل من الشكل والمضمون، فتعاملت مع الاقتصاد كما السياسة، من وجهة النظر الحصرية والاستئثار الكلي، بوصفه حقلًا خاصًا لها وحدها. وقد أفضى هذا التحول العلني في الاقتصاد السوري إلى تغيير الصيغة القديمة المتمثلة في سياق “يحكم ويستفيد” إلى سياق "يملك ويحكم في آن معًا"[14].

وسرعان ما أعلن بشار الأسد عن نهج اقتصادي جديد أطلق عليه اسم اقتصاد السوق الاجتماعي، وكأنه يجمع بين رغبة تيارات معينة بالانفتاح والاستفادة من الاستثمارات الخاصة، ورغبة قطاعات أخرى بالحفاظ على الدعم الاجتماعي والحفاظ على هيكل الاشتراكية قائمًا بشكل ما، وبالفعل ظهر أن النخبة الاقتصادية الجديدة سيطرت على معظم الاقتصاد الوطني، في حين أن الحكومة حافظت على مؤسساته العامة مع تقليل الإنفاق على هذه المؤسسات، والحفاظ على الدعم.

بشار الأسد أتى ببرنامج إصلاحي، ولكنه لم يطبقه إلا وفق رؤيته، فاستفاد منه المتنفذون من الطبقة المرافقة له، وانتقل وضع البلاد من " يحكم ويستفيد" إلى " يحكم ويملك معاً".

في عام 2008 بدأت الحكومة بإظهار شكل أكثر ابتعادًا عما هو "اجتماعي" فرفعت سعر السماد، وتضاعف سعر المازوت ثلاث مرات، لتبدأ مرحلة جديدة في رفع الدعم، في ظل ظروف مناخية لم تخدم قطاع الزراعة؛ تسبب بهجرة مئات الآلاف من المواطنين من دير الزور والمناطق الزراعية ليتركزوا في أطراف المدن الكبرىـ[15]  وهو ما عزز ظاهرة العشوائيات والمناطق ضعيفة الخدمات، ورفع من مستويات الفقر، وألقى بضغطه على البنى التحتية في المدن الكبرى دون مساعدات حكومية حقيقية.

وعلى الرغم من أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بلغت حوالي 65% عام 2008 فإن الضرائب المباشرة التي سددها القطاع الخاص للخزانة العامة بالأسعار الجارية في ذلك العام لم تتجاوز 2% من الناتج، في حين سدد القطاع العام الذي تراجعت مساهمته في الناتج في العام نفسه إلى 35% في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سدد حوالي 5% من الناتج المحلي.[16]

استطاع القطاع الخاص المدعوم من قبل بشار الأسد بشكل مباشر أن يرفع استثماراته في الدولة، ولكن معظم الاستثمارات كانت في قطاع الخدمات من تجارة خارجية وسياحة وأعمال نقل، مع تهميش واضح لقطاع الصناعة والزراعة والقطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تشغل عمالاً وتخلّف استثمارات وطنية حقيقية مثل المعامل.

بالنتيجة نقل النهج الاقتصادي الجديد المطبق بين عامي 2004 – 2007 ما يقرب من 22% من السكان المصنفين "تحت خط الفقر الأعلى" نزولاً نحو عتبة "تحت خط الفقر الأدنى" لتصبح نسبة الفقراء أكثر من 34%، أي ما يبلغ حوالي 7 مليون سوري[17]، كما ارتفعت نسب البطالة وتضاعفت أسعار السلع الرئيسية، وجرى خفض الدعم عن المشتقات النفطية وتحرير أسعارها ضمن شرائح، ونشأت أفكار توزيع الدعم بطريقة رجعية مثل "البونات" التي خلفت مشاكل كبيرة في البلاد أبرزها كان هدر الوقت وزيادة الاحتقان بين فئات الشعب وفتح أبواب فساد لصغار الموظفين.

ويمكن القول إن الفترة التي تسلّم فيها بشار الأسد الحكم وحتى عام 2011، تتلخص بالآتي:

  • انفتاح الاقتصاد السوري على العالم بشكل ملحوظ، وتوسع التجارة الخارجية، وجذب استثمارات لم تكن موجودة في البلاد مثل الاتصالات والانترنت، والعقارات الضخمة.
  • ظهور فئة من الشباب الذين حكموا الاقتصاد السوري إلى جانب بشار الأسد الذي كان يحكم البلاد من أمثال رامي مخلوف.
  • زيادة الهجرة الداخلية وتفاقم ظاهرة العشوائيات، ارتفاع معدلات الفقر، وارتفاع مستوى البطالة بشكل ملحوظ.
قبيل الثورة كان هناك أكثر من 3 مليون سوري عاطل عن العمل، وقرابة 7 مليون يعيشون تحت خط الفقر - غيتي

رابعاً: الاقتصاد السوري بعد 2011 وحتى سقوط نظام بشار الأسد

مع بداية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011 عمد بشار الأسد إلى استخدام الاقتصاد السوري كأداة من أدوات الصراع مع الجمهور الذي ثار ضده، حيث يمكن أن نلاحظ أن استخدام الاقتصاد كان ورقة لتهدئة المتظاهرين تارة، أو لمعاقبتهم تارة أخرى.

وفي 24 مارس 2011[18] أصدر مرسومًا تشريعيًا يقضي بزيادة 1500 ليرة لكل موظف حكومي شهريًا، مع 30% زيادة إضافية على إجمالي الراتب، وهي المحاولة التي ارتبطت بتصريحات لمستشارة الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بثينة شعبان، كان عنوانها: "خلصت" ليرد الشعب السوري بشعار مشهور "يا بثينة ويا شعبان الشعب السوري مو جوعان"، وهو ما أعطى دلالة على عمق الفجوة بين الحكومة والشعب.

مع بدء الثورة السورية، عمد الأسد إلى تحفيز القطاع الخاص على الانخراط في تكوين جماعات ميليشيوية تقاتل بجانبه. وكانت النتيجة استنزاف موارد البلاد، وتراجع القطاع الخاص، وتدمير البنى التحتية.

اعتمد بشار الأسد بشكل كبير على موظفي القطاع العام في حشد التأييد له، والتأكيد أنه لا يزال يتمتع بالشعبية، كما استخدم مؤسسات الدولة لنشر القناصات والحواجز العسكرية، ثم ما لبث أن امتد الأمر ليجعل من الخدمة العامة منحة يحرم منها من لا يؤيده، وهكذا حتى استخدم موارد الدولة في الخزينة العامة، واستثمرت الأموال في المصرف المركزي لتمويل المعركة، وكان رئيس الوزراء المكلف من قبل الأسد عماد خميس قال: "أولوية الحكومة الحالية هي تأمين مستلزمات الجيش ودعمه.."[19].

ويمكن القول إن الاقتصاد السوري في هذه المرحلة اتصف بثلاث معالم رئيسية، هي:

  1. اقتصاد في خدمة الحرب: حيث تم تسخير مؤسسات الدولة، وإجبار التجار على دعم الجيش أو القوات المقاتلة في صفوف النظام السوري، كما راحت الحكومة تقدم كل ما يمكن تقديمه لخدمة المعركة، وبالفعل نجد أن الحكومات المتعاقبة شاركت في قطع الخدمات الرئيسية عن المدن والقرى التي تخرج من سيطرة النظام السوري، حيث يتم قطع الكهرباء والمياه والاتصالات.
  2. مؤسسات وخدمات وبنى تحتية محتكرة من قبل الأسد: حيث تم التركيز على أن تبقى هذه المؤسسات والخدمات والبنى التحتية تحت سيطرة النظام السوري، وما إن تخرج أحد هذه المؤسسات أو يتم السيطرة على جسر أو مشفى أو مدرسة حتى يتم تعمد قصفه وتدميره كلياً أو جزئياً، على جانب الأخر تم منح بعض الاستثناءات للمعارضين للاستفادة من مؤسسات الدولة ولكن بشرط أن يدفعوا مبالغاً كبيرة كالرسم الذي كان يدفع لاستخراج جواز سفر ( 800 دولار أمريكي)، ورسم بدل الإعفاء من الخدمة العسكرية (10 آلاف دولار)، وغيرها.
  3. الاعتماد على شبكات واسعة ومتفرعة في سبيل التهرب من العقوبات: حيث عمد بشار الأسد ومن معه من رجال أعمال إلى نشر عشرات المستثمرين الصغار المرتبطين بشبكة أخرى من المستثمرين الأصغر كذلك داخل وخارج سورية في سبيل تحقيق مكاسب مالية تصب في خدمة النظام السوري.
مع بدء الثورة السورية، استفاد الأسد من موارد الاقتصاد لتمويل الحرب، وسخّر القطاع العام لتوليد ما يكفي لدعم الجيش والأمن - غيتي

الجدول رقم (1) مقارنة بين النهج الاقتصادي المتبع على عهد حزب البعث، وعهد حافظ الأسد وعهد بشار الأسد قبل وبعد 2011

بشار الأسد من 2011 وحتى 2024

بشار الأسد قبل 2011

حافظ الأسد

حزب البعث

عامل المقارنة

اقتصاد الحرب وتسخير المؤسسات العامة والخاصة لخدمة "المعركة"

اقتصاد السوق الاجتماعي القائم على الدعم الاجتماعي للفئات الضعيفة وفتح الاقتصاد للنخب الاقتصادية الموالية للأسد

براغماتية قامت على المزج بين اشتراكية حزب البعث وإرضاء البرجوازية السورية

إيدلوجيا قائمة على الاشتراكية: وسائل الإنتاج مملوكة للحكومة

الأساس النظري

كل من يستطيع أن يؤمن موارداً اقتصادية لصالح الأسد أو الجيش أو الأفرع الأمنية أو الميليشيات الموالية

أبناء كبار المسؤولين السابقين من شباب الأعمال الذين يمتلكون السلطة والمال في آن واحد.

قيادات من خلفيات ريفية، ومدينية، وعشائرية متنوعة، يتم تعيينها على أساس الولاء مقابل إطلاق يدها في المؤسسات التي تديرها.

قيادات عسكرية ريفية تفتقر للتأهيل الفني، وترى أن الزراعة هي القطاع الاقتصادي الأهم

القيادات الاقتصادية

مساعدات الحلفاء، أموال العائلة وكبار رجال الأعمال، الكبتاغون، حجز ومصادرة أموال المعارضين، رسوم الخدمات الحكومية

الاستثمارات الخاصة للأسرة الحاكمة وأبناء المسؤولين

النفط والمساعدات الخارجية

الزراعة

الموارد الرئيسية للدولة

دعم الجيش والأمن

دعم اجتماعي و رواتب الموظفين في القطاع العام.

الإنفاق العسكري[20] وجمع الأموال من قبل الأسرة الحاكمة والمحسوبين عليها

تأهيل مؤسسات الدولة وبناء شبكة دعم اجتماعي

الإنفاق الرئيسي للحكومة

دمار واسع في البنى التحتية

ديون كبيرة لصالح حلفاء الأسد

ارتفاع معدلات الفقر والبطالة لمستوى غير مسبوق

تراجع في قيمة الليرة السورية وتراجع مستوى النمو

هيمنة فئة من الشباب على الاقتصاد

ارتفاع معدل الفقر ليصل إلى ثلث السكان

زيادة العشوائيات وارتفاع نسبة البطالة

تراجع دور القطاع الحكومي الإنتاجي

عقوبات وحصار اقتصادي

فساد منظم أدى لخسائر في مؤسسات الحكومة الانتاجية

تحالفات عميقة بين مسؤولي الحكومة وبعض رجال الأعمال من القطاع الخاص

تأميم معظم المؤسسات الاقتصادية الكبرى

تبني التخطيط كركيزة أساسية لتسيير الاقتصاد

إحلال فقرات دستورية تؤكد اشتراكية الاقتصاد السوري

المخرجات والآثار

المصدر: من إعداد الباحث

خامسًا: الواقع الاقتصادي بعد أيام على سقوط نظام بشار الأسد في سوريا

أفرزت إصلاحات بشار الأسد ورؤيته الاقتصادية عن ذئاب اقتصادية ابتلعت المقدرات العامة، وهيمنت على معظم نواحي الاقتصاد، ولكن هذه الذئاب نفسها عادت لتدفع ما كسبته في خدمة "المعركة" التي اعتبرتها معركة موجهة ضد مكاسبها بالدرجة الرئيسية، فسلّح كبار رجال الأعمال المحسوبين على الأسد كتائب وفصائل عرفت بالدفاع الوطني، وبدأ بشار الأسد بالاعتماد على زوجته لتطبيق رؤيتها في تطوير الشبكات الاقتصادية التي أبدعتها عند تأسيس الأمانة السورية للتنمية[21]، والتي استخدمت أسلوب الفروع والأغصان لتطوير أعمالها داخل وخارج سوريا، وذلك بعد أن استنزفت معظم رجال الأعمال الذين أفرزتهم مرحلة ما قبل 2011 من أمثال رامي مخلوف الذي تم الحجز على أمواله.

كانت نتيجة 14 عاماً من الصراع هو دمار البنى التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، واعتماد الدولة على دعم حلفاء النظام والمساعدات الإنسانية، كما هاجر مئات آلاف العمال الكفوءين ورؤوس الأموال.

استطاع الأسد عبر شبكاته الاقتصادية الجديدة، إضافة للدعم القادم من حلفائه الإيرانيين والروس، وكذلك ما تبقى من موارد المؤسسات الحكومية؛ أن يحافظ على قدرات النظام في تمويل المعركة والصرف على الجيش والأمن المنتشرين في أرجاء البلاد.

ومع سقوط حكمه في مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2024 تكشف الأمر عن واقع اقتصادي مأساوي يتمثل بأكثر من 14 مليون سوري يعيشون تحت خط الفقر، وناتج محلي إجمالي لا يكاد يقارن بمساهمة بعض مدن المنطقة في الناتج المحلي الإجمالي لدولها، وليرة سورية بقيمة 15 ألف مقابل الدولار، ومتوسط رواتب حكومية تصل بالكاد إلى 17 دولاراً، وجهاز إنتاجي ضعيف، مع موارد طبيعية مستنزفة، وبنى تحتية مدمرة.

المراجع


  • [1] للمزيد حول حزب البعث راجع، حزب البعث العربي الاشتراكي النشأة والتكوين، المركز الثقافي للبحوث والتوثيق- صيدا، 2007، الرابط.
  • [2] خالد العظم صانع النهضة الاقتصادية السورية، الأمة السورية، 2020، الرابط.                           
  • [3]  مفكر سوري، شيوعي سابق أنضم للحزب بعد استلامه السلطة،  وخرج من الحزب بعد عام، يمكن قراءة المزيد حول أفكاره في بحث نشره المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات بعنوان: ياسين الحافظ معاصراً، الرابط.
  • [4]  يرتس، فولكر، الاقتصاد السياسي في سورية تحت حكم الأسد، ترجمة عبد الكريم محفوض، المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية –واشنطن، الطبعة الأولى آذار 2012 ص83.
  • [5] - سوريا الدولة المتوحشة، ميشيل سورا، ص112.
  • [6] دستور سورية، 1971.
  • [7] تاريخ سورية المعاصر، كمال ديب، دار النهار، ص 675. وللاطلاع على أسباب خسائر هذه المصانع أنظر المصدر نفسه ص 424- 426.
  • [8] أورد باتريك سيل في كتابه الأسد -الصراع على السلطة أن  كامل المبلغ الموجود في خزينة البنك المركزي والذي تم تقديمه إلى رفعت الأسد كان 4 ملايين دولار فقط ، وقد تكفل الرئيس الليبي معمر القذافي بدفع باقي المبلغ الذي طلبه رفعت الأسد والذي كان بحسب باتريك سيل 40 مليون دولار.  في حين يذكر  عبد السلام أحمد جلود وهو الشخصية الثانية بعد معمر القذافي،  في مذكراته "الملحمة" أن رفعت الأسد وافق على الخروج مقابل 200 مليون دولار طلبها منه حين كان يقوم بدور الوسيط بين الرئيس حافظ أثناء وجوده في المشفى وبين أخيه رفعت. وأنه رتب لخروجه إلى الاتحاد السوفييتي ، وقام بدفع ما تبقى من المبلغ بعد افراغ البنك المركزي.: أنظر جلود، عبد السلام " الملحمة، ص 180 -181.
  • [9] نص قانون الاستثمار رقم 10، 1991، موقع الأستاذ رياض سيف، الرابط.
  • [10] أنظر: كمال ديب، مرجع سابق،  ص 682 - 683.
  • [11] على سبيل المثال تم حبس الأستاذ سامر سلاخو ( وهو رجل أعمال سوري) في أواخر التسعينات؛ بسبب تأسيسه لشركة دراسات جدوى اقتصادية في دمشق، رغم أنه حصل على التراخيص الأمنية والتجارية اللازمة لها، وأتى سجنه على خلفية جمع معلومات من الأسواق.
  • [12]  للمزيد راجع محاضرة أستاذ الاقتصاد الدكتور عارف دليلة عضو الهيئة التأسيسية لمنتدى الحوار الوطني، والتي أُلقيت في منتدى جمال الأتاسي في دمشق في 2 أيلول 2001، واعتُقل بعدها وأُحيل إلى محكمة أمن الدولة العليا. الرابط.
  • [13] ليس هناك اسم أو مصطلح واضح ومتفق عليه للطبقة المحدثة، ففي أدبيات اليسار جرى توصيفها بـ البورجوازية الطفيلية، أو البورجوازية البيروقراطية، أو بحسب جمال باروت “البورجوازية المترسملة من جراء حيازتها لأجهزة الدولة كما أطلق عليها المفكر عزمي بشارة في كتابه حول سورية توصيف الذئاب الشابة، لكن بغض النظر عن التسميات فإن الجميع متفق على مصدر ثروتها الآتي من حيازتها الطويلة للدولة.
  • [14] الاقتصاد السوري من أمراء الفساد إلى أمراء الحرب، وجيه حداد، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2017، الرابط.
  • [15] إعمار الجزيرة السورية وتدهورها، مركز حرمون للدراسات المعاصرة بتاريخ 15 تموز 2020، الرابط.
  • [16] جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الصمود والإصلاح، ص 102.
  • [17] تقرير الفقر متعدد الأبعاد في سورية 2001-2009، المركز السوري لأبحاث السياسات، الرابط.
  • [18] المرسوم رقم 40 لعام 2011، راجع موقع مجلس الشعب السوري، الرابط.
  • [19] تصريح عماد خميس في مجلس الشعب، تكلفة الطلقة الواحدة مليون وسبعمئة وخمسين ألفاً، عنب بلدي، يناير-كانون الثاني 2017، الرابط.
  • [20] إن الإنفاق العسكري كما ورد  في تقارير ميزانيات الحكومة كان نحو 35% من مجمل الميزانية منذ مطلع السبعينات حتى عام 1978، وبلغ ذروته حين وصل زهاء 40% في تلك السنوات التي سبقت عام 1987، ومن ثم انخفض مرة ثانية إلى نحو 30 %، باستثناء فترة حرب الخليج عام 1991، حين أنفق ما يزيد على 35% من الميزانية على العتاد العسكري.
  • [21] مؤسسة سورية أسستها أسماء الأسد عام 2007.
المصادر:
خاص موقع التلفزيون العربي
شارك القصة